جاريد كوشنر، من عالم البزنس إلى عرّاب صفقة القرن

جاريد كوشنر، من عالم البزنس إلى عرّاب صفقة القرن

الإثنين 18 كانون الأول 2017

على الرغم من المظاهرات والاحتجاجات العارمة التي اجتاحت العواصم العربية والإسلامية بعد إعلان ترمب اعتبار مدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، وعلى الرغم من التصريحات الغاضبة للقادة العرب من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين واستنكارهم ورفضهم للقرار، إلا أن جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره الخاص المكلّف بإدارة ملف «مشكلة الشرق الأوسط»، لا يزال يراهن على قدرته على التوصل إلى «صفقة القرن» بين الفلسطينيين والإسرائيليين وتحقيق ما عجزت عنه جميع الإدارات الأمريكية السابقة.

لعل ثقة كوشنر هذه آتية من العلاقة الوثيقة التي بناها مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فالاثنان طوّرا صداقة حميمة، والسعودية، وعلى الرغم من تصريحاتها الخجولة في انتقاد قرار ترمب، تعمل وراء الكواليس للضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس لقبول الصفقة التي يرسمها كوشنر، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز. (نفت السعودية لاحقًا ما جاء في هذا التقرير وغيره على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير).

كوشنر كان ممّن شجّعوا الرئيس الأمريكي بشدّة على القيام بإعلانه حول القدس، خلافًا لوزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين اللذين عبّرا عن اعتراضهما عليه، بحسب ما نقل موقع بوليتيكو الأمريكي.

هذا الخلاف ما بين كوشنر ووزير الخارجية الأمريكية ريك تيلرسون ليس جديدًا، فقبل نحو أسبوع من إعلان ترمب، نقلت وكالة بلومبيرغ عن مقرّبين من تيلرسون قلقه من المحادثات السرية ما بين كوشنر وولي العهد السعودي محمد بن سلمان للوصول إلى «اتفاق تاريخي» لحل القضية الفلسطينية، واستياءه من أن كوشنر لا يطلع وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الأمريكي على كافة تفاصيل محادثاته.

ينفي البيت الأبيض هذه الاتهامات عن كوشنر، لكن الدور الكبير الذي يلعبه صهر الرئيس الأمريكي، ذو السادسة والثلاثين عامًا، في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، واضح وجدلي منذ أن عيّنه ترمب في منصب «أعلى مستشاري الرئيس» فور وصوله البيت الأبيض، خصوصًا أن مناصب سفراء الولايات المتحدة في الأردن ومصر والسعودية وقطر (بالإضافة إلى مناصب أخرى مهمة في وزارة الخارجية) ما تزال شاغرة.

فمن هو هذا الشخص الذي ارتبط اسمه بعدد من القضايا، وعلى رأسها، «حل» القضية الفلسطينية، ولعب خلال هذا العام الأول من ولاية ترمب دورًا في أزمة الأقصى في تمّوز/ يوليو الماضي، وحادثة السفارة الإسرائيلية في عمّان، وأزمة قطر والخليج، وصفقة بيع الأسلحة للسعودية؟ هذا مع أنه، وباستثناء علاقته مع الكيان الصهيوني، لم يكن لكوشنر أية خبرة أو معرفة سياسية بالشرق الأوسط قبل تعيينه في هذا المنصب.

من هو جاريد كوشنر وما هي علاقة عائلته بإسرائيل؟

جاريد كوشنر هو ابن سمسار العقارات تشارلز كوشنر الذي كان على علاقة وثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ التسعينيات، ودفع له ما يقارب 400 ألف دولار أمريكي مقابل استضافته كمتحدث في عدد من الفعاليات. في عام 2004 حاول نتنياهو رد الجميل لصديقه بأن يشجعه على شراء «بنك ديسكونت إسرائيل»، ثالث أكبر بنك في إسرائيل، إبّان خصخصته، في صفقة كانت ستحتاج توقيع نتنياهو بصفته وزير المالية آنذاك، لكن تحقيقات القضاء الأمريكي مع تشارلز كوشنر حالت دون إتمام البيع.

هذه التحقيقات كانت حول جرائم من ضمنها تبرعات غير قانونية لحملات سياسية، ومخالفات ضريبية، ومحاولة ابتزاز شاهد، تمت إدانته فيها وحكم عليه بالسجن لمدّة عامين.

في تسعينيات القرن الماضي استضاف والدا جاريد نتنياهو في منزلهم في إحدى زيارته إلى الولايات المتحدة، ولجاريد علاقة خاصة مع «إسرائيل» منذ الصغر، وسافر في رحلة «حق الولادة»، وهي رحلات مجانية تعرض على الشباب اليهود حول العالم لزيارة «إسرائيل» وتوطيد علاقتهم بها وبالمشروع الصهيوني. أمّا حاليًا فلديه علاقات مهمة مع اليمين الإسرائيلي وأثرياء إسرائيل مثل الملياردير الإسرائيلي – الأمريكي هيم سابان.

استخدمت عائلة كوشنر ثروتها من تجارة العقارات للتبرع بملايين الدولارات لمؤسسات يهودية أمريكية وإسرائيلية، من ضمنها مؤسسات داخل المستوطنات الإسرائيلية.

درس جاريد في جامعة هارفارد (التي يُرجّح أن يكون قُبِل فيها بسبب تبرعات والده الضخمة للجامعة، وليس مؤهلاته الأكاديمية). عمل بعد تخرجه في مجال بيع العقارات مثل والده، فأدار أكبر عملية شراء عقارية في ذلك الوقت لمبنى في نيويورك بقيمة 1.8 مليار دولار، لكن هذا العقار يعاني حاليًا من ديون كبيرة تهدد شركات كوشنر.

عندما كان في الخامسة والعشرين من العمر، اشترى مجلة «نيويورك أوبسيرفر» التي استخدمها للترويج لمشاريعه العقارية، وفقا لموقع بوليتيكو.

بدأ كوشنر حياته السياسيّة مع بدء الحملة الانتخابية لترمب، ويربط العديد من المحللين السياسين فوز ترمب بجهود كوشنر في الحملة. في مقابلة مع مجلّة فوربز بعد فوز ترمب، عزا كوشنر نجاحه لمعرفته غير التقليدية بعالم التواصل الاجتماعي وكيفية جمع البيانات الخفية والتلاعب بمشاعر الجمهور وتوظيف تقنيات تعلّم الآلة (أحد فروع الذكاء الاصطناعي).

ضغوطات وتحقيق فيدرالي حول التدخل الروسي

لعدّة أشهر بعد تعيينه، لم يعلم أحد بالتحديد ماهية الوصف الوظيفي لمنصب كوشنر في البيت الأبيض، إذ كلّف بملفات شملت – إضافة إلى التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط – إعادة تأهيل البيروقراطية الحكومية في أمريكا، وإصلاح نظام رعاية المتقاعدين العسكريين، وحل أزمة وباء الأفيون، وقيادة مكتب «الإبداع الأمريكي»، الذي لم يكن مفهومًا تمامًا ما سيفعله، حتى لكبير موظفي البيت الأبيض السابق، رينس بريبوس.

هذه الصلاحيات المفتوحة التي تمتّع بها كوشنر في الأشهر الأولى من تعيينه تقلّصت مؤخرًا بعد تعيين الجنرال المتقاعد جون كيلي كبيرًا لموظفي البيت الأبيض مكان بريبوس، إذ يصر كيلي أن على كوشنر العمل ضمن تسلسل واضح للهرم الوظيفي في البيت الأبيض.

يتعرّض كوشنر كذلك لضغوط كبيرة بسبب التحقيقات حول التدخلات الروسية في الانتخابات الأمريكية والاتصالات غير المعلنة لعاملين في حملة ترمب مع دبلوماسيين روس. فقبل أيام من إعلان ترمب حول القدس، اعترف مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق مايكل فلين أنه كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالية (الإف بي آي) حول تواصله مع السفير الروسي السابق في الولايات المتحدة في كانون أول 2016. وقال فلين أنه تواصل مع السفير الروسي آنذاك «بطلب من مسؤول كبير جدًا في الفريق الانتقالي لترمب».

تشير مصادر إلى أن هذا المسؤول هو جاريد كوشنر، وأنه طلب من فلين الاتصال بالسفير الروسي من أجل العمل على تأجيل التصويت في مجلس الأمن على قرار يدين التوسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية (لأن إدارة أوباما كانت تنوي الامتناع عن التصويت والسماح للقرار بالمرور، وهو ما حدث).

دور كوشنر في أزمة السفارة الإسرائيلية في عمّان

نشر موقع ذا واير تسريبًا للقاء عقده كوشنر مع الطلاب المتدربين في البيت الأبيض، شرح فيه أسلوب إدارته للنزاعات في الشرق الأوسط. أكّد كوشنر للطلاب أهمية السرية في حل هذه النزاعات الحساسة والابتعاد التام عن الإعلام خاصة في القضية الفلسطينية، لكي يستطيع كل من الأطراف الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية التعبير عن آرائهم بحرية وبناء علاقات متبادلة من الثقة، بحسب قوله. وأوضح كوشنر أن عدم تدخل الإعلام سمح له أن يخوض في محادثات مثيرة للاهتمام مع كافة الأطراف. أكّد أيضًا في حديثه على أهمية «عدم إثارة المشاكل التاريخية التي تقع عائقًا في مجال السلام»، «فنحن قرأنا كتب التاريخ وفرغنا منها، نحن لا نريد إلا ما يحقق السلام».

وفي أزمة السفارة الإسرائيلية في عمّان بعد استشهاد مواطنيْن أردنييْن على يد رجل أمن إسرائيلي في السفارة، قال كوشنر أن موقف رجل الأمن «دفاعًا عن نفسه» كان يستحق الحماية، وإنه كان فخورًا بنفسه للدور الذي لعبه في إعادة موظفي السفارة إلى إسرائيل بعد جلسته مع الملك عبد الله الثاني (الذي كان في إجازة خاصة في الولايات المتحدة وقت وقوع الحادثة). لقاء كوشنر مع الملك جاء بعد رفض الأخير التواصل مع نتنياهو وفقا لموقع الهافينغتون بوست وتوسط نتنياهو لدى البيت الأبيض للتدخل. وصف كوشنر الجلسة قائلًا: «لقد كانت جيدة جدًا، كان الملك رائعًا وعقلانيًا في كل هذا من حيث البحث عن العدل عندما ترى أن هناك شيئًا خاطئًا بالرغم من الغضب الذي صدر عن الشعب الأردني».

لاحقا شكر نتنياهو الحكومة الأمريكية لتدخلها السريع وإنقاذ الموقف.

ذكر كوشنر كذلك في حديثه المسرّب إتمام صفقة مياه ما بين الأطراف الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية دون أن يبين تفاصيلها.

الشرق الأوسط كشركة مساهمة خاصة

حتى الآن لعبت العلاقات الخاصة لكوشنر سواء كانت عائلية، دينية أم مالية دورًا مهمًا في علاقات الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط. ففي صفقة بيع الأسلحة للسعودية والتي وصلت قيمتها  110 مليار دولار، كانت المفاوضات أكثر حميمية عندما جلس صهر الرئيس للتفاوض، إذ خرج كوشنر أثناء إحدى الجلسات للاتصال بمارلين هيوسن الرئيسة التنفيذية لشركة لوكهيد مارتن للأسلحة كي يطلب منها تخفيض السعر، وردت عليه قائلة إنها ستنظر بالموضوع، بحسب صحيفة النيويورك تايمز.

أما في أزمة قطر فرجّح موقع الانتيرسيبت أن لكوشنر دورًا في موقف ترمب المؤيد للسعودية ضد قطر، والذي جاء متناقضًا مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكية تيلرسون الذي دعا الأطراف إلى «نقاش هادئ ومنظم». كان موقف تيلرسون مبررًا ومتوافقًا مع السياسة الخارجية الأمريكية إذ أن للولايات المتحدة قواعد عسكرية مهمة في قطر، بالإضافة إلى روابط اقتصادية قوية. أما تصريح ترمب غير المتوقع والمتناقض مع السياسة العامة، فرجح الإعلام أنه يهدف لحماية مصالح صهره كوشنر الذي يدين للشيخ حمدان بن عبد الله الطحاني في قطر بمبلغ نصف مليار دولار، فكان من شأن الأزمة تأجيل تاريخ استحقاق الدين الذي يمكن أن يشكل ضربة لشركات كوشنر.

لم يكن كوشنر بعيدًا أيضًا عن الأحداث المفاجئة في السعودية الشهر الماضي، فقبل أيّام قليلة من بدء الحملة غير المسبوقة من اعتقالات أمراء ومسؤولين سعوديين، ومن إعلان استقالة رئيس الوزراء اللبناني من السعودية ، تناقلت وسائل إعلام أمريكية خبرًا مفاده قيام جاريد كوشنر بزيارة غير معلنة إلى السعودية، هي رحلته الثالثة إلى المملكة خلال هذا العام. وبحسب تحليل نشرته صحيفة الواشنطن بوست حول تلك الزيارة، اجتمع كوشنر ومحمد بن سلمان حتى الرابعة فجرًا عدّة ليالي، تبادلا خلالها القصص وخطّطا الاستراتيجيات.

كوشنر والقضية الفلسطينية

خلال زيارة كوشنر لفلسطين المحتلّة في تموز الماضي، نقلت صحيفة الحياة اللندنية تصريحات أحد مسؤولي السلطة الفلسطينية المتعلقة بتوتر المحادثات بين عباس وكوشنر بسبب الموقف الأمريكي من المستوطنات، إذ ينظر الأمريكيّون لموضوع تمدّد المستوطنات على أنه أمرٌ ثانوي، فيما يرفض أبو مازن العودة للمفاوضات، المتوقفة منذ سنوات، قبل التوقف عن بناء المستوطنات. هذا التوتر نفاه البيت الأبيض لاحقًا.

هذا الموقف من المستوطنات ليس مستغربًا من كوشنر، إذا علمنا أن عائلته سبق لها أن دعمت العديد من المشاريع الصهيونية كبناء مستشفيات ومدارس منها ما كان في المستوطنات، بل وتبرّع والداه كذلك بعشرات الآلاف لبناء مستوطنة بيت إيل، المقامة على أراضي رام الله المحتلّة. زيارة كوشنر الثالثة للمنطقة جاءت في آب الماضي. أعرب ممثلو السلطة الفلسطينية وقتها عن استيائهم من الزيارة السابقة لكوشنر، الذي استقبله الشعب الفلسطيني بمظاهرات رافضة، وهدّد محمود عباس بحل السلطة الفلسطينية في حال لم تعلن إدارة ترمب دعمها لحل الدولتين.

تلخصت الرسالة الأمريكية للحكومة الفلسطينية في تلك الزيارة، كما نقلت صحيفة العربي الجديد، «بوقف أي تحرك فلسطيني على الصعيد الدولي ضد إسرائيل لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر، وذلك إلى أن تعرض الولايات المتحدة مبادرة سياسية لتحريك العملية السلمية للعودة إلى المفاوضات بين الطرفين». تشمل هذه التحركات مساعي الحصول على اعتراف بعضوية كاملة للسلطة الفلسطينية في منظمات دولية. وافق عباس على هذه المطالب شريطة أن تقدّم الحكومة الأمريكية خطة واضحة للمفاوضات خلال الفترة القادمة.

في تشرين أول الماضي زار كوشنر السعودية. لم يصرّح مسؤولو البيت الأبيض عمّن التقى كوشنر في السعودية، لكنهم أشاروا إلى أن الزيارة أتت في سياق محاولة التوصل إلى «اتفاق سلام ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين». أحد أصدقاء ترمب المقرّبين والمؤتمنين من قبله، الملياردير توم باراك، قال لموقع بوليتيكو إن «جاريد كان دائمًا مندفعًا لمحاولة حل الخلاف الفلسطيني – الإسرائيلي. المفتاح لحل ذلك الخلاف هو مصر، والمفتاح لمصر هو أبو ظبي والسعودية».

هل لدى كوشنر خطة فعلًا؟

بعد شهر على تلك الزيارة أعلن ترمب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترافه بها عاصمة موحّدة لـ«إسرائيل». وزير الخارجية السعودي قال إن هذا القرار «يخالف المواثيق الدولية ويعيق جهود السلام»، لكنه أضاف إن الإدارة الأمريكية ما تزال ملتزمة بحل الدولتين وإنها تعمل على تقديم مقترح لم تكتمل ملامحه بعد. أما «إسرائيل» فترى أن الولايات المتحدة بحاجة ماسّة إلى السعودية لتقديم أي مقترح للسلام.

في ذات الوقت، ما تزال المظاهرات الشعبية والاعتراضات الدولية على تصريحات ترمب مستمرة، لعل ما يراهن عليه كوشنر هو أن تكون كل الاعتراضات على القرار شكليّة، وأنه وبعد فترة من «تنفيس الغضب» سيعود حلفاء أمريكا العرب للعمل معه بشكل غير علني على خطة السلام التي ينوي أن يعلن عنها في الأشهر الأولى من 2018.