الانتخابات الأمريكية على الإنترنت: مزيج من السخافة والديمقراطية

الأربعاء 13 آذار 2019
لقطة من مسلسل «ذا سيمبسونز» انتشرت كـ«ميم» في الانتخابات الرئاسية الماضية.

مع بدء الترشح للانتخابات الرئاسية في أمريكا، تذكرت ما سبقها من سباق انتخابي في عام 2016، سباقٌ غريب صدمت مجرياته ونتيجته الكثيرين، ولا أستثني نفسي. ليلة الانتخابات كانت سيريالية بالنسبة لي؛ سيريالية بسخافتها، كنت متحمسًا كمتابع مباراة رياضية، رغم أني لا أقف في صف أي من المرشحين. أتتبع الأصوات في كل ولاية وأقرأ ردود الأفعال على عدة مواقع. كالعادة، الحماس انتهى بعد أيام مع عودة الواقع الدامي، فعدت أتأمل الديمقراطية وما حصل في تلك الليلة في غيرها من ليالي الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، التي تحظى بجيش بلا ند وثقافة استهلاك غير منقطع، ولعل أهم ما وصلت إليه هو السخافة المجبولة في هذه الانتخابات، وربما في الديمقراطية الرأسمالية بعامة. لم يبدأ هذا الجانب قبل أعوام وإنما قبل عقود وربما قرون، وأغلب الظن أنه سيطل علينا قريبًا مرة ثانية في انتخابات 2020، معززًا بدور الإنترنت الذي أمسى عالمًا موازيًا قادرًا على التأثير على عالمنا وأهم قراراتنا.

صرخة دين

في الانتخابات الأمريكية عام 2004، كان هوارد دين من المرشحين الديمقراطيين الذين عارضوا الحرب الأمريكية على العراق في وقتٍ كان الكثيرون في حزبه يقفون بصفها. اعتمدت خطته الانتخابية على توظيف الإنترنت ومحاولة جذب الناخبين من كل الولايات الأمريكية بدلًا من التركيز على ما يُعرف بالولايات المؤرجِحة، وهي الولايات التي تتأرجح النتيجة فيها بين المرشحيْن مما يزيد من الحرص و الجهد المُسخّر للفوز بها؛ مراهنةٌ لم تُعجب الديمقراطيين حينها، لكنها خطة اتبعها باراك أوباما بعد أربعة أعوام.

هوارد دين ليس مشهورًا على المستوى العالمي، وحتى في الولايات المتحدة لا يُعرف تمامًا لموقفه ضد الحرب أو استراتيجيته التي ساعدت أوباما بالفوز وفقًا للبعض. ما جعل دين مشهورًا ببساطة هو ما سمّي بصرخة دين. فبعد حصوله على المركز الثالث في الموسم الأولي لانتخابات الحزب الديمقراطي، ألقى دين خطبةً مُفعمة بالحيوية ليُطمئِن الناخبين بأنه سيعمل في جميع الولايات ليصل أخيرًا إلى البيت الأبيض، مُطلقًا صرخته الحماسية التي يشار إليها كأحد الأسباب التي أنهت مسيرته الانتخابية. هوارد كان رياديًا في استخدام الإنترنت، وحرصت سخرية القدر على التضحية به على مسلخ الإنترنت ليتحول هو إلى «ميم».

الكاريزما في السياق السياسي

يزعم بول غراهام في مقالته التي تحمل عنوان «إنها الكاريزما، أيها الأحمق» أن الفيصل الأهم والأخير في الانتخابات الأمريكية هو كاريزما المرشحين الرئاسيين؛ المرشح الكاريزماتي هو من سيفوز بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى. غراهام لا يعني بذلك أن الحملات والوعود الانتخابية والسياسات المرجوة من المرشحَين يُرمى بها بعرض الحائط وإنما تتفاعل كقوى متنافرة من قِبل الطرفين وتلغي بعضها البعض، ليبقى العامل الوحيد الذي يتفاوت لا وفقًا للسياسة بل لشخصية المرشح نفسه، الكاريزما.

لتعزيز زعمه، يذكر غراهام فوز بوش الابن العفوي عندما لاقى جون كيري الجاد والذكي. بيل كلينتون الديناميكي انتصر على بوش الأب العجوز، وكذلك فعل رونالد ريغان الممثل الذي نافس جيمي كارتر. يذكر غراهام أيضًا أن فوز نيكسون لوهلة يشذ عن القاعدة لأنه لم يملك كاريزما خصمه هيوبرت همفري، يستدرك غراهام قائلًا أن ما حصل في الحقيقة يعزز نظريته لأن نيكسون بنفسه أدرك أنه لا يملك كاريزما هيوبرت ورفض الظهور أمام خصمه في المناظرة الانتخابية المتلفزة، لذلك لم يدرك الجمهور حجم الفارق بين شخصياتهم وأشكالهم.

بالطبع، سيتعرّض هذا الطرح لبعض الانتقادات التي تعتمد على ذِكر الجوانب الأخرى من الانتخابات، لكن كما أسلفت، وكما ذكر غراهام، الجوانب الأخرى لا تنفي الحاجة لفهم خصوصية هذا الجانب الشخصي -والسخيف في نظري- من الانتخابات. لفهمه بطريقة أفضل، علينا أن نستعين بالسلسلة الوثائقية لآدم كيرتيس قرن النفس «Century of the Self».

توظيف التصنيفات الاستهلاكية في الانتخابات

تتكون السلسلة الوثائقية الحائزة على عدة جوائز، والتي عُرضت على قناة بي بي سي، من أربع حلقات يتتبع فيها كيرتيس الآثار السياسية لنظريات سيجموند فرويد وأفراد عائلته؛ ابنته آنا وابن اخته إدوارد بيرنايس المعروف، بالإضافة إلى آيفي ليي، كأحد المؤسسين لما نعرفه اليوم بمجال «العلاقات العامة». رأى بيرنايس في البروباغندا التي استخدمتها الدول العظمى في الحروب العالمية لشحذ الهمم وشيطنة الأعداء سلاحًا لا يجوز وضعه جانبًا في أوقات السِلم، ما فعله هو إزاحة فوهة السلاح لإصابة عقول المواطنين لغاية غير القتل ألا وهي تغذية الرغبات الفردية بالاستهلاكية بقصد السيطرة عليهم. ولفعل ذلك بسلاسة أطلق مصطلح العلاقات العامة الألطف وقعًا على السمع والساتر لحقيقته كمصطلح البروباغندا. اعتمد بيرنايس على نظريات خاله فرويد التي تتعمق في الجانب اللاعقلاني في وعي الأفراد والجماعات، ورأى بيرنايس وغيره، مثل المفكر السياسي والتر ليبمان، ضرورةً لوجود نخبة مهمتها الهيمنة الفكرية والإعلامية لخلق المواطن الديمقراطي، لأن المواطن إن تُرِك على «حل شعره» لن يكون عاقلًا بما فيه الكفاية كمواطن ديمقراطي مثالي. بعدها حاولت مجموعة من المحللين النفسيين ومن المختصين في البروباغندا والعلاقات العامة أن تحول المواطن الأمريكي إلى آلة استهلاكية. يشير كيرتيس إلى ذلك بذكر ما قاله إدغارد هووفر بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية مخاطبًا جمعًا من الدعائيين والضليعين في مجال العلاقات العامة، مخبرًا إياهم أن وظيفتهم هي صناعة الرغبات؛ أنهم حولوا البشر إلى آلات سعادة متنقلة أصبحت المفاتيح للنمو الاقتصادي.

في سبيل تبسيط الآلية التي عمل بها هؤلاء المحللون النفسيون سأذكر بعض الأمثلة، أولها هو تدخين النساء للسجائر. في النصف الأول من القرن الماضي، لم يرق للجميع في الولايات المتحدة تدخين النساء للسجائر. لكن عدم تدخينهن في حينها شكّل مشكلة في نظر جورج واشنطن هيل، رئيس الشركة الأمريكية للتبغ، لأن النظرة الاجتماعية التي تمنع النساء من التدخين تقلل القوة الشرائية لمنتجه. لحل هذه المشكلة الاستهلاكية، استشار بيرنايس المحللَ النفسي أبراهام بريل ليدرس الدافع النفسي الذي يمكن استغلاله في خطته الدعائية. وفقًا لبريل كانت السيجارة رمزًا للقوة الذكورية والنساء يرغبن بتقلّد تلك القوة. بناء على هذه الاستشارة حوّل بيرنايس السيجارة إلى رمزٍ يخاطب حاجات شخصية عند النساء، ربطها برمزية لتحررٍ نسوي وسماها «شعلات الحرية». الحرية، التي هي حاجة أساسية ومحترمة عند البشر (أو على الأقل هذه إحدى المسلّمات في عصرنا)، ارتبطت هنا بالاستهلاك وبمنتج مُضرٍ بالصحة. تكلمت الصحف عن النسوة اللواتي دفعهنّ بيرنايس للتدخين في أماكن عامة عام وتم تقليدهن في ولايات مختلفة لينكسر العُرف، وتجني شركات التبغ الأرباح التي تحب.

اعتمد العديد من المرشحين السياسيين على الدراسات التي أقامتها الشركات ومعاهد الأبحاث على تقسيم المواطنين وفق الحاجات والخيارات الشخصية، لا وفق التصنيفات التقليدية من دين وعرق وجنس فحسب.

لفهم شخصيات المستهلكين أقام معهد ستانفورد للأبحاث دراسة على عينة من الشعب الأمريكي بالاعتماد على نظرية أبراهام ماسلو، المبنية على ترتيب الحاجات البشرية بهرمٍ نعرفه باسم هرم ماسلو، يأتي تحقيق الذات في قمته. شكّل المعهد استبيانًا بعشرات الأسئلة وأرسلها بالبريد للمواطنين. الهدف هو تقسيم المستهلكين لا وفقًا للعمر أو الجنس أو المستوى الاجتماعي أو المادي، وإنما وفق القيم الذاتية والشخصيات الفردية للمستهلكين، التي مهما تشعبت ستقع ضمن تصنيفات محدودة. النتائج شكّلت تسعة تصنيفات مختلفة، وإحدى المجموعات اخترقت كل الشرائح المجتمعية، إذ تكوّنت من أولئك الذين يؤمنون بأن قيمتهم تعتمد على خياراتهم الشخصية لا موقعهم في المجتمع، بمعنى آخر مجموعة من أولئك الذين آمنوا بأنهم يتميزون عن المجموعة؛ أولئك الذين يريدون تحقيق الذات كما استنتج ماسلو. لُقّب أفراد هذه المجموعة بالمُتجهين نحو الذات (inner directed). شكّل المعهد استبيانًا من ثلاثين سؤالًا يصنّف الأفراد وفق قراراتهم الحياتية، وتستطيع الشركات باستخدام هذه التصنيفات معرفة نوع المستهلكين لسلعهم وتحسين حملات التسويق.

استخدم هذا التصنيف في حملات رونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت ثاتشر في بريطانيا، إذ استعملا استراتيجية انتخابية تعد المواطن بإطلاق العنان لفرديته بعيدًا عن أعباء الحكومة. الساسة ظنوا أن الوعود من هذا النوع لن تنفع لكن الإحصاءات خالفتهم الرأي. لم يكن هناك نمط واضح لأي شريحة اجتماعية تفضل ريغان، لكن القائمين على الدراسة المذكورة لاحظوا أن «المتجهين نحو الذات» هم من أعجبتهم الرسالة الفردانية لريغان و ثاتشر. إذن قد لا تكون الكاريزما هي فقط من ساعدت ريغان كما زعم غراهام، وإنما طبيعة الرسالة التي أرسلها في حملته الانتخابية. النتيجة ليست أكثر جدية من فرضية الكاريزما، فالسخافة في هذا التوافق تكمن في ظن الكثيرين بأنهم مميزون. تميّزهم المزعوم حشدهم في مجموعة، مما سهّل توجيههم لا نحو الذات، بل نحو مرشحٍ دون آخر.

اعتمد العديد من المرشحين السياسيين على الدراسات التي أقامتها الشركات ومعاهد الأبحاث على تقسيم المواطنين وفق الحاجات والخيارات الشخصية، لا وفق التصنيفات التقليدية من دين وعرق وجنس فحسب. آدم كيرتيس يُنهي السلسلة بالكلام عن بيل كلينتون وتوني بلير واستخدامهما لتقنيات الشركات في التسويق لحصد الأصوات. لكنه يُذكرنا في الختام بأن بيرنايس لم يؤمن بأن المواطن قادر على أن يختار بعقلانية، لذا على النخبة استغلال الحاجات للمواطنين لإعطائهم وهم السيطرة. وبعد استغلالهم هذه التقنيات والوصول إلى البيت الأبيض، يكتشف الساسة أن الواقع لم يتغير ليناسب الأحلام التي وعدوا الناخبين بها.

المُرشح الميمي والكونغرس الإنستغرامي

بعد ثمانية أعوام من صرخة دين، برز رجل الأعمال والشخصية الترفيهية دونالد ترامب كمرشح جمهوري. وعلى عكس هوارد الذي بدأ بجدية وانتهى كـ«ميم»، تحوّل دونالد ترامب من «ميم» إلى رئيس؛ فوزٌ استغربه الكثيرون ممن استقوا المعلومات والتحليلات من وسائل الإعلام التلفازية.

فوز ترامب عنى الكثير، ومما عناه أن الكثيرين ممن صوتوا له لم يتابعوا تلك القنوات التلفزيونية لأنها عملت ليل نهار على تصويره بصورة مقيتة، بل عاشوا في عالمٍ موازٍ من المعلومات التي عرضته مواقع على الإنترنت وقنوات على اليوتيوب. لو نظرنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي سنجد مجموعة من الشركات لا تختلف البتة عن سابقاتها في القرن المنصرم، شركات تعتمد على دراسة المستهلكين لتفصيل السلع على مقاسهم، أو إعادة برمجة حاجات الناس الأساسية لجعلهم يرغبون بالحصول على السلع التي تقدمها هذه الشركات، أو ربما استغلال الميم لجمع المعلومات عن المستخدمين. السلعة التي قدمتها هذه المواقع هي عالم افتراضي يوازي عالمنا؛ عالمٌ حديث السن يذوّب المسافات الجغرافية الواقعية ويستبدلها برسم مسافاتٍ فكرية بيننا، أي يقربنا ويبعدنا وفق اهتماماتنا وأفكارنا.

منذ بدْء البشرية، كانت العائلة أولًا، والعشيرة كامتداد للعائلة، هي الوحدة الأساسية للبقاء والنواة للحضارة. الإنترنت الذي يعيد سرد التاريخ البشري بسرعة جبارة يحوّل النسخ التي وضعناها من أنفسنا في عالمه إلى أعضاء قبائل الكترونية تتصل بالأفكار والهوايات بدلًا من الدم والجغرافيا. ربما يكون موقع تويتر وخصوصًا أثناء الانتخابات السابقة هو المثال الأفضل لهذه المقارنة، حيث تتجمع هذه القبائل بصورة مجازية في مجموعات للدردشة وتعتمد كثيرًا على استعداء بعضها البعض، تكافئ الشلل التغريدات العدائية الموجهة للمجموعات التي تختلف معها، بعيدًا عن الموضوعية أو العقلانية في النقاش. لا تختلف هذه القبائل عن بعضها فقط بالآراء التي تصدرها بل بمصادر المعلومات التي تستقيها. الكم المحدود من الكلمات في التغريدات المقتضبة يجعل اللغة الميمية سواء (صوريًا أو لغويًا) وسيلة التواصل الأنسب، وأيضًا وسيلة الهجوم الأنجع على القبائل المعادية. التعليقات العدائية على قنوات اليوتيوب دليلٌ آخر على ذلك، يمكن الاستشهاد أيضًا بطبيعة التجمهر حول شخصياتٍ اشتهرت على اليوتيوب وكيف يتم توجيه المتابعين لها في صراعات شخصية بين أصحاب القنوات، كقبائل عصبية مستعدة لفعل أي شيءٍ للفوز على القبيلة المقابلة لها.

لو سلّمنا بهذا التشبيه يتضح لماذا انصدم الكثيرون بفوز دونالد ترامب. ما قاله في حملته الانتخابية لم يكن موجهًا للناس في العالم الواقعي وإنما لرجال الكهف على الإنترنت. هوارد دين لم يكن موفقًا لأن العالم الافتراضي أثناء حملته لم يكن قد نضج بعد، ولم يكن هناك مجال لأن يعزل الناخبين عن تلك النكتة التي لحقته منذ أن أطلق صرخته المتحمسة.  في المقابل استعان ترامب بشركة مثل كامبريدج أناليتكا لاختراق هذا العالم الافتراضي. وبدلًا من الاعتماد على الصحفيين وعلى نشرات الأخبار المتلفزة كما فعلت هيلاري، اعتمد على شخصيات من اليوتيوب مثل أليكس جونز المعروف بغرابة أطواره ونظرياته، أو مواقع الأخبار التي أدارها مساعدوه في الحملة مثل موقع «برايتبارت» الذي يديره ستيفن بانون الرئيس التنفيذي لحملته الانتخابية.

الحاجة الأساسية التي حفّزها ترامب كي يعرض نفسه كسلعة كانت خليطًا من صورته كصمام الأمن والأمان من أخطار مضخّمة كالمسلم «الإرهابي» أو المكسيكي «غير الشرعي»، ووعدٍ للمنتخبين بأنه سيخلّصهم مما أسماه «المستنقع» في البيت الأبيض كما فعل ريغان قبله بوعده بتخليص الفرد من سطوة الحكومة؛ رسالة وجهها ترامب للمتجهين نحو الذات الذين تكاثروا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي التي تعطينا جميعًا مساحة لنعبر فيها عن أنفسنا، لنؤمن جميعًا بأننا أفراد متميزون.

لو صحّت النظريات النخبوية عن الديمقراطية لآل فرويد وغيرهم سيكون من المنطقي أن نتوقع المزيد من الساسة في الدول الديمقراطية (حتى في الديكتاتورية أو الملكية التي تضطر لمجاراتها ولو رمزيًا) محاولة كسب الرضا وجذب الناخبين من هذه القبائل الافتراضية بعد دراستها، والاعتماد على اللغة الميميّة للتواصل معها. كما نسخ الديمقراطيون مثل بيل كلينتون الاعتماد على تصنيفات وتقنيات شركاتية من ريغان، نرى الديمقراطيين اليوم يحاولون نسخ ما تمكن ترامب من فعله بتكوين صورة لنفسه في عقول رجال الكهف الإلكترونيين. أفضل مثالٍ على هذا هو أليكساندريا أوكازيو-كورتيز، العضو في الحزب الديمقراطي وأصغر امرأة تدخل الكونغرس، التي تتواصل مع الناس عبر صفحتها على الإنستغرام وهي تعد العشاء لتعطي انطباعًا بأنها كأي مواطن عادي. بعد انتشار فيديو لها وهي ترقص في أيام الجامعة، لم تنتهِ رحلتها السياسية بما قد يسمى «رقصة كورتيز» مثل «صرخة دين» على الرغم من محاولات خصومها افتعال ردة الفعل تلك، فما قامت به لصد الهجمة هو نشر فيديو قصير تتراقص فيه قليلًا كي توجه رسالة بأن الانتقادات لا تعني لها شيئًا.

المنشود هو إضحاك وتسلية الناخبين، والمُبتغى تحويلهم إلى قبائل حانقة وتشكيل أعداء خياليين في عقولهم بالمبالغة بتوصيف أخطارٍ واقعية أو خرافية.

هذا التكتيك استعمله ترامب في حملته الانتخابية، لم يكن يبالغ في الاعتذار أو حتى يعتذر عن أي شيء يُنشر ضده، في التاريخ السياسي كانت الفضائح كفيلة بإسقاط السياسيين لاعتبار السياسة عالمًا محترمًا يتكون من خيرة القوم. في الانتخابات الرئاسية في عام 1988 اضطر المرشح غاري هارت للانسحاب من السباق السياسي بعد انتشار صورة له مع دونا رايس، وهي عارضة أزياء سابقة ومندوبة مبيعات، على الرغم من نفيه لوجود أي علاقة بينهما. هذه الصورة كانت كفيلة بإسقاط حملته خلال أسبوع واحدٍ فقط بينما انتشر فيديو لدونالد ترامب يتكلم فيه بطريقة مسيئة جدًا للنساء ولم يدفعه ذلك سوى للاعتذار ومن ثم التذكير بفضائح لاحقت زوج هيلاري كلينتون. قوانين الاشتباك في العصر البدائي الإنترنتي تتغذى على الفضائح والاستهزاء بالخصوم لتختلف كثيرًا عنها في أواخر الثمانينات.

خط النهاية في السباق السياسي صار القاسم المشترك الأدنى بين الجموع، فالمنشود هو إضحاك وتسلية الناخبين، والمُبتغى تحويلهم إلى قبائل حانقة وتشكيل أعداء خياليين في عقولهم بالمبالغة بتوصيف أخطارٍ واقعية أو خرافية. علامات الإنذار من هذا النوع من السياسة القائمة على العدوانية والسخرية تتكاثر يومًا بعد يوم في الولايات المتحدة، والخصومة السياسية لم تعد خصومة بين مواطنين في دولةٍ واحدة وإنما خصومة بين قبائل في عوالم متوازية من المعلومات والأفكار. حالة الانقسام لم تهدأ بعد انتهاء الانتخابات بل تتفاقم يوميًا، ففي عالم المصوتين لهيلاري المتابع للأخبار المتلفزة هناك رئيسٌ شرير يدمر الدولة، وفي عالم المصوتين له على الإنترنت هناك نخبة شريرة تحاول إسقاط الرئيس الخيّر الذي يسعى لإنقاذ أمريكا من مؤامرات محلية وعالمية. دونالد ترامب وأوكازيو-كورتيز يدركان أهمية العالم الافتراضي، ومع مرور الوقت قد تتحول الانتخابات لمواجهات هدفها صعود قمم السخافة لمجاراة اللغة البدائية الميمية والعالم الافتراضي الهمجي بطبيعته الحُرة. أين الحقيقة في هذه العوالم الموازية؟

ينهي بول غراهام مقالته بأن على الأحزاب ترشيح الأعضاء الأكثر كاريزمية كي تلغي الكاريزما للمرشحين الرئاسيين بعضها وتعود الأمور إلى نصابها السياسي. آدم كيرتيس ينفي وجود نصابٍ سياسي أصلًا، فما يوجد هو فقط حاجات ورغبات بدائية لاعقلانية تحرك الجموع، وما على النخبة سوى التلاعب بها، ودراستها، وتحفيزها والسيطرة عليها، كل ذلك مع إعطاء الأفراد وهم السيطرة والفردانية. كل هذا يعني أن الساسة ما زالوا يعملون بالنظريات القائمة على استعمال انعدام العقلانية عند الحشود لتسويق سياساتهم، وكما يذكر كيرتيس، التسويق للسياسة يأتي في بعض الأحيان على حساب السياسة ذاتها.

تحطيم افتراض العقلانية

الديمقراطية المباشرة الأثينية في الزمن التليد لم تعد ممكنة في الدول التي تتكون شعوبها من الملايين، أمرٌ قد يغيره الإنترنت. والديمقراطية النيابية التي نراها في العالم الغربي في يومنا هي خليطٌ من الديمقراطية النيابية بأصلها الروماني ممزوجة بمبادئ الحركة «التنويرية» العلمانية التي سعت لتخليص الفرد من سطوة الكنيسة، والركن الفلسفي الأساسي لها هو الحرية القائمة على فَرَض العقلانية التي يتسم بها الأفراد. هذا الفرض العقلاني الذي جاء بالثورة الصناعية ومن ثم بالهيمنة الغربية على العالم تم استبداله من قبل أمثال فرويد بافتراض انعدام العقلانية عند الحشود، أي بعكس ما قامت الديمقراطية عليه. توظيف السخافة المذكور في هذا المقال إذن لا يعتمد على قواعد التنوير العقلانية وإنما على نظريات المحللين النفسيين التي تزعم لاعقلانية الفرد. الوهم الديمقراطي لا يعني فقط أن يتوهم المواطنون بأنهم في دولة ديمقراطية بينما يتلاعب في عقولهم ثلة من المتمرسين في دراسة نفوس الأفراد، بل قد يعني أيضًا أن الديمقراطية بصورتها النيابية هي بحد ذاتها وهمٌ سياسي.

لذا، بدلًا من الإسراع للتسليم بهذه النظريات، ربما علينا أن ندرس مسيرة هذا الفرض اللاعقلاني وأن نحاول تخمين نتيجتها قبل وقوعها، كي نحذر من سلوك نفس المسار المُدمّر الذي لم يجلب الويلات فقط على العالم خارج الغرب، وإنما يستحضر الويلات على العالم الغربي بذاته على ما يبدو. وأن ندرس أنفسنا أيضًا كي ندرك تمامًا ما نريده حقًا ممن نصوّت لهم.

علينا أن نتنبه أيضًا للعالم الهمجي الجديد: العالم الافتراضي الذي تُقرأ عبره هذه المقالة. الانتخابات الأمريكية لم تكن مهمة لنا فقط لأن الدولة الأمريكية هي القوة العظمى في وقتنا الحاضر، فهي لم تتحول إلى قوة عظمى بين الانتخابات السابقة وما سبقها، ومع ذلك اهتممنا بآخر انتخابات بطريقة مميزة. طبيعة الإنترنت الماسحة للحدود قد تخدعنا وتنسينا مشاكلنا التي نعاني منها على أرض الواقع لننشغل بمشاكل اجتماعية وثقافية قد لا تمت لنا بصلة، وتُسهّل هذه المسامية الفكرية تسرّب الأفكار والموضات لنا، عن قصدٍ وتصميم مسبق في بعض الأحايين. نحن نعلم أن الشركات تدرس المستهلكين، وأن الحكومات تدرس الشعوب، وأن السياسيين يدرسون رجال الكهف على مواقع التواصل الاجتماعي لتقليدهم ظاهريًا وإقناعهم ميميًا. نحن نعلم أن الساسة في الغرب يستغلون هذه المواقع للتلاعب بشعوبهم، فما بالكم بكم الخداع التي قد توجهها هذه الجهات لشعوبٍ لا تمانع من قصفها بأطنان من المتفجرات؟ في بعض الأحيان تكمن السخافة في استسخاف الأخطار الواقعية، لا في الهلع من أخطار خيالية فحسب.