إن لم نُعِد التفكير بالعولمة، فإن نهج ترامب سينتصر

الخميس 17 تشرين الثاني 2016
من موقع ويكيبيديا

بقلم توماس بيكيتي

ترجمة دعاء علي

(نشر هذا المقال في صحيفة لو موند الفرنسية في 12 تشرين الثاني، وترجمته إلى الإنجليزية صحيفة الغارديان البريطانية في 16 تشرين الثاني.)

السبب الأكبر لهذا الاختلال الانتخابي هو اللامساواة المتعاظمة. ومتابعة السير في الطريق ذاتها لم تعد خيارًا.

فلنقلها كما هي: إن انتصار ترامب يعود إلى تفجر اللامساواة الاقتصادية والجغرافية في الولايات المتحدة التي امتدت عبر عقود، وإلى فشل الحكومات المتعاقبة في التعامل معها.

لقد تماشت إدارتا كلينتون وأوباما باستمرار مع تحرير الأسواق الذي بدأ مع ريغان واستمر في عهدي بوش الأب والابن، بل تفوّقا عليهم أحيانًا، وما إلغاء القيود المالية والتجارية الذي تم في عهد كلينتون سوى مثال على ذلك. لكن ما حسم النتيجة كان التصور بأن الديمقراطيين أقرب إلى وول ستريت مما يجب، وفشل نخب وسائل الإعلام الديمقراطية في تعلم الدرس الذي مثّله التصويت لساندرز.

تفوقت كلينتون في التصويت الشعبي بصعوبة (60.1 مليون صوت مقابل 59.8 مليون لترامب، من بين 240 مليون بالغ وبالغة [ممن يحق لهم التصويت])، لكن مشاركة الفئات الشابة وذات الدخل المتدني كانت أضعف من أن تقودها للفوز في ولايات أساسية.

تكمن المأساة في أن برنامج ترامب لن يقود إلى تعزيز الاتجاه نحو اللامساواة فحسب. فهو ينوي الإطاحة بالتأمين الصحي الذي تم توفيره بشق الأنفس للعمال ذوي الدخل المتدني في عهد أوباما، وينوي وضع البلاد على طريق إغراق مالي متسرع، بتخفيض الضرائب الفيدرالية على أرباح الشركات بما يتراوح بين 35 و15 بالمئة، وهو المسار الذي ظلت الولايات المتحدة تقاومه حتى اليوم، والذي بتنا نشهده في أوروبا.

إضافة إلى ذلك، فإن الدور المتعاظم للانتماء العرقي في السياسة الأمريكية لا يبشر بالخير إن لم تُعقد تسويات جديدة. ففي الولايات المتحدة، تصوت 60 بالمئة من الأغلبية البيضاء لحزب، بينما يصوت أكثر من 70 بالمئة من الأقليات للحزب الآخر. كما أن الأغلبية على وشك أن تفقد تفوقها العددي (70 بالمئة من الأصوات في 2016، مقارنة بـ 80 بالمئة عام 2000، وبـ50 بالمئة متوقعة في 2040).

الدرس الأهم لأوروبا والعالم واضح: يجب أن نغير اتجاه العولمة جذريًا، وعلى نحو عاجل. إن التحديين الأساسيين في زمننا هذا هما تعاظم اللامساواة والاحتباس الحراري. لذا، فعلينا تطبيق معاهدات دولية لتمكيننا من التعامل مع هذين التحديين والتأسيس لنموذج للتنمية العادلة والمستدامة.

الدرس الأهم لأوروبا والعالم واضح: يجب أن نغير اتجاه العولمة جذريًا، وعلى نحو عاجل

هذه الاتفاقيات الجديدة نوعًا يمكنها، إن تطلب الأمر، أن تشمل إجراءات تهدف إلى تسهيل هذه التبادلات، لكن مسألة تحرير التجارة يجب ألا تظل محور الاهتمام. فعلى التجارة أن تعود إلى كونها وسيلة تخدم أهدافًا أسمى. لم ينبغِ لها يومًا أن تكون أكثر من ذلك.

علينا أن نكف عن توقيع الاتفاقيات الدولية التي تخفض الجمارك والحواجز التجارية الأخرى قبل أن تنص هذه الاتفاقيات على إجراءات ملزمة ومحددة كمًا لمحاربة الإغراق المالي والمناخي. فعلى سبيل المثال، يمكن الاتفاق على حدود دنيا مشتركة لضرائب الشركات، وأهداف مشتركة لـ[الحد من] الانبعاثات الكربونية، تتم المصادقة عليها وتُفرض عقوبات على خرقها. لم يعد ممكنًا التفاوض على معاهدات تجارية تدفع التجارة الحرة قدمًا ولا تطرح أي شيء في المقابل.

من هذا المنطلق، يجب رفض اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والاتحاد الأوروبي، فهي معاهدة تنتمي لزمن سابق. هذه الاتفاقية، التجارية حصرًا، لا تضع على الإطلاق أي إجراء مقيّد في ما يخص القضايا المالية والمناخية. لكنها في المقابل تشتمل على قدر وافٍ من الإشارات إلى “حماية المستثمرين”، وهو ما يمكّن الشركات متعددة الجنسيات من مقاضاة الدول أمام هيئات تحكيم خاصة، متجاوزين المحاكم النظامية المتاحة للجميع.

إن الإشراف القانوني المقترح قاصرٌ بوضوح، تحديدًا في ما يخص مسألة أتعاب هؤلاء المحكّمين/القضاة، وسيقود إلى انتهاكات عدة. في حين تكتسب الإمبريالية القانونية الأمريكية المزيد من القوة وتفرض قواعدها وواجباتها على شركاتنا، فإن هذا التراجع في العدالة العامة معيب. يجب أن تكون الأولوية، خلافًا لذلك، لبناء سلطات عامة قوية، بإنشاء ادعاء عام ونيابة عامة أوروبية، قادرة على إنفاذ قراراتها.

كان لاتفاقيات باريس هدفٌ نظري بحت يتمثل في منع الارتفاع الحراري بما يتجاوز درجة ونصف. يتطلب ذلك، على سبيل المثال، أن يبقى النفط المكتشف في الرمال القطرانية في آلبيرتا تحت الأرض. لكن كندا بدأت مؤخرًا التنقيب هناك من جديد. فأي منطق، إذًا، وراء توقيع هذه الاتفاقيات قبل بضعة أشهر فقط من توقيع معاهدة تجارية شديدة التقييد دون أي ذكر للموضوع؟

إن الوصول إلى معاهدة متوازنة بين كندا وأوروبا، تهدف إلى تعزيز الشراكة نحو تنمية عادلة ومستدامة، يبدأ بتحديد كمية الانبعاثات المستهدفة لكل طرف موقّع، و[توضيح] الالتزامات العملية لبلوغ هذه الكميات.

في ما يخص الإغراق المالي والحدود الدنيا للضرائب على أرباح الشركات، فمن الواضح أن هذا يعني تغيرًا منهجيًا كاملًا بالنسبة لأوروبا التي بُنيت على أساس كونها منطقة تجارة حرة دون سياسة مالية موحدة. إن هذا التغيير ضروري جدًا، فما الهدف من الاتفاق على سياسة مالية موحدة (وهو الجانب الوحيد الذي حققت أوروبا فيه بعض التقدم حتى اللحظة) إن كان باستطاعة كل دولة أن تضع نسب [ضرائب] تقترب من الصفر وتجذب كل الشركات الكبرى إليها؟

حان الوقت لتغيير الخطاب السياسي حول العولمة: التجارة أمر جيد، لكن التنمية العادلة والمستدامة تتطلب كذلك خدمات عامة، وبنى تحتية، وأنظمة صحية وتعليمية. وفي المقابل، فإن هذه المتطلبات تحتاج أنظمة ضريبية عادلة. إن أخفقنا في توفير ما سبق، فإن نهج ترامب سينتصر.