التبادل الوظيفيّ للدّول الوظيفيّة: الإصرار على حلّ الدولتين في فلسطين

Source: Wikimedia Commons

التبادل الوظيفيّ للدّول الوظيفيّة: الإصرار على حلّ الدولتين في فلسطين

الخميس 22 حزيران 2017

العام الماضي (2016)، حلّت بهدوء، ودون كثير اهتمام، الذكرى المئويّة لاتفاقيّة سايكس – بيكو، التي رسمت، وما تلاها من الاتفاقيّات، الحدود الجغرافيّة والسياسيّة للكيانات التي خلفت الدّولة العثمانيّة في العالم العربيّ. لم تقتصر آثار تقسيم النّفوذ هذا على الجغرافيا فحسب، بل شملت إعادة تشكيل للنّسيج الاجتماعيّ الإثنيّ والطائفيّ والعشائريّ؛ واستحداث مشروع استعماريّ استيطانيّ للحركة الصهيونيّة في الجنوب الغربيّ لسوريّة الطبيعيّة؛ وخلق كيانات معوّقة تنمويًّا واقتصاديًّا؛ وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة المباشرة من مداخل أخرى أكثر تعميةً بعد «استقلال» وهميّ، إذ لم تتعدّ حدود هذا الاستقلال الشّعار اللّفظيّ بأي وقت من الأوقات، وبقي النّظام الرسميّ العربيّ تابعًا (بدرجات متفاوتة من التبعيّة) للقوى الدوليّة وتوازناتها.

تاريخيًّا، لم تتشكّل أي من دول العالم العربيّ المعاصرة (باستثناء مصر، التي حافظت على كيانيّة سياسيّة شبه متماسكة منذ بداية عهد محمّد علي عام 1805؛ وممالك آل سعود الثلاثة المتعاقبة -بحدودها المختلفة- في الجزيرة العربيّة منذ عام 1745) نتيجة لتطوّرات داخلية، أو توافق لقوىً محليّة، أو بواسطة ثورة شعبيّة، أو بفعل تسلّط أو تأثير نخبة وطنيّة محليّة المصالح. كان الاستعمار، إذًا، العامل الأساسيّ ليس فقط في نشوء ما نسميّه اليوم «الدّولة الوطنيّة»، بل أيضًا في نشوء «الدّولة العميقة»، أي النّظام الذي يحكمها ويُمسك بمفاصلها: النخب الاقتصاديّة والسياسيّة المرتبطة باقتصادات ودوائر نفود المستعمِر؛ الاقتصاد غير المُنتج والمُلحق باقتصاد المستعمِر؛ ومؤسّسات الحكم، وأنظمة التّعليم، والقوانين، المستنسخة (أحيانًا كثيرة: بشكل صوريّ) عن مثيلاتها لدى المُستعمِر؛ حتى الدول التي يمتدّ جذرها إلى ما قبل الاستعمار، لم تسلم من تأثيراته المباشرة، حيث استعمرت بريطانيا مصر لأكثر من نصف قرن (1882-1954)، أما التأثير الأميركيّ على السّعوديّة فمعروف، وآخر فصوله الأخبار عن صفقات بمئات المليارات التي وقّعها النّظام السعودي مع إدارة ترامب مؤخّرًا.

إن كانت هذه الدول، بأسباب نشوئها التاريخيّة، ومصالحها العضويّة، وممارساتها العمليّة،  دولًا/أنظمة وظيفيّة، شرط وجودها خارجيّ بالأساس، تستمدّ عناصر استمرارها من مجموع العوامل الخارجيّة المساندة لها، وعوامل التوازن الدوليّ التي تحوّلها إلى عامل تنفيذيّ، يُسند إليه -مثلًا- تنفيذ برامج صندوق النقد الدولي، أو تنفيذ متطلّبات معاهدات «السّلام»، أو صياغة وتطبيق القوانين التي تُنهِك وتعطّل الصّناعة المحليّة وتسهّل دخول السّلع الخارجيّة، ولا تستمدّ شرط وجودها من المصالح المشتركة للمجموع السكانيّ الذي تتسلّط عليه، وتعطّل تنميته، وتنتزع السيولة الماليّة اللازمة لتسيير أعمالها من جيوبه، فمن أين إذن ستشتقّ شرعيّتها؟

النّتيجة الأساسيّة التي يتضمّنها هذا الحلّ: بقاء «إسرائيل» واقعًا ماديًّا حقيقيًّا مؤثّرًا، وبقاء «فلسطين» فكرةً غير مُتحقّقة، قابلة للتّوظيف والاستغلالل وإعادة التّشكيل.

يمثّل المشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ الصهيونيّ في فلسطين، وتداعياته المختلفة، ومقاربات «الحلّ» المتعلّقة به، وعلى رأسها «حلّ الدّولتين»، مدخلًا مناسبًا لفهم الارتباط العضويّ البينيّ للكيانات الوظيفيّة التي خلّفها الاستعمار، وكيف تعزّز بعضها البعض، وكيف تبرّر إحداها وجود الآخريات، الأمر الذي يفسّر إصرار النظام الرسميّ العربيّ ليس فقط على «حلّ الدولتين»، بل على النّتيجة الأساسيّة التي يتضمّنها هذا الحلّ: بقاء «إسرائيل» واقعًا ماديًّا حقيقيًّا مؤثّرًا، وبقاء «فلسطين» فكرةً غير مُتحقّقة، قابلة للتّوظيف والاستغلال وإعادة التّشكيل.

حلّ الدّولتين كضمانة لاحتكار السّلطة وتعطيل التّنمية

قبل فترة «السّلام» وعلاقات الصّداقة العلنيّة مع «إسرائيل»، كانت هذه الأخيرة واحدة من الذرائع الرئيسيّة التي استخدمها النظام الرّسمي العربيّ في سياق تبرير احتكاره للسّلطة، وقمع المعارضة، والفساد، وتعطيل التّنمية. الحُجّة كانت أن لا صوت يعلو فوق صوت معركة تحرير فلسطين التي لم تحصل أبدًا؛ وأن أيّة معارضة داخليّة هي خيانة لوحدة الدّولة الضّروريّة للمواجهة، وحرف للبوصلة عن قضيّة العرب المركزيّة؛ وأنّ أيّ مساءلة للنّظام هي إشغال له عن مهمّاته المصيريّة؛ وأن كلّ الموارد المتاحة يجب أن تتوجّه لمواجهة «العدوّ الصهيونيّ».

في تلك المرحلة، مرحلة «الحرب»، كانت «إسرائيل» هي الغولة المُخيفة، الفزّاعة؛ هي الموضوع: واجهة الصّورة؛ و«فلسطين» كانت الأمل، الحلم، الهدف البعيد المنال، المشاعر التي تُدَغْدَغ: خلفيّة الصّورة.

نحن اليوم في مرحلة «السّلام»، والصّورة بقيت هي هي، لكن معكوسة: «فلسطين» المُختزلة في اتفاقيّات أوسلو والسّلطة الفلسطينيّة، وبكونها إمكانيّة كامنة (potential)، أو عمليّة (process) مُعطّلة، هي الواجهة الحاضرة، هي الموضوع؛ أما «إسرائيل» فصارت شكلًا مُشوَّشًا غير محدّد في الخلفيّة، خصمٌ –نعم- لكن ليس عدوًّا بالضّبط، نُدين انتهاكاته المستمرّة للقدس واستمراره في بناء المستوطنات (كما يفعل دوريًّا الناطق الرّسمي باسم الحكومة الأردنيّة)، ولكن نوقّع معه اتفاقيّة بقيمة 10 مليار دولار لاستيراد غاز لا حاجة لنا به، ندعم بها جيشه وإرهابه ومستوطناته، ونرهن له بها مستقبل طاقة البلد (كما تفعل نفس الحكومة الأردنيّة التي يتحدّث باسمها النّاطق الرّسمي إيّاه).

أهميّة «إسرائيل» باقية كإمكانيّة مُعادية، يهتم النّظام الرّسميّ العربيّ أمام شعوبه بدرء شرّها ظاهريًّا، وإبقائه «برّه وبعيد»؛ فيما تحوّل الجهد الدعائيّ الرسميّ الرئيسيّ، و«المسؤوليّة التاريخيّة» الملقاة على عاتقه، نحو دعم إنشاء «الدّولة الفلسطينيّة». حل الدّولتين هو اكتمال التحوّل من «معركة الحرب» إلى «معركة السّلام» لاشتقاق وظيفيّة داخليّة ما للأنظمة، فيما يظل الجامع بينهما أنّهما «معركة»، لا ينبغي أن يعلو فوق صوتها صوت.

فلنتذكّر أن واحدة من عديد التحفّظات المُجحفة التي وُجّهت إلى الانتفاضات العربيّة الأخيرة، أنّها عتّمت على القضيّة الفلسطينيّة، في حين صرنا نسمع -مرارًا وتكرارًا- من مؤيّدي الأنظمة أن سقوط هذه الأخيرة هو خدمة كبرى لـ«إسرائيل»، بعد أن كان وجودها التسلّطي المتواطئ هو الخدمة إيّاها، وهذا أحدث توظيف رسميّ -أو شبه رسميّ- لفلسطين في سياق شرعنة الأنظمة الاستبداديّة العربيّة الفاسدة، ودولها.

الشرعيّة الانتدابيّة: سقوط التقسيمات الاستعماريّة يعني سقوط الدول الوطنيّة وأنظمتها

بعد «الانفتاح الديمقراطي» في الأردن عام 1989، والتوجّه نحو رفع الحظر عن الأحزاب، شدّدت السّلطة السياسيّة على أردنة الأحزاب المافوق قطرية (الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة) أو العابرة للأقطار (الفلسطينيّة)، وأن تلتزم بالعمل فقط وحصريًّا في السّاحة الأردنيّة، وأن تقطع ارتباطاتها التنظيميّة والبرامجيّة مع «الخارج»، وأن يتضمّن اسمها حُكمًا كلمة «الأردنيّ» تأكيدًا لهذا التوجّه.

لم تكن هذه مناورة شكليّة، بل أمرٌ يصبُّ مباشرةً في واحدة من ضرورات استمراريّة الدّول الوظيفيّة: أن تثبّت حدودها «الوطنيّة» باعتبارها حدودًا نهائيّة، ووجودها باعتباره وجودًا تاريخيًّا قديمًا، ثم تجترح هويّة وطنيّة (تخترعها، أو «تتخيّلها» بحسب بِنيدِكت آندرسون) تعبّر عن الاثنين بمبادرات علاقات عامة من نوع «الأردن أولًا»، و«كلّنا الأردن»، وفذلكات نظريّة من طراز «المتّحد البدوي – الفلّاحي»، والأغاني الرّديئة، والرّموز التي صرنا نعرفها كلّها اليوم عن ظهر قلب.

نفس الشيء يتعلّق بالهويّة أو الكيانيّة الفلسطينيّة. فما يُسمّيه كثيرون: «فلسطين التاريخيّة» (الخريطة الطوليّة المعروفة التي تشير إلى فلسطين قبل عام 1948)، هي ليست في الحقيقة سوى فلسطين الانتدابيّة: المساحة الجغرافيّة التي رسم حدودها الاستعمارين البريطاني والفرنسي وسمّوها فلسطين، واخترع لها الصّهاينة تاريخًا مُستقلًّا عن محيطها مرتبطًا بهم لغرض إيجاذ ذرائع لاستعمارها.

الأمر متداخل ومترابط بشكل عضويّ واضح: دون حدود انتدابيّة، لا وجود لفلسطين التاريخيّة (=الانتدابيّة)، ودون فلسطين الانتدابيّة، لن تنشأ «إسرائيل» داخل تلك الحدود المقتطعة من سوريّة الطبيعيّة لغرض نشوئها (بحسب وعد بلفور الشّهير). ينطبق هذا على الأردن، ولبنان وسوريّة القُطر، وأغلب التّشكيلات الجغرافيّة السياسيّة المابعد كولونياليّة: كلّها تشتقّ وجودها من الحدود الانتدابيّة، وتُقابل أيّ محاولة لتغيير هذه الحدود بالخوف الشّديد، والعنف والتآمر، والتعاضد البينيّ، والتأكيد على قدسيّة الحدود الانتدابيّة مرّة بعد أخرى. سقوط هذه الحدود يعني بالضرورة سقوط المرجعيّة الانتدابيّة، وسقوط الأنظمة التي تحكمها.

حلّ الدّولتين كضرورة لوجود السّلطة الفلسطينيّة

ضمن هذا المفهوم الانتدابيّ لنشوء «الدّولة»، تظهر فلسطين بعدّة نسخ مُتتالية: فلسطين الأولى (1918-1947) انتدابيّة كما أوضحت (تقول المادة 2 من الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ لعام 1968: فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليميّة لا تتجزّأ)، والثّانية (1947- 1967) هي فلسطين قرار التّقسيم، والثّالثة (1967 – 1993) هي فلسطين قرار مجلس الأمن رقم 242 (الضفة الغربيّة وغزّة، استنادًا إلى حدود الرّابع من حزيران 1967)، والرّابعة هي فلسطين اتفاقيّة أوسلو (1993- الآن).

كل هذه الفلسطينات، من الأولى إلى الرّابعة، حدّدتها توازنات القوى الدوليّة وموازين القوى على الأرض في حينه، أي أنّها كُلّها فلسطينات انتدابيّة، قد يختلف المُنتدِب والمنتدَب فيها أحيانًا، لكن الأمر الوحيد الثّابت هو المرجعيّة الانتدابيّة: مرّة الاستعمار وتقسيماته، وبعدها نفوذ ورغبات وتوازنات القوى الدوليّة. دون هذه المرجعيّات، التي تعتمدها السّلطة الفلسطينيّة ومنظمة التّحرير، ماذا ستحكم السّلطة الفلسطينيّة -ولو بشكل مُتخيّل-؟ من سيموّلها؟ من سيستقبل «رئيسها» وأركان حكمها؟ كيف ستؤسّس لامتيازاتها؟ والأهمّ: كيف ستشتقّ وظيفيّتها؟

الرّغبة بنيل الاعتراف من صاحب الأمر والنّهي والمال، يتطلّب عادة الرضوخ له، هكذا بتنا نشاهد الانهيار من مشروع التّحرير (اسمها «منظمة التّحرير الفلسطينيّة») إلى مشروع أوسلو عبر طريق طويل تضمّن «البرنامج المرحليّ»، ومن ثم تبنّي حلّ الدّولتين والاعتراف بـ«إسرائيل»، وصولًا إلى حالنا اليوم. ذات الطريق تسير فيه حماس اليوم بعد أن شاركت في انتخابات السّلطة (المبنيّة على اتفاقات أوسلو)، فيما عدّلت برنامجها السياسي قبل أسابيع بما يفيد القبول بدولة فلسطينية على حدود 1967 (النسخة الثالثة من فلسطين أعلاه)، وكأنها بذلك تقرّ بأن ثمن القبول الدوليّ، هو القبول بما تتحدّث فيه القوى الدوليّة.

وظيفيّة «الدولة الفلسطينيّة»: التنسيق الأمني مع «إسرائيل»

يشكّل التنسيق الأمنيّ ركيزة أساسيّة لاتفاقات «السلام» التي وقّعتها منظمة التحرير والنّظامان المصريّ والأردنيّ مع «إسرائيل»،  يشهد على ذلك ضرورة التنسيق مع الصهاينة قبل أيّ دخول لقوّات مصريّة إلى سيناء (الخالية من الجيش المصري بحسب اتّفاق كامب ديفيد)؛ أو المادّة الرابعة من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية المختصّة بالأمن، والتي تنصّ -ضمن واحدة من فقراتها- على اتخاذ «الاجراءات الضروريّة والفعّالة والتعاون في مكافحة الإرهاب بكل أشكاله»، بل وسبق للحكومة الأردنيّة أن سلّمت المواطن الأردنيّ سامر البرق لـ«إسرائيل» ضمن هذا الشّكل من أشكال التّعاون.

حركة التّحرير مرنة، متحرّكة، راديكاليّة، تمارس العنف على المستعمِر أو المتسلّط وأعوانهما؛ أما السّلطة فجامدة، ثابتة، انتهازيّة، تمارس العنف على من يخضعون لها

بالنسبة للسّلطة الفلسطينيّة، يأخذ الأمر عمقًا أكبر بكثير، فالتحوّل من منظّمة تحرير إلى سلطة كان تحوّلًا بنيويًّا شاملًا تضمّن الرؤى، والأهداف، والنّهج، والأيديولوجيا، والاستراتيجيات: حركة التّحرير مرنة، متحرّكة، راديكاليّة، تمارس العنف على المستعمِر أو المتسلّط وأعوانهما؛ أما السّلطة فجامدة، ثابتة، انتهازيّة، تمارس العنف على من يخضعون لها؛ وعندما تكون السّلطة تحت الرّحمة الكاملة للمستعمِر أو المتسلّط، تنشأ في ظلّهما وبالاتّفاق معهما، وتسلّمهما كامل مفاتيحها المصيريّة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة بل حتى والجسديّة، تكون تلك السّلطة، وكيلة (proxy) أو عميلة (agent)، تشتقّ وظيفيّتها من هذه الوكالة أو العمالة بالذّات، وينتهي وجودها بالكامل إن انتهت.

ورغم تنصّل «إسرائيل» من أغلب التزامتها المنصوص عليها في اتّفاق أوسلو، استمرّت السّلطة الفلسطينيّة (حتى في ظلّ تجميد جميع المسارات الأخرى) بالتنسيق الأمنيّ، أي تنفيذ ما يطلبه الإسرائيليون من ضغط على «المزعجين» و«غير الملتزمين» واعتقالهم، وضبط أيّة عمليّات تهدّد «إسرائيل»، بالإضافة إلى تمرير المعلومات الاستخباريّة، مما قد يعني اعتقال أو اغتيال نشطاء أو مقاومين، كان آخرهم باسل الأعرج.

دون الكلام عن «الدّولة الفلسطينيّة» التي ستخرج عن مسار تفاوضيّ مع «إسرائيل» وإلى جوارها (حلّ الدولتين)، يصبح تبرير مثل هذه الوكالة / الوجود الوظيفيّ مستحيلًا، مثلما أن إلغاء التنسيق الأمنيّ في سياق لاشرعيّة الكيانات الوظيفيّة، حفاظًا على استمراريّتها، ووأدًا للتّهديدات التي قد تتعرّض لها (مثل الاحتجاجات المتعلّقة بالظلم والفساد والقمع الناتجة عنها)، مستحيلٌ أيضًا.

حلّ الدولتين كضرورة لثبات السّلطة في الأردن، وتعزيز هويّتها الوطنيّة المتخيّلة

ثمّة خصوصيّات تتعلّق بالنّظام الأردنيّ يجعله يتمسّك بحلّ الدّولتين بقوة بعدما فشل عبر تاريخ طويل من المحاولة من ضمّ الضفّة الغربيّة إلى دائرة نفوذه، وأعلن فكّ الارتباط عام 1988، أوّلها أن الدّولة الفلسطينيّة المفترضة هي شكلٌ من أشكال الحاجز أو الضّمان ضد التوسّع الاستيطانيّ الصهيونيّ شرق النهر، حيث ما تزال قوى صهيونيّة عديدة ترى أن أراضي شرق النّهر هي جزء من «أرض إسرائيل»؛ ثانيها أنّها شكل من أشكال الضّمان ضد مشروع التّهجير المفترض لما تبقى من الفلسطينيّين غرب النّهر إلى شرقه، وإقامة «الدّولة الفلسطينيّة» هناك بحسب أدبيّات صهيونيّة كثيرة، الأمر الذي سيهدّد التّوازنات التي تقوم عليها السّلطة السياسيّة في الأردن، ويهدّد مصالحها ومكاسبها؛ أما ثالث الخصوصيّات فتتعلّق بالهويّة: استمرار «حلم دولة فلسطين» يعني استمرار امكانيّة الاشتغال على ثنائيّات الانتماء والأصول والمنابت، واستمرار وظيفة النّظام (الداخليّة هذه المرّة) كحاجز بين الأطراف المتنازعة المتنافسة، ومُجسّر ومُيسّر بين فرقائها.

مسألة «الهويّة» أساسيّة أيضًا عند السّلطة الفلسطينيّة. في مقابلة مع البي بي سي أوائل هذا العام، قال صائب عريقات، «كبير المفاوضين الفلسطينيّين»، أن «الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة هي من صناعة الرّئيس ياسر عرفات، ومن صناعة منظّمة التحرير الفلسطينيّة»، وهو أمر عملت منظمة التّحرير، وبالأخصّ فصيل «فتح»، عليه بجهد كبير، منذ انتزاع صفة «الممثّل الشرعيّ والوحيد للشّعب الفلسطينيّ» من قمّة الرّباط عام 1974، وإنزال فلسطين من الحيّز العربيّ إلى الحيّز الفلسطينيّ، وهو أمرٌ ناسب الأنظمة التي أرادت أن تنفض يديها من المسألة، وناسب منظّمة التحرير التي بدأت تسير في ركاب التّسوية منذ ذات العام، حين أوحى ياسر عرفات بذلك عبر مطالبته بعدم إسقاط الغصن الأخضر من يده في خطابه الشّهير أمام الأمم المتّحدة.

دون كيان فلسطينيّ مُتخيّل (يجد صداه في حلّ الدّولتين)، سيصعب بناء هويّات وطنيّة متعارضة (أردني مقابل فلسطيني والعكس في الحيّز الأردني؛ فلسطيني مقابل العربي في الحيّز العربي؛ فلسطيني مقابل كل الآخرين في الحيّز الدولي) يعتمد عليها الجهد الدعائيّ والتعبويّ اللازمين لشرعنة التمثيل الذي يؤدي بالنّهاية إلى التّنازلات، والتسويات، والتوازنات، واشتقاق شكل وظيفيّ داخليّ منها.

سلطة فلسطينيّة منزوعة الأسنان ووكيلة عن الاحتلال تعني إعاقة تشكّل مشروع تحرّر

مشروع التحرّر يضرّ بجميع الأطراف: «إسرائيل»، والأنظمة العربيّة، والسّلطة الفلسطينيّة. لا أحد يريد عودة كوابيس التّنظيمات المسلّحة، والكلام عن الوحدة والاشتراكيّة والحياة الأفضل، والتضامن المافوق قطري، والتطوّع في الثّورة من جميع أنحاء العالم. هذه الأمور تسمّى اليوم «إرهابًا»، بعرف وقوانين جميع تلك الأطراف، وتضمن لصاحبها اغتيالًا أو سجنًا طويلًا. واحدة من أهم الإجراءات الوقائية لمنع نشوء أو تطوّر مثل هذا المشروع هو إنشاء «سلطة وطنيّة فلسطينيّة»، قوة منزوعة الأسنان (بالنّسبة لقوّة المستعمِر) تدير الاحتلال بالوكالة، وتتحوّل رويدًا رويدًا (بحكم المنح الخارجيّة وتوفّر الأموال المشروطة؛ المأسسة واستحداث بيروقراطيّة إداريّة؛ ونشوء مراكز ومناصب وامتيازات) إلى ميدان للتنافس الداخليّ بين المستعمَرين وتنظيماتهم.

هذا المشروع ليس وقائيًّا فحسب، بل تمتدّ مغرياته ليُصبح علاجيًّا كما في حالة حماس، التي تغيّرت منذ شراكتها في السّلطة الفلسطينيّة لتصبح سُلطة أخرى، تبحث عن شرعيّتها والاعتراف بها من الخارج، وعن امتيازاتها ومكاسبها في الدّاخل، وهو ما أدّى إلى تعديل موقفها الأيديولوجيّ ضمن وثيقتها السياسيّة لعام 2017 ليتضمّن حلّ الدولتين، بطريقة تشبه تعديل الخطاب الذي قامت به منظمة التّحرير عام 1988 لقبول ذات الحلّ في سياق ما سمّي بـ«إعلان الاستقلال»، نفس العام الذي أعلن فيه الملك حسين فكّ الارتباط مع الضفّة الغربيّة.

خاتمة: حلّ الدّولتين ضروريّ لأنّه غير قابل للتحقّق

حلّ الدّولتين هو رؤية مُتخيّلة ساذجة لموضوع ثمّة أسبقيّات تاريخيّة تدلّ على مآلاته. لم يحدث أن قدّم المستعمِر المستوطِن «دولة» للمستعمَرين داخل مساحة الاستعمار الاستيطانيّ؛ هذا الأمر يتناقض مع جوهر الاستعمار الاستيطانيّ الذي يقوم على الاستحواذ على الأرض والموارد والسُّلطة، وإقامة نظام اقتصادي واجتماعي يوائم أغراض المستعمِرين ويُدمج المستعمَرون فيه بالقوّة، وطرد وقتل الشعوب الأصليّة وعزل من يبقى منهم (التطهير العرقيّ). إما أن يسود المُستعمِر بالكامل (مثلًا: أميركا الشمالية، أستراليا)، أو يُطرد (مثلًا: الجزائر).

ثمّة دليلٌ ساطعٌ آخر على أن «حلّ الدّولتين» هو مقاربة دعائيّة لتمرير الوقت: إن كان العالم كلّه تقريبًا (بما في ذلك الولايات المتحدّة، وأوروبّا، وروسيا، والصّين، والأنظمة العربيّة، والسّلطة الفلسطينيّة) مُتّفِق عليه، فلماذا لم يتحقّق لغاية الآن؟ بسبب تعنّت «إسرائيل»؟ من المستبعد أن تستطيع هذه الأخيرة الصمود لحظة واحدةً في مواجهة كل تلك الأطراف الدوليّة إن كانت هذه الأطراف تريد أن تنفذ الحلّ الذي صدّعت رؤوسنا به منذ عام 1947، لكن الوضع استمر بالبقاء على ما هو عليه.

هذا «الحلّ»  يستمر لأنه مرضٍ لكافة الأطراف: مُرضٍ للقوى الدوليّة التي لا يعني لها الفلسطينيّون ومأساتهم شيئًا بالمعنى الاستراتيجيّ أو الاقتصاديّ، بينما تجد في «إسرائيل» استثمارًا استراتيجيًّا مُجديًا وتتفهّم مشروعها الذي يشكّل امتدادًا لتاريخها الاستعماريّ وحاضرها التدخّليّ؛ مُرضٍ لـ«إسرائيل» التي تستمر ببناء المستوطنات وشنّ الحروب واغتيال واعتقال المُزعجين بكلف ماليّة وسياسيّة وأخلاقيّة أقلّ، ويمكّنها من اجتراح عدوٍّ خارجيٍّ وهميّ تحفظ به تماسك مجتمعها الهشّ المُفكّك؛ مُرضٍ للسّلطة الفلسطينيّة التي تضمن بقاءها وامتيازاتها إذ لا تملك أيّة أوراق ضغط سوى وظيفيّتها المُوضّحة سابقًا؛ ومُرضٍ للأنظمة العربيّة التي نفضت يديها من القضيّة الفلسطينيّة منذ زمن طويل، لكنها ما زالت بحاجة لإدارة الموضوع كملفّ علاقات عامّة أمام شعوبها، إضافة إلى أدوار وساطة وضغط وإدارة أزمات تضطلع بها بعض هذه الأنظمة، وبالتالي تعزّز دورها الوظيفيّ أيضًا أمام الرُّعاة، وتستمرّ بالوجود.

  • Mark Smith

    عنوان مضلل. طب يتحفنا الكاتب شو البديل لحل الدولتين؟