من هم شهداء عمليتي السلط والفحيص؟

من هم شهداء عمليتي السلط والفحيص؟

مساء يوم الجمعة الماضي (10 آب)، وفي الساعة السابعة والربع، وعلى بعد كيلومتر تقريبًا من مقر مهرجان الفحيص انفجرت عبوّة ناسفة بدورية مشتركة من الأمن العام وقوات الدرك، مما أدّى لاستشهاد الرقيب علي القوقزة، وإصابة ستة من أفراد الدورية.

وفي الساعة الخامسة من مساء اليوم التالي (11 آب) بدأت عملية من قوة أمنية مشتركة، في منطقة نقب الدبور في مدينة السلط، لإلقاء القبض على المشتبه بهم في قضية تفجير الفحيص. وقد نجم عن تفجير المشتبه بهم العمارة التي كانوا فيها استشهاد أربعة من أفراد القوّة الأمنية. وانتهت العملية باعتقال خمسة من المشتبه بهم ومقتل ثلاثة آخرين.

في هذا التقرير نتعرّف على الشهداء، وعلى جزء يسير من قصصهم، من كانوا وكيف انضموا للأجهزة الأمنية أو للجيش، وما كانت آمالهم وأحلامهم.

تنويه: استشهد يوم الإثنين الماضي العريف أحمد الزعبي، متأثرًا بالجراح التي أصيب بها في تفجير الفحيص، وتم تحديث التقرير بعد مقابلة أسرته ومحاولة التعرّف على قصته.

علي قوقزة  

تقرير دلال سلامة ويزن ملحم 

بعد ثلاثة أشهر، ستحل الذكرى الأولى لزواج علي قوقزة، رجل الدرك الذي استشهد في تفجير عبوة ناسفة استهدفت دوريته على مدخل مدينة الفحيص الأسبوع الماضي. لن يكون علي حاضرًا ليحتفل بالمناسبة مع زوجته ناريمان، ولن يكون أيضًا حاضرًا، بعدها بأشهر قليلة، ليحتفل بولادة طفله الأول.

وفاته المفاجئة في عمر الثلاثين كانت صفعة لجميع من عرفه، وبالتحديد لأبوين كان أول فرحتهما، وكانا حريصين عندما اتخذ قرار الزواج ألا يكون هذا الزواج سببًا في أن ينقص حضوره في حياتهما، فعمّرا له بيتا صغيرًا ملاصقًا لمنزلهما في قرية سوف في محافظة جرش.

كان هذا البيت يُستخدم للنوم فقط، كما تقول ناريمان، فهي وزوجها، مع أخيه وزوجته، اللذين يقيمان في الطابق السفلي من بيت العائلة، كانوا يعيشون ضمن عائلة ممتدة، يتناولون جميع وجباتهم معًا، ويسهرون معًا، ويخرجون مشاويرهم جميعها معًا.

إلى جانب هذا المنزل هناك برميل مفتوح من الجانبين بداخله قطعة موكيت، تقول أمه إنه خصصه للقطط لتلجأ إليه في «الكوانين».

التحق علي، وهو الأكبر بين خمسة أبناء وبنات، بالأمن العام عندما كان في التاسعة عشرة من عمره، ثم نقل إلى الدرك عام 2009. لم يكن قد أفلح في الثانوية العامة، فعمل لمدة سنة في أعمال متفرقة، منها بائعًا في محل ألبان، إضافة إلى العمل في أرض العائلة من فراط الزيتون وغيره، إلى أن تمكن من الالتحاق بالأمن العام. تنقل أثناء خدمته بين جبل التاج في عمان، والزعتري في المفرق، والكفرين في الغور، وأخيرًا السلط التي نقل إليها قبل أقل من شهر.

كان علي، كما أجمعت عائلته وأصدقاؤه، مليئًا بالحياة، ولم يكن يطيق البقاء في المنزل. فكانت سيارته، كما يقول والده، جاهزة دائمًا للرحلات. ففي صندوق السيارة هناك دائمًا إبريق شاي، ومصابيح، وسماعات، وصاج لعمل «الصاجيات». تقول أمه إنه «كان ييجي من الدوام يتغدى ويقول جهزيلي حالك، أوديك وين ما بدك». في إجازته الأخيرة، تقول إنه أخذها مع زوجته وزوجة أخيه إلى أحد كروم المنطقة، «نزلنا من السيارة، وقال لي يمّة ديري بالك من الشوك والأحجار. وقفنا على منطقة عالية كثير، وقال هون بتشوفي سوف كلها».

كان من المقرر أن تنتهي خدمته بعد تسع سنوات، وكان يخطط أن يتعلم مهنة ميكانيك أو كهرباء السيارات، ويفتح محلًا متخصصًا بذلك. وكان هذا الحلم منسجمًا مع غرامه بالسيارات. يقول أبوه إنه اقتنى ما لا يقل عن ثماني سيارات. وكانت هوايته هي الاعتناء بها، تغيير ألوانها وتزيينها ثم بيعها.

في الحوادث الإرهابية السابقة في الكرك وإربد، تقول أمه إنها كانت تصاب الرعب عليه. وعندما كانت ترى صور الشهداء «أصير أعيط عليهم، وأقول الله لا يبلاني يا رب». أما والده فيردّ على الناس الذين يحيّونه على صبره: «والله مجابرة!».

تقول ناريمان إنهما كانا قررا أن يسميا الطفل «أصيل» إن كان ولدًا، لكنهما اختلفا على اسم البنت، التي كان علي مصرًا أن يسميها ألما. «ظليت أقول له لو تشيل الحرف الأخير بتصير ألم».

معاذ الدماني الحويطات

تقرير دانة جبريل وشاكر جرار

في ساحة ترابية محاذية لمبنى بلدية الجفر، نصب أبناء قبيلة الحويطات خيامًا وبيوت شعر كبيرة لاستقبال المتوافدين إلى «بيت أجر» الشهيد الرائد معاذ الدماني الحويطات الذي استشهد يوم السبت الماضي خلال «عملية السلط». يقف حاتم، الأخ الأوسط عمرًا بين إخوة معاذ الثلاثة، مع أفراد من أقاربه وأبناء عمومته على مدخل بيت العزاء لاستقبال المعزين الذين استمروا بالتوافد حتى ساعات متأخرة من مساء ليلة الأمس لتقديم التعازي.

بتأثر وانفعال عاطفي يصف حاتم علاقته بأخيه معاذ الأصغر بين الذكور: «العلاقات هان بين الإخوان والصحاب مش زي العلاقات بالمدينة، مختلفة كثير». يقول حاتم الذي يستذكر كرم معاذ ونبله: «معاذ كان كريم مع أنه وضعه عادي كثير، كنت أميل عليه دايمًا، الله يرحمه».

على بعد كيلومترات من صيوان الرجال تجمّعت النساء في منزل حاتم، حيث بيت العزاء الذي تجلس فيه والدة معاذ وشقيقاته وزوجته لتلقي التعازي. معاذ ابن الـ34 عامًا هو الأصغر في عائلته المكونة من أم سبعينية وثمان شقيقات وثلاثة أشقاء، بعد أن توفي والده منذ عشرين عامًا، كما توفي أخ له. تصف منى شقيقها الأصغر بأنه كان نشيطًا ومحبًا للتنظيم والالتزام: «أي مناسبة بالعيلة نشعر بالفرق إذا معاذ هو رتبها أو لأ، من صغره».

يتحدث زياد، الأخ الأكبر بين الذكور والذي يخدم في إدارة الجمارك منذ عشرين عامًا، بفخر عن شقيقه الأصغر معاذ. «الحمد لله إنه الإنسان يموت عشان هدف نبيل»، يقول زياد الذي يصف أخاه بالمتميز بين زملائه منذ أن كان صغيرًا. ولد معاذ في بلدة الجفر، ودرس في مدارسها حتى أنهى الثانوية العامة من مدرسة الأمير محمد العسكرية للبنين بمعدل 86. «اللي بجيب بالجفر في بيئة صعبة ومهمشة هيك معدل يعتبر متميز جدًا ولّا لا؟»، يقول زياد.

التحق معاذ بجامعة مؤتة، وتخرج منها عام 2006. «قايد مراسم وإجا توزيعه على العمليات، كتيبة 71، مكافحة الإرهاب»، يقول حاتم. غادر معاذ الجفر وانتقل للإقامة في الزرقاء حيث مكان السكن الوظيفي المخصص، بحسب شقيقته منى.

تلقى معاذ دورات تدريبية عديدة، وانتقل مع قوات حفظ السلام لأفغانستان عام 2010 ثم عاد بعد ستة شهور بمبلغ مالي مكّنه من الزواج من منار عام 2011. «كان يحكيلي لولا هاي السفرة ما اتزوجنا، من وينلي أجيب؟»، تقول منار. ثم شارك مع قوات حفظ السلام مجددًا عام 2013 في الكونغو لستة شهور أخرى. وما بين الخدمتين تلقّى دورات تدريبيّة في البحرين وتايلند وجورجيا. وفي شهر شباط الماضي أصبح قائد فريق في العمليات الخاصة.

«لا بيت ولا سيارة ولا أرض وعليه قرض، ولو رحتوا على حسابه بالبنك بتلاقوا 24 دينار»، تقول منار وهي تصف طبيعة حياتها مع زوجها.

في منزل صغير لا تتجاوز مساحته 90 مترًا في الإسكان الوظيفي في الزرقاء، عاش معاذ ومنار وطفلاهما، إلياس (ستة أعوام)، وغنى (عامان ونصف).

«عمره ما شكى»، تقول شقيقته منى، لكنّ همه الأكبر كان حصول طفليه على مستوى جيد من التعليم، وهو ما دفعه للمباعدة بين الأطفال كي يضمن قدرته على تدريس كلٍ منهما بمدارس جيدة.

حجز معاذ مقعدًا لإلياس في الصف الأول في إحدى المدارس الخاصة بمبلغ 100 دينار، ضمن بها أن يدخل ابنه المدرسة، وكان ينوي المشاركة في دورة تدريبيّة في أيلول القادم، كان من المفترض أن يدفع بقية أقساط المدرسة بمستحقاتها، بحسب زوجته منار.

يوم الجمعة الماضي، اجتمع معاذ مع أشقائه في منزل شقيقته في الزرقاء لتناول العشاء، وفي طريق العودة للمنزل تلقى اتصالًا هاتفيًا فهمت منه منار بأنه استدعاء للعمل، قبلها بساعات كان قد أُعلن عن خبر انفجار سيارة تابعة للأجهزة الأمنية في الطوق الخارجي لمهرجان الفحيص.

عاد معاذ فجرًا، وأخذ زوجته وطفليه لمنزلهما في الزرقاء. ظهر السبت تلقى اتصالًا هاتفيًا آخر، خرج على إثره للخدمة مجددًا، وكانت تلك المرة الأخيرة التي شاهدته بها منار. اتصلت به لاحقًا تسأله عن بعض ترتيبات عزيمة غداء كان يفترض أن يقيمها معاذ ذلك اليوم: «حكالي منار أنا الآن مشغول، إنتِ اتصرفي»، وتوقف بعدها عن الرد على رسائلها واتصالاتها.

حضرت العائلة لتلبية العزيمة، دون وجود معاذ. لاحقًا توافدت الجارات على المنزل يسألن منار إذا كانت قد اطمأنت على زوجها، وهو ما استغربته منار. «مش بالعادة إلهم يجوا هيك ويضلوا يسألوني: اطمنتِ على معاذ؟ بعتي لمعاذ؟». وقتها لم تكن منار تعرف عن عملية السلط، لكن الجارات، وبعضهن زوجات لعسكريين أو عسكريات بحكم الإسكان الذي يعيش فيه الزوجان، جعلوها تشعر بعدم اعتيادية مهمة معاذ هذه المرة.

في حدود الساعة التاسعة مساءً، جاءت إحدى الجارات وهي تبكي، تسأل منار إن كان قد اطمأنت على معاذ، «عرفت وقتها إنه صاير له إشي وطلعت ع المدينة الطبية».

شاهدت منار سيارات الإسعاف الداخلة للمدينة. كانت تنقل جرحى قادمين من السلط، كلما وصلت سيارة تتهيأ لأن يكون معاذ في داخلها، ثم راحت تسأل الجرحى من العسكريين إن التقوا بزوجها. أحدهم أجابها بأنه كان معه، لكن تفجيرًا حصل ولا يعلم ما حصل بعدها.

يقول حاتم بأنه في حدود الساعة الثالثة فجرًا «طلّعوا زميله من تحت الأنقاض وسألوه عن معاذ»، فأخبرهم بأن معاذ كان متقدمًا عليه بالدخول للمبنى ومن المفترض أن يكون في المنطقة القريبة منه.

لست ساعات، بقيت العائلة في قسم الطوارئ في المدينة الطبية دون أن تبلغهم أي جهة رسمية بشيء عن معاذ، حتى دخلت سيارة إسعاف دون أن تطلق صافرتها الساعة الثالثة فجرًا لساحة الطوارئ. «أنا استغربت، كل السيارات قبل كانوا بصوت عالي، آخر (أمبلنس) دخل على هدوء»، تقول منار. لاحقًا عرفت بأنها السيارة التي نقلت معاذ بعد استخراج جثمانه من تحت الأنقاض.

على باب منزل حاتم، تنهي منى حديثها عن شقيقها الأصغر معاذ بتساؤل «الشهيد الذي يكرّم ميتًا أولى أن يعيش حياة أكرم حيًا، ما في تكريم أكرم من جيّة جلالته، بس وهو عايش قدّم قدّم قدّم وتعب بس كانت حياته ظنك، طب  ليش هيك؟».

محمد الهياجنة

تقرير دلال سلامة ويزن ملحم

أمضى محمد الهياجنة (25 سنة) إجازته الأخيرة وهو يساعد شبابًا من أقاربه وأصدقائه في ترميم غرفة الضيوف في منزل عائلته في قرية دير السعنة في لواء الطيبة في محافظة إربد. صلّحوا الأرض، وكسروا البلاط القديم، ووضعوا بلاطًا جديدًا. وكان يعمل لساعات مبكرة، صباح كل يوم، لأنه كان يريد الانتهاء من إصلاح الغرفة لتكون جاهزة قبل عيد الأضحى.

فجر يوم السبت، العاشر من آب، تلقى اتصالًا يطلب منه قطع إجازته والعودة إلى عمله في المخابرات. قال لعائلته إنه لن يغيب طويلًا، وسيعود على الأرجح اليوم الذي يليه، لكنه لم يفعل. وفي هذه الغرفة التي ساهم في ترميمها، كان هناك بدلًا من المهنئين بالعيد صفوف من النساء المتشحات بالأسود، جئن للتعزية به.

التحق محمد بعمله في المخابرات قبل أربع سنوات تقريبًا. لم يكن قد نجح في الثانوية العامة، ولم يرغب في الإعادة لأنه، كما تقول أخته، إيمان، أراد تحمل جزء من المسؤولية، فهم تسعة إخوة وأخوات، والوضع المادي للعائلة لم يكن جيدًا. الوالد متقاعد عسكري يعمل بنقل الركاب على باص صغير، في حين تتضمن والدتها أراضٍ تزرعها بمحاصيل موسمية.

بعد أن خرج محمد من المدرسة، عمل في مهن متفرقة، إلى أن استخرج رخصة قيادة، وبدأ يعمل على باص والده، وهو أمر تقول إيمان إنه ظل يعمله كلما كان يعود في إجازة حتى استشهاده. ومنذ أن بدأ بكسب المال، كان يعطي معظم ما يجنبه لوالده ويبقي لنفسه مصروفًا شخصيًا لم يكن يتجاوز في الفترة الأخيرة العشرة دنانير، يأخذها عندما يذهب لدوامه: «ما كان يدخن، ولا يشرب قهوة، ولا يشتري أي إشي خاص».

لم تكن العائلة، كما تقول أختاه إيمان وزهور، مرتاحة لعمله، وظلوا يطلبون منه أن ينتقل إلى مجال أقل خطورة، لكنه كان يرفض. وقد اشترك محمد في مداهمة الخلية الإرهابية في إربد، العام 2016، مع الشهيد راشد الزيود الذي ارتبط معه بصداقة حميمة. ورآه، كما يقول شقيقه أحمد، وهو «بروح» أمامه. وقال إنه يومها «إجى عندي وصار يعيط على راشد قدّامي. كنا أنا وأبوي وأمي نقولّه دير بالك. لا تحط حالك ببوز المدفع. ما كانِش يرد».

تقول إيمان عن يوم مداهمة إربد، إنهم شكّوا بوجوده مع المهاجمين، فظلوا يتصلون به إلى أن أجاب الاتصالات في النهاية وطمأنهم. وهذا ما تكرر هذه المرة، عندما وردت أنباء مداهمة العمارة في السلط. لكن الفرق أن هاتفه هذه المرة كان مغلقًا، «فقلت لأمي والله يمّا عملها».

تقول زهور: «كسرولنا ظهرنا، موّتوا قلوبنا. أمي راحت اليوم على المقبرة وصارت تزيح بالتراب، بدّها تطلعه من القبر».

هشام العقاربة

تقرير عمر فارس

غابت الشمس، ودون أن يقدَّمَ نفسه، قام أحد الحاضرين وألقى قصيدةً استهلّها بالقول: «يا قُمَر عَتْم الليل ظوِّي على هشام». كان ذلك في بيت عزاء الشهيد هشام العقاربة، الكائن في بلدة العالوك في محافظة الزرقاء.

وُلد هشام في العالوك عام 1994، وعاش حياته القصيرة كلها هناك بحسب أبناء عمومته. وهو الابن قبل الأخير للحاج أبو فيصل، والده، من ضمن 12 أخًا وتسع أخوات.

قضى هشام فترة الدراسة وهو من البارزين ما بين زملائه، كما يقول خاله، ومن بين أذكاهم، وبروحٍ قيادية ظهرتْ حتى في تحمّله مسؤوليات اجتماعية منذ الصغر. «كان همزة الوصل بين خواته المتزوجات والبعاد، وبين إخوانه (..) كان عنده القدرة العاطفية على إدارة أمور بيته وأسرته»، يضيف خاله، فالشهيد متزوجٌ ولديه ابن (عامان) وبنت (شهران).

بحسب أحد أقربائه، تمتع الشهيد بلياقةٍ بدنية عالية، ورغب منذ الصغر بالانضمام للقوات المسلحة، تحديدًا فرقة العمليات الخاصة. وكان يُقبل على أشرس الدورات العسكرية.

بعد إنهاء هشام لمتطلبات النجاح بالتوجيهي، اتجه مباشرة للانضمام إلى العمليات الخاصة.

يقول خال هشام: «إحنا نعرف إنه يوم من الأيام رح يكون شهيد، لأنه في كل موقعة كان يطلع ويقول أنا ما نلت الشهادة في هذه المرة، ونسأل الله يكتبلنا اياها في المرات القادمة». حيث شارك الشهيد في إنقاذ الجرحى في عملية إربد، وكان متواجدًا في عملية قلعة الكرك.

كان آخر اتصالٍ مع عائلته، بحسب أخيه، صباح العملية عندما استُدعي إلى الواجب. دوامه الاعتيادي هو أسبوع دوام مقابل أسبوع عطلة. «كان عند أولاده وطلبوه على الواجب. الصبح اتصل علينا وقال إنه بعمّان»، يقول أخوه بصوتٍ يعلوه الحزن.

قال زملاء هشام لعائلته إنه أول من استشهد بعد قائد المجموعة، «دائمًا هو عون لقائده وهو من الناس اللي يُركن عليها في هذه المهمة»، يقول خاله.

كان هشام يأمل في إنهاء تعمير بيته. يستذكر أحد أبناء عمومته: «كنا نروح على الحِمّة والبحر الميت، نطلع ونقعد مع بعض. بلّش يعمّر بيته وربّنا ما راد يكمّل». كان مرتاحًا بخدمته، يقول خاله، ويضيف: «صحيح الطبيب والمهندس يخدم بلدنا لكن في هناك خدمة سريعة، اللي هي خدمة البدن للوطن».

محمد العزام

تقرير دلال سلامة 

كان محمد العزام (22 سنة)، الذي استشهد السبت الماضي، ينوي العودة يوم الأحد إلى قريته راسون في محافظة عجلون، ليقضي يوم إجازته الذي كان قد حدّد فيه موعدًا مع مقاول لتخطيط قطعة أرض صغيرة، منحتها له عائلته كي يبني عليها منزلًا، وهي أرض كانوا قبلها بأيام قد جرفوها، وجهزوها للبناء.

كان الشغل الشاغل لمحمد، كما تقول أمه، هو أن يدّخر ما يكفي لثلاثة أشياء: بناء بيت، والزواج، وشراء سيارة. وتقول إنه كان في أواخر أيامه يتحدث كثيرًا عن أمله في الالتحاق بدورة عسكرية في الخارج، كان من المفترض أن تسهم في تحسين وضعه المادي: «كان في بنت بباله، وكان خايف تروح منه، وكان يقولّي يمّا ادّعيلي تطلعلّي الدورة وأسافر، فأقولّه إن شاء الله ما تطلعلك. كنت خايفة عليه».

لمحمد ثلاثة أخوان وأربع أخوات، أكمل العديد منهم تعليمهم الجامعي، وهذا ما تقول أم محمد إنها ووالده الذي يعمل مدنيًا في الجيش رغبا أن يفعله محمد أيضًا. لكنه عندما أنهى الصف العاشر، أعلن أنه لا يرغب بإكمال تعليمه وإنه يريد الالتحاق بالجيش. تقول إن والده حاول إقناعه بإكمال دراسته: «قاله إنت كمّل، وإن شاء الله بتجيب خمسين. وما طلعلك مكرمة، أنا بقرّيك على حسابي». لكن محمد رفض تمامًا. وعمل في أعمال متفرقة إلى ما قبل ثلاث سنوات ونصف، عندما حصل على قبول في الجيش، والتحق من ثم بالعمليات الخاصة، ليخدم في الزرقاء وعمان.

تقول إنها كانت تشفق عليه كثيرًا بسبب صعوبة التدريبات التي كان يخوضها. وقد عرضت عليه هي ووالده كثيرًا أن يحوّل إلى مجال أقل مشقة، لكنه كان يرفض: «والله الأواعي اللي كنت أغسلهن كنت أقعد أعيط؛ كلهن طين، يقول والله يمّا أنا متريح».

عندما وصلت أنباء حادثة السلط، تقول أم محمد إن أول ما خطر ببالها هو أن محمد في العمارة التي انهارت: «كل ساع اتفرج على الفيديو، يمكن عِدته عشرين مرة، وأقول لبنتي اتفرجي على هاي العمارة. حاسّ محمد معاهم». ثم توجهت بهواجسها لابنها الذي يدرس في الجامعة، وكان يستعد للخروج لتأدية امتحان، فطمأنها بأن خدمة محمد قصيرة، وأنه بالتأكيد لن يكلف بمهمة مثل هذه. لكن ما حدث، كما تقول، هو أنه بمجرد خروج ابنها من باب المنزل، جاءه هاتف من الجيش يبلغه بنبأ استشهاد أخيه. وتقول إنها استغربت من تبليغ الوفاة مباشرة وعلى الهاتف، «وهسّا ابني والله منهار. طلعناه مرتين على المستشفى، منهار بتصيبه رجّة، وبتعب فجأة».

أحمد إدريس الزعبي

تقرير ريم المصري ولينا عجيلات

على الشارع الرئيسي الممتد بين مساحات مفتوحة من السهول الزراعية المحاذية للحدود السورية، تمر من بوّابة تلو الأخرى لقرى ومناطق تابعة لبلدية سهل حوران قبل أن تصل إلى قرية الذنيبة، المطلّة على سد الوحدة، حيث بيت عزاء الشهيد العريف أحمد إدريس الزعبي، الذي توفي متأثرًا بجراحه التي تلقاها نتيجة انفجار عبوة ناسفة بدورية الدرك التي كان فيها يوم الجمعة 10 آب في الفحيص.

أحمد، الذي كان سيحتفل بعيد ميلاده الحادي والعشرين بعد شهرين، ترعرع في هذه القرية بين أربعة إخوة وست أخوات، أكبرهم في التاسعة والعشرين وأصغرهم في الثامنة من العمر. «إحنا عيلتنا من النوع اللي بخافوا على الشباب يطلعوا لحالهم برّا القرية إلا لمّا يكبروا»، تقول شقيقته عرين، التي تكبره بأربع سنوات.

لم يفلح أحمد في التوجيهي الأدبي، وصمّم على الالتحاق بجهاز الدرك على الرغم من محاولة أسرته لتشجيعه على العمل في أماكن أخرى، خاصّة بعد تجربة أخيه الأكبر الذي كان قد التحق بالدفاع المدني لفترة قصيرة قبل أن يقرر تركه، مما اضطر عائلته لدفع غرامة مالية، ليكمل بعدها دراسته في جامعة العلوم والتكنولوجيا ويعمل في مستشفى الأميرة بسمة.

بينما كان أحمد ينتظر قبول تعيينه في الدرك، عمل في شركة الولاء للإعاشة، المملوكة من القوات المسلحة، لكنّه لم يستمر فيها طويلًا، وجرّب عددًا من الأعمال الحرة، من بينها قطاف الزيتون في أراضي القرية. تفسّر عرين تصميم أحمد على دخول الدرك بانعدام الخيارات المتاحة أمام شاب من الرمثا لم ينجح بالتوجيهي ولا يرغب بإكمال الدراسة. «إذا الواحد بدّه يفتح مصلحة لازم يكون معه راس مال»، تقول عرين، التي درست الحقوق في جامعة اليرموك وتعمل محامية.

جاء قرار قبول أحمد بالدرك بعد حوالي عام من إنهائه التوجيهي، وعيّن في كتيبة السلط. تقول والدته إنه كان سعيدًا بعمله، «كان يحب شغله ومبسوط مع زملائه ويروح وييجي».

كان أحمد ينتظر دوره للالتحاق بقوّات حفظ السلام بعد سنة، وبدأ مؤخرًا يعبّر عن رغبته في الزواج وشراء سيّارة، فكان يقول لأخته عرين «شوفيلي وحدة من الصبايا المحاميات حواليكِ».

«مرح» و«حنون»، هكذا تصف أخوات أحمد شقيقهن.  كان ابن أخته، إلياس، ذو السنتين، ينتظر أحمد على باب المنزل ويسأل «متى بدّو ييجي مُح؟» كما كان يسمّي خاله، مترقبًا عودته الأسبوعية من دوامه ليقضي ثلاثة أيام مع أهله في الرمثا. «كان يشلح برجله وعلى طول يبلّش يلعّب الياس»، تقول عرين.

كما يفعل كل خميس، ودّع أحمد عائلته وغادر الرمثا إلى السلط يوم التاسع من آب، قبل الحادثة بيوم. صباح يوم الجمعة «اتصل أحمد بكل صحابه اللي عندهم توجيهي يهنّيهم أو يواسيهم»، حسب عرين. في عصر ذلك اليوم، تواردت أخبار انفجار عبوة ناسفة في دورية درك في الفحيص، لكن العائلة لم تسمع الخبر، حتى الساعة السادسة والنصف مساءً، عندما كانوا يستعدّون للذهاب إلى بيت عم أحمد للاحتفال بابنة عمّهم التي حصلت على معدّل 89 في التوجيهي، واتّصل بهم زوج شقيقتهم يسألهم إذا ما كانوا قد اطمأنّوا على أحمد.

حاولوا الاتصال به، لكنّ هاتفه كان «لا يمكن الاتصال به». دخلوا على «المسنجر» ليعرفوا آخر مرّة شوهد فيها، فكانت قبل موعد الحادث بنصف ساعة. اتصلّوا بمقسم الدرك الرئيسي وطلبوا تحويلهم لمقسم السلط، لكنّهم لم يحصلوا من هناك على أيّة معلومات باستثناء سؤال «هو ما حد حكى معكم؟»، كان كافيًا ليتأكدوا أن ابنهم ضمن المصابين. اتّصلوا بعدها بمدينة الحسين الطبية، ليأتيهم الرد بأن أحمد تلقّى إصابة في ساقه وأنه «نجا من الموت».

عندما توجهت العائلة إلى المدينة الطبية، وجدوا أن إصابات أحمد بليغة جدًا. خضع لعملية جراحية طويلة وبقي بعدها تحت العلاج عشرة أيّام قبل أن يفارق الحياة يوم الإثنين، يوم «وقفة عرفة»، ليكون بذلك سادس شهداء أحداث الفحيص والسلط.

«ليش بدكم تكتبوا عنّه هلأ؟» تسأل ابنة عمّته تسنيم، ذات الأربعة عشر عامًا. فتعقّب والدتها: «كتبتوا أو ما كتبتوا، خلص راح».