رأي

ما السبب وراء الاحتجاجات في إيران

الخميس 11 كانون الثاني 2018

(نشر هذا المقال في جريدة النيويورك تايمز بتاريخ الثاني من كانون الثاني\يناير 2018)

هذه هي الهبة الشعبية الإيرانية الثالثة التي أشهدها في حياتي. انتشر، في تموز 1999، احتجاج الطلبة السلمي من أجل حرية التعبير ليصير هبّة معتبرة. وفي حزيران 2009، خرج الناس إلى الشوارع، للمطالبة بإعادة إحصاء الأصوات المختَلف عليها في الانتخابات الرئاسية، والتي أدت إلى الحركة الخضراء. كانت كلتا هاتين الهبّتين دفعة نحو حقوق مدنية؛ مطالَبَةٌ بالمزيد من المرونة وتحمّل المسؤولية من قبل الحكومة. وقعتْ غالبية أحداثهما في طهران، وجذبتا الطبقة الوسطى والجامعيين. كانت كلتاهما سلميّتان، وبشكل مستمر دون عنف.

يبدو الاضطراب الأخير مختلفًا. ما يزال أفراد الطبقة الوسطى والأكثر تعلّمًا مشاهدين أكثر منهم مشاركين إلى الآن. اللاعنف ليس مبدأ مقدّسًا. في البداية، اشتدّتْ الاحتجاجات في مدن متدينة صغيرة على امتداد البلد، وهي الأماكن التي عكفت الحكومة على اعتبار تأييدها مضمونًا. تلكأتْ، إلى الآن، المدن الكبيرة عن الركب.

غابت معظم الوقت مطالبٌ من قبيل حرية التعبير وحقوق المرأة والأقليات الدينية أو جاءت مضمّنة بشكل مبهم. في أحد الفيديوهات النادرة التي تحدث فيها المحتجون لوسائل الإعلام، ذكر جميعهم البطالة، والتضخم، ونهب الثروة الوطنية: سيدة تطلب من الرئيس حسن روحاني أن يعيش، فقط، على الـ300 دولار التي تتقاضاها شهريًّا؛ أحد المحاربين القدامى في الحرب العراقية – الإيرانية يقول أنه يعتبر نفسه ضمن «المنسيّين»؛ سيدة كبيرة في السن تتحدث عن زوجها، ذي الخمسة وسبعين عامًا، الذي يعمل ساعات طوال لتحصيل قوت يومه. الهتافات هذه المرة مختلفة أيضًا. في احتجاجات 2009 سادتْ شعارات «أين صوتي الانتخابي؟» و«الحرية للسجناء السياسيين». لكنها استُبدلتْ اليوم بـ«لا للتضخم!»، و«سحقًا للفاسدين»، و«اتركوا البلاد وحدها أيها الملالي».

الاحتجاجات بسبب المظالم الاقتصادية ليست جديدة في إيران: كان هناك أحداثُ شغبٍ احتجاجًا على التضخم في مدينتي إسلام شهر ومشهد في التسعينيات، إضراباتٌ متكررةٌ من قِبل نقابة سائقي الباصات في الألفينات، واحتجاجات من قبل معلمي المدارس على رواتبهم غير المدفوعة. بالكاد سُمعت تلك الأصوات. لقد أتت من أسفل المجتمع، وتم التضييق عليها من قبل الحكومة في منتصف الطريق أو غطّى عليها نشطاء الحقوق المدنية ذوي الوصول الأكبر للإعلام العالمي. أما الآن، فقد شق [هؤلاء المحتجون] طريقهم إلى السطح، وظهروا كصيحة رنانة على مستوى الوطن، من أجل العدل والمساواة.

في أحد الفيديوهات النادرة التي تحدث فيها المحتجون: سيدة تطلب من الرئيس حسن روحاني أن يعيش، فقط، على الـ300 دولار التي تتقاضاها

منذ ثورة الـ1979، تحدّدت السياسة الإيرانية بالانقسام ما بين الإصلاحيين والأصوليين، [والأخيرون] محافظون يقولون إنهم مخلصون لمبادئ الثورة. أثناء الهبّات الشعبية في 1999 و2009، حظي المحتجّون بدعم من الإصلاحيين ذوي النفوذ. تم تجاوز الثنائية هذه المرة. لا يريد المتظاهرون دعمًا من أي أحد مرتبطٍ بالوضع الراهن، وهذا يشمل السيد روحاني، الرئيس الإصلاحي. لا عجب أن شخصيات إصلاحية بارزة، منها إبراهيم نابافي، الصحفي المعارض الذي يعيش في المنفى، استخفّت بالمحتجّين بنعتهم بـ«الحشود آكلة البطاطا».

حذّر الاقتصاديون والمثقفون الإيرانيون لوقت طويل أن شيئًا كهذا قد يحدث. حتى الشخصيات المقرّبة نسبيًّا من الحكومة أطلقت الإنذار. في بدايات عام 2015، أرسل بروفيسور الاقتصاد في جامعة أصفهان، محسن ريناني، رسالة مفتوحة إلى مجلس صيانة الدستور، أعلى هيئة دينية في إيران وإحدى أكثر المؤسسات نفوذًا في البلاد، يعبر فيها عن عميق قلقه بسبب ازدياد التضخم، وعدم كفاءة الحكومة. توقع السيد ريناني أنه إن لم يتم التعامل مع مسائل من مثل البطالة المتزايدة خلال عامين، فإن إيران ستواجه فوضى. نشر بارفيز صداقت، وهو محلل بارز آخر مختص بالاقتصاد السياسي، مقالة قبل بدء الاحتجاجات يناقش فيها كيف أن النظام الاقتصادي الإيراني خلق مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية، وحذّر فيها من أن بعض المؤسسات الحكومية صارت كتلًا اقتصادية أقوى من الدولة. وعرضت دراسة تفصيلية، نُشرت من قبل راديو بي بي سي المتحدث بالفارسية الشهر الماضي، الانخفاض المقلق لدخل الأسرة خلال العقد الفائت. لم تقم ميزانية التقشف الخاصة بالسيد روحاني، التي قدمها للبرلمان في العاشر من كانون الأول، سوى بصبّ المزيد من الزيت على النار المتصاعدة.

على عكس ما كان خلال العقود الأولى من إيران ما بعد الثورة، يزدهي الأغنياء الآن بثروتهم بلا حسبان. حتى منتصف الألفينات، كان «اتفاق الجنتلمان» بين المختلسين هو أن يحافظوا على مظهر متواضع في الداخل، وأن يغسلوا أموالهم في دبي وتورنتو. في الحالة الأشهَر، هربَ محمود رضا خافري، المدير العام السابق لبنك مِلّي، بمئات الملايين من الدولارات وصار قطبًا مهمًّا في عالم العقار في تورنتو. اهتمّ ذلك الجيل بالمظاهر، ولم يتخلّ أبدًا عن قشرة الولاء لمُثُل ثورة 1979. أمّا ذريّتهم من جيل الألفينات، فبالكاد يهتمون. يتصرف أغنياء إيران الشباب كأنهم طبقة أرستقراطية جديدة، غير واعية بمصادر ثروتها. إنهم يقودون سياراتهم البورش والمازيراتي في شوارع طهران بوقاحة أمام أعين الفقراء وينشرون صورًا عن ثروتهم على انستغرام. تنتشر الصور عبر التطبيقات والسوشال ميديا، وتثير سخط الكادحين في مدن أخرى. يرى الإيرانيون صورًا لأبناء عائلات من هم في السلطة وهم يشربون ويتسكعون على الشواطئ حول العالم، بينما بناتهم معتقلات بسبب شالة نازلة عن الرأس، وأبناؤهم مسجونون بسبب شراء الكحول. زرعت ازدواجية المعايير شعورًا بالإذلال الهائل لدى العامّة.

كان أولئك الذين يجلسون اليوم على قمة هرم السلطة في إيران منخرطين في ثورة 1979، وشهدوا بأعينهم كيف أن إعلان الشاه بأنه «سمع صوت الثورة» كان بداية نهايته. عزز الربيع العربي هذه الفكرة: حاول زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر استرضاء المحتجّين، وتمت إزالتهما من السلطة. لم يعترف بشار الأسد أصلًا بوجود معارضة، وها هو لا يزال في منصبه.

تجاوزت إيران العديد من التشنجّات. لقد أتقنتْ الحكومة فن النجاة من الكوارث، ويمكنها النجاة من هذه الجولة أيضًا، إلا أن شيئًا جوهريًّا قد تغيّر: تلاشى الدعم غير المشروط من أهل الريف [للحكومة]، والذي اعتمدت عليه بمواجهة استياء نخب المدن الكبيرة. الآن، يبدو أن الجميع مستاؤون.