خوف وتعاطف وتفهم: المشهد في بلدة الطرّة على الحدود الأردنية السورية

قرية تل شهاب السورية خلف الفاصل الترابي بين سوريا والأردن، تصوير محمد اغباري

خوف وتعاطف وتفهم: المشهد في بلدة الطرّة على الحدود الأردنية السورية

الأحد 01 تموز 2018

لم يتوقف دويّ أصوات الانفجارات في محافظة درعا، جنوبيّ سوريا، عن التردّد إلى مسامع أهالي بلدة الطُّرّة الحدوديّة، التابعة للواء الرّمثا شماليّ الأردن، منذ انطلاق الحملة العسكرية الأخيرة للجيش السوري على درعا في 21 حزيران/ يونيو الماضي.

«يوميًّا، بهالليل بتسمع أصوات، مرات بنفزع وبنطلع، بنفكرها [قذيفة] وقعت بقاع الدار من [شدّة] الصوت»، يقول المتقاعد العسكري محمد عبد ربّه، الذي يسكن على بعد مئات الأمتار من الحدود الأردنية السورية.

لكن، وبعد أن أقلقت الأصواتُ -وحدها- الأهالي في الليالي الأولى للحملة، شهدت ليلة الجمعة الفائتة تطوّرًا أفزعهم، إذ سقطت قذائف وشظايا على بعد عشرات إلى مئات الأمتار من منازل بعضهم، ومنهم أحمد الحِنّاوي، المتقاعد من الجمارك الأردنية، والذي كان يسهر مع أفرادٍ من أسرته قبل أن يسمع صوت انفجارِ قذيفة وقعت على مسافة 300 متر تقريبًا غرب منزله.

دفع صوتُ الانفجار بعضَ سكانِ الأحياء المجاورة للتوافد إلى الحارة التي يسكن فيها الحنّاوي، ولم تكن هذه إلا أولى القذائف التي سقطت -ليلتها- بوادي الشومر، الواقع بين الطرّة وجارتها قرية الشجرة، «يعني خلال ساعة نزل حوالي ثلاث قذائف بالمنطقة الغربية، (..) فشكلت حالة رعب كبيرة عند المواطنين، كبيرة جدًّا، والناس فزعت والأولاد صارت تبكي والنسوان طلعت»، يقول الحنّاوي.

يؤكد عبد ربّه روايةَ الحنّاوي: «أنا شفت ثلاث قذايف (..) كلّ الناس طلعت من دورها»، لكنه لم يفعل مثلما فعلوا، بل أطفأَ الأضواء، والتجأ مع أفراد أسرته، ومنهم أطفال يبكون، إلى غرفةٍ في قلب البيت الذي بناه منذ أربع سنوات ويُقلقه أن يتضرر جرّاء قذيفة قد تصيبه؛ «مشنشلين بالدين من ورا هالبيت»، يقول عبد ربّه.

لم يقتصر سقوط القذائف على هذه الناحية من البلدة، ففي الجهة المقابلة، غربيّ البلدة وعلى مسافة تقدر بحوالي ثلاثة كيلومترات من الحدود، وفي الساعة الـ3:30 تقريبًا فجر الجمعة، أيقظ «صوت رعب» فارس السميعات من نومه، وما إن هرع إلى الخارج كي يعرف مصدر الصوت، حتى وجد قذيفةً قد انفجرت خلف بيته، وتطايرت شظاياها فأكلت من جذوع أشجار زيتون، فيما انطلقت شظيّة صغيرة باتجاه بيت جيرانه، «اخترقت شَبَك الحماية [على] الشباك، وضربت بالبوفيه، والأطفال نايمين بنفس الغرفة»، يقول السميعات.

أيقظت القذيفة «أبو دحّام» كذلك؛ «قد ما هو صوتها [عالي] الغرفة عندي رجّت»، ثم سمع صراخ زوجة أخيه في البيت المجاور الذي دخلته الشظية: «ارتبَكت، وطلعت طاير مش شايف الضو، كان بمخيلتي إنه [القذيفة] سقطت ع نفس البيت»، لكنه اطمأنّ حين وجد أن أحدًا لم يُصَب بأذى. وبعد دقائق من الانفجار، جاء أفراد من الجيش للبحث عن القذيفة، ونصحوا «أبو دحّام» بقضاء ما تبقى من الليلة في مكان أقرب إلى وسط البلدة. يقول أبو دحّام: «فكرت آخذ أولادي وأنزل على دار أهلي، تحت على البلد، بس وين بدك تصحّي أهلك وتزيدهم خوف وتزيدهم رعب».

انقضى الليل، وما إن أقبل ظهر يوم الجمعة، حتى سقطت قذيفة أخرى في سهل الحلّان الغربي (أحد سهول الطرّة)، على بعد عشرات الأمتار من منزلي السميعات وأبو دحّام، وبالقرب من كتيبة الملك عبدالله الأول السابعة، وكان في السهل حينها رعاةٌ وقطيع أغنام، فصَلتهم مسافةٌ عن القذيفة عند انفجارها فلم تُصبهم أية أضرار.

من سهل الحلان الغربي مكان سقوط القذيفة الثانية
شظايا القذيفة الثانية بين يدي دحّام
فراس السميعات في مكان سقوط القذيفة الثانية

سوريّون على جانبي الحدود

مثل بقية سكان الطرة، يسمع قصي* أصوات الانفجارات التي تهزّ قرىً وبلداتٍ في درعا، إلا أن الخوف يتملّكه أكثر من غيره؛ فقد لجأ مع أسرته إلى الأردن قبل خمس سنوات واستقر في الطرّة منذ ذلك الحين، فيما ظل والداه وإخوته وزوجاتهم وأبنائهم في قرية نصيب، جنوب شرق مدينة درعا.

لكن، ومع اندلاع المعركة الأخيرة، غادر ذووه القرية، مثلهم مثل عشرات الآلاف من أهالي قرى وبلدات درعا، واتّجهوا إلى الحدود، عسى أن تُفتح لهم ويتمكنوا من عبورها إلى الأردن، «كلهم قاعدين على الشريط الحدودي، لا في أكل، لا في شرب، لا في مكان يتخبوا يقعدوا فيه» يقول قصي عن عائلته، الذين كانوا ما يزالون على تلك الحال حتى يوم الأربعاء الماضي عندما تواصل معهم لآخر مرة، وهو منذ ذلك الحين لا يعرف شيئًا عنهم، نظرًا لانقطاع الاتصالات بسبب سوء التغطية.

وكان رئيس الوزراء عمر الرزّاز قد صرّح الأسبوع الماضي أن الأردن لن يستقبل أي لاجئ سوري جديد، فيما أطلق أردنيون حملة الكترونية بعنوان «افتحوا الحدود» لحث الحكومة على فتح الحدود، المغلقة منذ حادثة الركبان عام 2016، أمام نازحي درعا.

يأمل قصي أن تُفتح الحدود في وجه أهله، ولا يريد أكثر من السماح لهم بالانتقال إلى الجانب الأردني من السياج والمكوث هناك، «الناس بتظلها بمأمن، جوّات الشريط الحدودي هون بالأراضي الأردنية مش مثل هناك. حتى تنحلّ المشكلة، كذا يوم، بعدين الناس أكيد رح ترجع»، يقول.

لا يختلف حال قصي كثيرًا عن حال أبو يزن*، الذي لجأ إلى الأردن مع أسرته عام 2012، وما زال له 12 أخًا وأختًا في قرية طفس، شمال غرب مدينة درعا، وكان بعضهم قد أبلغه في آخر اتصال بينهم، يوم الخميس الماضي، أنهم غادروا القرية متجهين جنوبًا إلى قرية تلّ شهاب الملاصقة للحدود الأردنية، مقابل بلدة الطّرة، «بالظرف الحالي مفيش إنسان إلا وبتمنى يدخل على الأردن، كونه لا حول ولا قوة»، يقول أبو يزن.

كيف ينظر أهالي الطرة إلى مسألة فتح الحدود

لا يتحدث أهالي الطرة عن التطورات الميدانية في جنوب سوريا بصفتها شأنًا عربيًا خارجيًا، ولا حتى بوصفها شأنًا أردنيًا مركزيًا فحسب، فصلات القرابة والنسب على طرفي الحدود، والعلاقات الاقتصادية التي شكلت لعقود مصدر رزق أساسي، إضافة إلى تجربة الأهالي مع اللاجئين السوريين بشكل مباشر في السنوات الأخيرة، كل ذلك يجعل المسألة السورية شأنًا محليًا مُلحًا، لا يقل محليةً عن أحوال الطرق والمدارس وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية.

«هذول توأمات، توأمات الروح، بربطنا فيهم نسب، مصاهرة، تجارة، علاقات على مدى سنين يعني، حتى لهجتنا وحدة، تفاصيل شكلنا أو لبسنا واحد، يعني صعب تميز بين سوري وأردني، من منطقة درعا أو الرمثا، صعب تميزهم من بعض إلا بجواز السفر»، يقول فراس السميعات.

ومن هذا المنطلق، يتفق السميعات وجاره أبو دحّام -اللذان سقطت قذيفتان بالقرب من بيتيهما- على ضرورة فتح الحدود لطالبي اللجوء. «الحدود لازم يعني يفتحوها للاجئين، هذا المدني شو ذنبه؟ (..) وبالأخص الأطفال، الطفل لا بعرف إنه سوري ولا أردني ولا شو هو، طفل ما هو. فيعني لازم ينوجد حل ليهم، حرام»، يقول أبو دحّام.

إلا أن السميعات يتفهّم، وبرغم تعاطفه مع طالبي اللجوء، أن للدولة اعتبارات أخرى: «كسياسة دولة فهذا موضوع آخر، يعني أكيد في أولويات أمنية، أنا شخصيًا مواطن، فأنا بتجذبني العاطفة، (..) وأعتقد في فاتورة أمنية، وفاتورة اقتصادية، والموضوع كله شائك على بعضه».

أما أحمد الحنّاوي فيعتقد أن «تسكير الحدود بالطريقة هاي غلط، وإدخالهم بطريقة عشوائية أكبر غلط»، ويردّ على التخوّف من تبعات اللجوء الاقتصادية بالقول إن «عملية الفوضى اللي الحكومة اتبعتها بعدم تنظيم اللاجئين هي اللي أثرت على اقتصاد البلد»، ويرى أن السوريين نافسوا الأردنيين في بعض القطاعات، لكنهم من جهة أخرى أنعشوا قطاعات أخرى؛ «السوريين أغلبيّتهم [يعملون] بالمهنة الزراعية، وهاي منطقتنا زراعية، فالآن السوريين صاروا يزرعوا عندنا الأرض»، يقول الحناوي.

ويختلف محمد عبد ربّه مع الآخرين، إذ يرى أن إغلاق الحدود ضروريّ لاعتبارات أمنية: «إذا بدهم يفتحوا الحدود للبشر بتخاف يكون مع هالناس ناس مش من هالمواطنين الصالحين، يعني بتخاف إنه يكون بيناتهم ناس مدسوسة».

ومع تمسّك الحكومة بقرار إغلاق الحدود، أطلق متطوعون من الرمثا والمفرق في اليومين الأخيرين حملات لجمع أدوية وأغذية ومساعدات عينية لإغاثة النازحين العالقين على الحدود، تبعها حملات في محافظات أخرى. وأعلنت الحكومة الأردنية أمس السبت عن قيام الجيش الأردني بإدخال مساعدات عبر الحدود.


* تم تغيير الأسماء بناءً على طلب أصحابها.