واشنطن والأزمة الخليجية: ادفع تسلم

الإثنين 19 حزيران 2017

كانت البهجة واضحة في نبرة صوت المذيعة في قناة الجزيرة وهي تعرض للخبر العاجل عن توافق قطر والولايات المتحدة على السير بإجراءات صفقة طائرات بتكلفة اثني عشر مليار دولار. اعتبرت القناة الاتفاق انتصارا على الحصار والمقاطعة التي تتعرض لها الإمارة الخليجية من قبل جاراتها: السعودية والإمارات والبحرين، إضافة لدول أخرى خارج نطاق مجلس التعاون. الخارجية الأميركية من جهتها اعتبرت الصفقة مهمة في إطار تعزيز أمن المنطقة، الأمن الذي كانت قد اعتبرت قطر أحد أسباب زعزعته بعد ربطها بتمويل الإرهاب.

في الواقع لم يكف ترامب منذ ترشحه عن إدهاش الرأي العام الأميركي بمواقف مشابهة تبدو في ظاهرها متناقضة وصادمة للطريقة التي جرت المؤسسة السياسية الأميركية عليها في إدارة علاقات البلاد الخارجية. بدا ذلك جليا خلال زيارته للرياض، التي اتهمها سابقا بدعم الإرهاب أيضا، ثم وقع عقود تسلح مشابهة معها بقيمة تجاوزت 100 مليار دولار.

صحيح أن الصفقة التي يبلغ إجماليها نحو 20 مليار دولار أقرت من الكونغرس والحكومة الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما العام الماضي، لكن الإعلان عن السير بإتمامها الآن جعل الحديث عن طبيعة الموقف الأميركي من مجمل الخليج موضوعا محيّرًا على الأقل بالنسبة للشارع الأميركي. فهل على حكومة البلاد محاربة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله أم التعاون مع الدول المتهمة بتمويله بل وتسليحها؟ وكيف يتفق أن تروج الولايات المتحدة لحقوق الإنسان ثم تعقد اتفاقات مليارية مع مثل هذه الدول؟

من المرجح أن حصار قطر جاء بضوء أخضر أميركي. طبعًا، التحليلات التي سعت لفهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاندلاع الخلاف الخليجي تحمل قدرًا كبيًرا من الوجاهة، سواء منها ما تعلق بالحديث عن دعم قطر للجماعات الإرهابية أو إلى دور قناة الجزيرة التي تسببت في أزمات خليجية متعددة منذ تأسيسها أواسط التسعينات إلى علاقات الدوحة بطهران، لكن يبدو أن الوضع ما كان ليتفاقم على هذا النحو دون دعم واشنطن. فقرار المقاطعة جاء مباشرة عقب انتهاء زيارة الرئيس الأميركي للرياض والتي تلقى خلالها نحو نصف تريليون دولار على شكل مذكرات تفاهم تجارية. لم يمضِ وقت طويل عقب عودة ترامب للولايات المتحدة وانطلاق الخلاف الخليجي، حتى خرج الرئيس الأمريكي بتصريح عبر تويتر طرح كثيرا من الأسئلة أكثر مما قدم من إجابات حول الموقف من الأزمة الخليجية: «خلال زيارتي الأخيرة للشرق الأوسط، قلت أنه لن يكون هناك مزيد من تمويل الإرهاب. فأشار الزعماء إلى قطر وقالوا: أنظر».

لم يكن واضحًا ما الذي يعنيه هذا التعليق، فهل يعني أن الولايات المتحدة دعمت القرار الخليجي باتجاه معاقبة قطر لدورها المزعوم في دعم الإرهاب وأنها سائرة في معاقبة الإمارة الخليجية الغنية بالغاز؟ لاحقا أخذت تصريحات ترامب تبدو أكثر مباشرة ووضوحًا. في تغريدة على تويتر قال إن قطر كانت تمول الإرهاب «على أعلى مستوى». كان ذلك اتهامًا مباشرًا وصريحًا يوضح الكيفية التي تنظر بها الإدارة الأميركية للإمارة الخليجية. لاحقا سيتبيّن أن الأمر ككل يتعلق بسياسة جديدة للولايات المتحدة في الخليج عنوانها، كما تعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية: ادفع تسلم. سياسة لا تعترف بالمحدّدات الأخلاقية للسياسة الأميركية ولا تعبأ كثيرًا بمداراة حالة النفاق التي يمارسها الساسة الأميركيون في التعامل مع العالم العربي، طالما كان المال حاضرًا.

بالعودة قليلًا للوراء، لرصد الطريقة التي ينظر بها ترامب لدول الخليج منذ فترة الانتخابات وحتى الآن، سيبدو أن ما تصوره الصحافة الأميركية تخبطًا ليس سوى سياسة متناغمة تصدر عن عقل واحد مدرك لما يفعله. فسياسة الرئيس الحالية في المنطقة تنسجم تمامًا مع تصوره المعلن عنها بوصفها مصدرًا للحصول على المال لدعم اقتصاد بلاده. قبل أقل من شهر على زيارته للسعودية، مثلًا، تذمر ترامب في مقابلة مع رويترز من «معاملة السعودية غير العادلة» للولايات المتحدة وعدم دفعها المال الكافي لقاء حمايتها . كان التصريح أشبه بإنذار أخير قبل الزيارة. كانت تصريحاته تلك تأكيدًا لنظرته التي أعلنها سابقا خلال الحملة الانتخابية حول العلاقات مع الدول النفطية، «لا أحد يمكن ان يعبث مع السعودية لأن الجميع يعرف اننا نحميها»، قال ترامب في إحدى لقاءاته الانتخابية. بل إن الأمر يعود إلى ما قبل الانتخابات ككل. ففي مقابلة مع أوبرا وينفري قبل نحو ثلاثين عامًا، جادل ترامب بضرورة إجبار دول الخليج على دفع المال مقابل الحماية.

هذه اللهجة لم تلبث أن تغيرت لاحقًا خلال الزيارة إلى الرياض، حيث بدا ترامب مرتاحا للصديق السعودي ولم يشر من قريب أو بعيد لملف الإرهاب. بدا الأمر بديهيًا خصوصًا بعد الإعلان على تفاهم البلدين على عقود تجارية بقيمة بلغت نحو نصف تريليون دولار، سيروّج لها ترامب بوصفها دليلًا على حصافته السياسية وقدرته على إنعاش اقتصاد البلاد. لكننا لاحظنا أيضا كيف لم نسمع كثيرًا عن الجارة القطرية خلال تلك الزيارة. سمعنا عن دعم بنحو مئة مليون دولار من الإمارات لصندوق تمكين المرأة الذي أسسته ابنة الرئيس ومستشارته إيفانكا، بالتعاون مع البنك الدولي. لكننا لم نلحظ أي إعلانات عن صفقات مشابهة مع الدوحة.

لم يمض وقت طويل على انتقادات ترامب لقطر، حتى دخلت المؤسسة العسكرية سريعًا على خط الأزمة لتستدرك بالتشديد على أهمية الدوحة كحليف داعم لواشنطن في المنطقة. ففي العيديد، على أطراف الدوحة، تتواجد القيادة الوسطى للقوات الأميركية التي كان لها دور أساسي في الحرب على العراق عام 2003، ويوجد فيها الآن نحو أحد عشر ألف جندي أميركي ، ولا تزال مركز العمليات الرئيسية في العراق وأفغانستان. عقب ذلك، جاءت تصريحات وزير الخارجية ريك تيليرسون التي أبدى فيها تعاطفه مع قطر مشددًا على رغبة الولايات المتحدة بحل الأزمة ومشيرًا لعدم جواز الحصار خلال رمضان.

طبعًا بالنظر لحال الانقسام السياسي الذي تعيشه الولايات المتحدة، شكلت تلك التصريحات التي بدت متضاربة فرصة لوسائل الإعلام الرئيسة لانتقاد ما اعتبرته تخبط الإدارة الأميركية وعدم قدرتها على اتخاذ موقف موحد تجاه أزمة في منطقة على هذا القدر من الحساسية السياسية والاستراتيجية. لكن بالإمكان رؤية الأمر من زاوية أخرى تمامًا.

فنتائج زيارة ترامب للسعودية تعكس ما آمن به ودافع عنه وانتقد الساسة الأميركيين لتجاهله طوال الوقت: المال مقابل الأمن. أما تصريحات مستشاريه ومساعديه ووزراء حكومته فلا يبدو أنها جاءت اعتباطية أو خارج سياق سياسة الإدارة ككل. ربما عمد البيت الأبيض لتقسيم الأدوار بين تصعيد وتهدئة. الهدف النهائي كان واحدًا على ما يبدو، وهو أن تشعر الدوحة بأن الباب لا يزال مواربًا لإصلاح الموقف، أو على الأقل ضمان أن لا يتطور إلى ما هو أسوأ. ويبدو أن الرسالة قد وصلت بالفعل.

ها هي قطر تتقدم بحصتها التي عليها دفعها مقابل الغطاء الأميركي. لم تنسَ الدوحة أيضا أن تشير إلى أهمية الاتفاق باعتباره دليلا على تواصل دعم واشنطن لها، إشارة من المرجح أن تلقى صدى لدى دول الخليج الأخرى التي ربما بدا لها أن قطر ستدخل عصر عزلة غير مسبوق بمباركة الإدارة الأميركية الجديدة، وهو ما يبدو الآن أمرًا بعيد المنال.