ما الذي يحدث في الريف المغربي؟

الثلاثاء 06 حزيران 2017
من ساحة الشهداء، الحسيمة

تعيش منطقة الريف شمال المغرب منذ أيام على وقع اضطرابات ومسيرات احتجاجية يومية كرد فعل من السكّان على التدابير التي اتخذتها السلطات المغربية بحق قيادة ما بات يعرف بحراك الريف الشعبي، الذي انطلق منذ سبعة أشهر بعد حادث وفاة بائع السمك محسن فكري، مسحوقًا في شاحنة لنقل النفايات في محاولة يائسة منه لاسترجاع بضاعته التي قررت الشرطة مصادرتها عند خروجه من ميناء مدينة الحسيمة.

الحادث الذي خلف غضبًا عارمًا بين سكان المدينة، دفع شبابها إلى تنظيم أنفسهم والتعبير عن استيائهم من وضعية المنطقة الاجتماعية ورفضهم لسياسة الدولة التي يصفونها بـالقمعية. حراك الريف طالب برفع «العسكرة» عن المنطقة، وبوظائف لشبابها العاطل، وبمراكز صحية وبنية تحتية أخرى تحتاجها المنطقة وعدتهم بها الدولة لكن لطالما أخلفت وعودها.

حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط المكلّفة بإعداد الإحصاءات الرسمية، فإن نسبة البطالة في المنطقة تفوق 16 بالمئة، ما يمثل ضعف المعدل الوطني في المغرب. ولم تنجح استثمارات النظام التعليمي في ضمان استمرار أطفال المنطقة حتى وصولهم مستويات عليا في التعليم، حيث لا يصل إلى التعليم الثانوي سوى 5.9 بالمئة منهم. وتبقى نسبة الأمّية مرتفعة حيث تصل إلى 39.3 بالمئة بالرغم من أن أكثر من ثلث سكان المنطقة من الشباب الذي تتراوح أعماره بين 15 و34 عامًا. ويشتغل في إقليم الحسيمة 180 طبيبًا بين القطاعين العام والخاص، ما يمثّل أقل من طبيبين لكل ألفي نسمة، وهو نصف المعدل الوطني، ناهيك عن غياب مصلحة طبية في المجمع الصحي بالمدينة، متخصصة في أمراض السرطان، و هو مطلب وعدته الدولة المغربية مع بداية عهد الملك محمد السادس، في إطار محاولة جبر الضرر الجماعي وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها عهد الملكين محمد الخامس والحسن الثاني والتي استعملت خلاله أسلحة كيماوية لقمع انتفاضة الريف سنة 1958، لا زالت تؤدي، حسب سكان الحسيمة، إلى حالات عديدة من أمراض السرطان.

الزفزافي أيقونة الحراك

منذ سبعة أشهر يخرج سكان المنطقة بشكل أسبوعي في مسيرات احتجاجية مطالبين الدولة المغربية بتحقيق مطالبهم، وقد أفرز الحراك قيادة ميدانية على رأسها ناصر الزفزافي، وهو شاب من المدينة عاطل عن العمل، جعلت منه كاريزماه وخَطَابتُه قائدًا محبوبًا وساعدت شبكات التواصل الاجتماعي على توسيع رقعة تأثيره، وفي إيصال صوت شباب منطقته إلى باقي مناطق المغرب وخارج البلاد.

في خطاباته على الشبكات الاجتماعية، هاجم ناصر الزفزافي الحكومة المغربية التي اتهمها بإهمال منطقته واتباعها سياسة متعمّدة لإهانة أبنائها والانتقام من تاريخها النضالي في مواجهة الاستعمار والملكية، وطالب السكّان المحلّيين بمواصلة الاحتجاج وقلب موازين القوى لفرض الإصلاحات بالضغط على أجهزة الدولة. كما هاجم الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التي وصفها بالدكاكين التي تعمل على إخماد كل محاولة للمطالبة بالتغيير، ونادى بمقاطعتها.

لقيت نداءاته صدىً واسعًا بين شباب المنطقة الذين اعتبروه قائدًا إلى حد وضع صوره على أقمصة المحتجين، وتحذير النظام المغربي من أي محاولة لقمعه، حيث كان من بين الشعارات الأكثر ترديدًا في المسيرات «المخزن حذاري، كلنا الزفزافي».واليوم يهتف باسم الزفزافي إلى جنب اسم القائد الريفي عبد الكريم الخطابي، مقاوم الاستعمار الإسباني، ومؤسس جمهورية الريف التي عاشت بين 1921 و1927 والتي يحمل المحتجون أعلامها كمفخرة محلية، ما دفع الدولة لاتهامهم بحمل مشروع انفصالي.

أزعج الزفزافي ورفاقه الحكومة بظهورهم الإعلامي والاحتجاجي، إلى أن أصدرت الأغلبية الحكومية بلاغًا تتهم فيه الحراك بالانفصالية وأنه مدعومٌ من أجندات أجنبية تموّله بهدف زعزعة استقرار المملكة. و قال زعماء أحزاب الأغلبية، وبعضهم وزراء، في لقاء دعا إليه وزير الداخلية عبد الوفي لفتيت وحضره رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، إن مطالب حراك الريف هي خرافات، وإن لشباب الريف من المحتجين نيّة مبيّتة لضرب استقرار الدولة المغربية، ونادوا بمعاقبة النشطاء.

لم ينتظر الزفزافي ورفاقه كثيرًا قبل الرد على تصريح الأغلبية، فنادوا في 15 أيّار إلى إضراب عام ومسيرة احتجاجية في مدينة الحسيمة يوم الخميس 18 من نفس الشهر. وكانت الأجهزة الأمنية قد انتقلت إلى الحسيمة قبل ثلاثة أيام وأقامت معسكرًا لها غرب المدينة، وفي محاولة منها لاستعراض قوّتها، تجولت القوات بمعداتها وسط المدينة وفي البلدات المحيطة بالحسيمة.

ناشط في الحراك يرتدي صورة الزفزافي خلال إضراب 18 أيّار

وبعد ظهر يوم الخميس، 18 أيّار، أغلقت أغلب المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم أبوابها، واستعد الشباب للنزول إلى ساحة محمد السادس، وهي ساحة كبيرة وسط المدينة، أعادوا تسميتها بساحة الشهداء. في الساعة السادسة مساء، امتلأت الساحة عن آخرها ومشى عشرات الآلاف من المواطنين في أزقة وشوارع المدينة في تعبير سلمي عن رفضهم لاتهامات الحكومة.

بتأثير من هذه الاحتجاجات تراجعت الحكومة عن اتهاماتها، وخرج بعض الوزراء ليعتبروا مطالب الحراك مشروعة وأنه يجب إيجاد حلول لها. الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، في محاولة منه لتهدئة الوضع، صرّح بأن إنجاز تلك المشاريع عرف تأخيرًا يقدّره بسنة، وأن الدولة عازمة على إدراك هذا التأخر.

وبالفعل، أرسلت الحكومة بعض أعضائها لمدينة الحسيمة والتقى وزراؤها المواطنين والجمعيات، ولم يلتقوا ممثلي الحراك الشعبي. في نفس الوقت، تكاثرت تهم تخوين قيادة الحراك في وسائل الإعلام الموالية للسلطة ولأجهزة الاستخبارات، وهو ما اعتبره أعضاء الحراك الشعبي محاولة لتقسيم المناضلين في الريف وتفكيك التضامن والوحدة الذين عرفتهما الاحتجاجات منذ تشرين الأول 2016. ودعا الزفزافي ورفاقه إلى عدم الثقة في وعود الحكومة التي صرّحت بعزمها استثمار 10 مليار درهم (مليار و28 مليون دولار أمريكي) في مشاريع تنموية بالمنطقة.

خطبة الخلاف

كان يوم الجمعة 26 أيار يومًا فارقًا في مسيرة الاحتجاجات. فخلال خطبة صلاة الجمعة، التي خصّصتها وزارة الشؤون الإسلامية لحراك الريف، اتهم إمام مسجد محمد السادس في الحسيمة حراك الريف بزرع الفتنة ونادى للتراجع عن الاحتجاج. ولم يكمل خطيب الجمعة قراءة خطبته حتى تفاجأ بتدخّل ناصر الزفزافي الذي انتزع منه الميكروفون وتوجه للمصلّين وعبّر عن استنكاره استعمال الدين من قبل السلطة وذكّر أن الملك محمد السادس، بصفته أميرًا للمؤمنين، منع الأئمة من مزاولة السياسية والتدخل في الشؤون السياسية. وطالب الزفرافي المواطنين بمقاطعة المساجد.

شكّل هذا الحادث نقطة انعطاف في حياة الحراك، حيث صدرت مباشرة بعده مذكرة اعتقال في حق قائد الحراك، بتهمة عرقلة حرية مزاولة العبادة. وتجمع عدد كبير من المواطنين، بينهم مصلون غادروا المساجد، حول ناصر الزفزافي لصد محاولات الشرطة اعتقاله. ونجحوا في إخراجه من مدينة الحسيمة ليلة الجمعة من دون أن يتعرض للتوقيف.

وتبادل المتظاهرون ورجال الأمن التراشق بالحجارة واعتقلت الشرطة عشرات الشباب. تواصلت المداهمات الليلية والمواجهات العنيفة حتى يوم الإثنين حيث عثرت قوات الأمن على ناصر الزفزافي في منزل شاطئي يبعد 18 كيلومترًا شرق الحسيمة، وتم اقتياده إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في الدار البيضاء. وتحوّلت الاتهامات الموجهة إليه من عرقلة حرية العبادة إلى الحصول على أموال من الخارج بهدف زعزعة ولاء المواطنين للدولة وزعزعة استقرار هذه الأخيرة وهي تهم ثقيلة تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد.

توسّع رقعة الاحتجاجات

اعتقدت الدولة المغربية أن الحراك سينتهي باعتقالها لقيادة الحراك، لكن الاحتجاجات المتواصلة أثبتت الأثر العكسي لهذه المقاربة الأمنية، وأن الدولة أمام حالة جديدة من التعبير عن الغضب لم تنفع معها الوصفات التي نجحت في السابق، وصفات كانت تمزج التدخل الأمني واستعمال وساطات مجتمعية وشخصيات وازنة من الريف بوعود بحل الأزمة الاجتماعية.

يتواصل إلى اليوم اعتقال النشطاء الريفيين، حيث وصل عددهم إلى 56 معتقلًا، وتعيش مدينتا الحسيمة وإمزورن أقوى الاحتجاجات الليلية التي تعرف أغلبها مواجهات مع الأمن يستعمل فيها الغازات المسيلة للدموع. وقد قرر النشطاء في عدد من المدن المغربية التعبير عن تضامنهم ورفضهم لموجة الاعتقالات بالخروج إلى الشارع، حيث نزل المواطنون في مدن الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش وأكادير وبني ملال وورزازات وغيرها، وقوبل المحتجون في أغلب هذه المدن بمنع السلطات وتدخلها لفض الاحتجاجات.

ومع حراك الريف، عادت إلى عدد من المدن رغبة التنظيم وإعداد مطالب اجتماعية واقتصادية محلية، وارتفعت وتيرة الاحتجاجات على الصعيد الوطني بفعل تأثير الحسيمة. لم تواجهه السلطات المحتجين إلى اليوم إلا بالتدخل الأمني فضلًا عن الرجوع إلى الدعاية المضادة عبر الإعلام والإعلانات الإشهارية التي تنادي بالحفاظ على الاستقرار وتجنب الفتنة، وعادت إلى القنوات الإذاعية الأغاني الوطنية وتم تجييش مواطنين يصفهم النشطاء بكونهم «بلطجية» لمهاجمة الاحتجاجات والوقفات التضامنية، حيث تعرّض عدد من المحتجين في تطوان ومراكش و خريبكة وبني ملال للضرب من طرف مجموعات بعضها يسمي نفسه حركة الشباب الملكي. في سلوك يخبرنا أن الدولة لم تتعلم بعد أن جيل الزفزافي ورفاقه ظاهرة جديدة، ما يفسر ارتباكها في معالجة الأمر والالتجاء إلى القمع كوسيلة أبرز للرد على الاحتجاجات.