لماذا أعلن ترامب القدس عاصمة لـ«إسرائيل»؟

السبت 09 كانون الأول 2017
من مظاهرة خرجت في عمّان رفضًا لقرار ترامب المتعلق بالقدس. تصوير محمد اغباري

على صعيد السياسة الخارجية الأميركية، يعدّ موقف الولايات المتحدة من وضع القدس حساسًا. يصفه الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي اليميني (حين يتعلق الأمر بالعرب) توماس فريدمان بـ«جوهرة تاج السياسة الاميركية»، لذا، مثّل إعلان الرئيس دونالد ترامب نقل سفارة بلاده للقدس واعتبارها عاصمة موحدة لإسرائيل صدمة، ليس فقط للعرب، بل حتى للمتابعين الأمريكيين.

بالنسبة لفريدمان، كان على ترامب أن يأخذ تنازلات كبرى من الإسرائيليين قبل منحهم «هديته» تلك دونما مقابل. كان بوسعه، يجادل فريدمان، أن يطلب من إسرائيل، وقف البناء في المستوطنات «غير الشرعية» أو أن يشرع بتأسيس سفارة في القدس الشرقية للدولة الفلسطينية.

وفق قانون القدس الأمريكي العائد للعام 1995، يجب على الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب، إلى القدس بحلول شهر أيار 1999 واعتبارها عاصمة موحدة لإسرائيل. لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة على امتداد أكثر من عشرين عامًا مضت، بدءًا بكلينتون مرورًا ببوش الابن وأوباما، اعتبرت القانون تعدّيًا في صلاحيات الكونغرس على السلطات التنفيذية لها. ومذاك، عمد سائر الرؤساء إلى توقيع تمديد، كل ستة أشهر، يسمح ببقاء السفارة مكانها. مبرّرهم في ذلك أن القرار قد يؤجج حالة العداء للولايات المتحدة ويهدد أمنها القومي ويدمر السعي لإنجاز حل الدولتين. ترامب لم يكن استثناء من بين هؤلاء الرؤساء.

في حزيران الماضي كان على الرئيس أن يوقع قرارًا مشابهًا بتمديد بقاء السفارة الأميركية في تل أبيب، لستة أشهر إضافية. وقد فعل. حين انتهت الستة أشهر يوم الأربعاء الماضي، لم يمدّد الرئيس، بل غير موقفه تمامًا واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل مقررًا نقل السفارة إليها. لكن ما الذي دفع ترامب للخروج على ما جرى عليه أسلافه؟

تشير التقارير الصحفية الأمريكية لتعرض ترامب لضغوط كبيرة من قبل التيار المسيحيّ الصهيونيّ لدفعه لاتخاذ قراره الأخير. هذا التيار لم يكن راضيًا عن تمديد الرئيس لبقاء السفارة في تل أبيب، قبل ستة أشهر. وكان يدفع طوال تلك المدة نحو وقف عملية التمديد والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة للكيان. أبرز وجوه هذا التيار كان شيندول أنديلسون، ملياردير أندية القمار المعروف والذي أنفق نحو ثلاثين مليون دولار كتبرعات لحملة ترامب الانتخابية. قبل إعلان القرار بيومين، كما نقلت نيويرك تايمز، التقى ترامب بأنديلسون وخرج الأخير ليعلن عزم الرئيس نقل السفارة للقدس.

تذهب بعض التحليلات في الصحافة الأميركية إلى أن قرار ترامب يمثل محاولة منه لإثبات التزامه بوعوده الانتخابية للمسيحية الإنجيلية، والمسيحية الصهيونية عمومًا، والتي تمثّل القاعدة الانتخابية الأهم لترامب ونائبه مايك بينس، المقرب من هذا التيار المليوني. تمثّل المسيحية الإنجيلية ثلث عدد من يحق لهم التصويت من الجمهوريين، وخُمس الناخبين الأميركيين عمومًا. لذا يحرص الرؤساء والمرشحون الجمهوريون على إرضائهم. وفي الانتخابات الأخيرة حصد الرئيس غالبية أصواتهم.

قرار ترامب يمثل محاولة منه لإثبات التزامه بوعوده الانتخابية للمسيحية الإنجيلية، والمسيحية الصهيونية عمومًا

يدرك ترامب أيضًا أن إرضاء هذا التيار يتطلب تبني استراتيجية ترتكز على شيطنة الآخر، سواء أكان مسلمًا، عربيًا، أسود أو مهاجرًا من أميركا اللاتينية، أو حتى ديمقراطيًا بمعزل عن انتمائه الإثني. مخاطبة الانحيازات الدينية والعرقية عند هذا التيار تبدو شرطًا أساسيًا ليأخذ خطاب ترامب مفعوله إلى أقصاه. إلى ذلك، يحسن ترامب التقاط الأحداث ويوظفها لحسابه، كما يفعل لدى كل حادث إرهابي. وإن لم تكن الأحداث موجودة، سيخلقها كما فعل في قراره الأخير بخصوص القدس، يلفت بيتر بيرنات في الأتلانتك الأميركية.

«كلما بدا غير البيض وغير المسيحيين أكثر تهديدًا خارج وداخل البلاد، زاد اعتماد مؤيدي ترامب عليه لإبقاء البرابرة تحت السيطرة وخارج البلاد. لو كان لترامب أن يخترع هذه الأخطار، لفعل. وفي حالة القدس، بوسعه الذهاب أبعد من ذلك: بوسعه اختراعها،» يقول الكاتب.

لكن الضغوط التي تواجه ترامب داخليًا تتجاوز قاعدته الانتخابية إلى ما هو أبعد وأكثر حساسية ربما. فالرئيس وأعضاء في حملته الانتخابية وإدارته يواجهون تحقيقًا رسميًا يسعى لتبيّن حقيقة اتصالاتهم بروسيا وتدخل الأخيرة في الانتخابات الرئاسية لصالحهم. قبل أقل من أسبوع من إعلان القدس الأخير، وصلت الأزمة مستوى غير مسبوق لدى اعتراف مستشار الأمن القومي السابق لترامب، مايكل فلين، باتصالاته مع الروس أثناء الانتخابات. في الأثناء كشف موقع فيسبوك عن أن معظم مصادر الأخبار الزائفة فترة الانتخابات تعود لعشرات آلاف الحسابات الروسية التي يُعتقد بأنها أثّرت على مجريات التصويت. كل ذلك، عزز القناعة بأن قرار ترامب الخلافي الأخير يأتي في سياق محاولات الرئيس تصدير أزمته الداخلية تلك وتشتيت الضغط السياسي والإعلامي الذي يتعرض له بسببها.

أما السياق الإقليمي لقرار ترامب فيتعلق كما يبدو بمجمل سياسته في الشرق الأوسط والتي بدأت ملامحها بالتشكل لدى زيارته للسعودية بما تمخضت عنه من صفقات مليارية. غير أن انعكاسات هذه الزيارة لم تتجل، كما يبدو، إلا قبل نحو أسبوعين، وتحديدًا لدى لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع ولي العهد السعودي في الرياض محمد بن سلمان، والذي نشرت صحيفة نيورك تايمز الأميركية مضمونه نقلا عن مصادر متقاطعة فلسطينية، عربية وأوروبية.

قرار ترامب يأتي في سياق محاولات الرئيس تصدير أزمته الداخلية تلك وتشتيت الضغط السياسي والإعلامي الذي يتعرض له

في هذا اللقاء، وفق الصحيفة، عرض العاهل السعودي على عباس الخطة التي يجري العمل عليها مع الأمريكيين والقاضية بإقامة دولة فلسطينية على مناطق محدودة جدًا في الضفة، مع الإبقاء على المستوطنات، وفي إطار إسقاط ملفين جوهريين: القدس الشرقية وعودة اللاجئين. جاء اللقاء بعد أيام قليلة لزيارة مشابهة للسعودية، لم يعلن عنها رسميًا، أجراها جاريد كوشنر، مبعوث ترامب لعملية السلام.

علاقة كوشنر تلك بملف السلام وإسرائيل عموما تعد حالة ملفتة في السياسة الأميركية قد تصلح لإلقاء مزيد من الضوء على خلفيات قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. فرغم أن معظم مبعوثي السلام في الإدارات الأميركية السابقة كانوا من اليهود، ما وضع علامات استفهام كثيرة حول حياديتهم في التوسط لحل الصراع، إلا أن كوشنر يهودي، وإسرائيلي التوجه، وصهر الرئيس أيضًا. والد كوشنير، أحد أكبر مطوري العقار اليهود في نيويورك، يرتبط بعلاقة متينة وقديمة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. حين كان جاريد مراهقا، زار نتنياهو منزل أسرته، ونام في غرفة الفتى، فيما نزل الأخير لينام في الطابق السفلي. وفِي مرة أخرى، زار نتنياهو كوشنر في مدرسته الثانوية اليهودية وشاركه وزملائه لعب كرة القدم.

تلك الأواصر الإنسانية القديمة بين زوج ابنة الرئيس و«إسرائيل» تطوّرت بالتوازي مع نجاحه في عالم المال والأعمال. موقع بروبوبليكا الاستقصائي العريق كان قد كشف عن تمويل كوشنر للبناء الاستيطاني «غير الشرعي» في الضفة عبر منظمته «سيرل كوشنر فاونديشن» في مخالفة للقانون الدولي. وعقب نشر التقرير تعرّض كوشنر لحملة انتقادات واسعة شككت في قدرته على أن يكون وسيطًا «نزيهًا» في عملية السلام.

بالمجمل، لا يبدو أن ترامب يتعامل مع ملف عملية السلام عمومًا، أو ملف القدس على الأخص، بوصفهما جهدًا دبلوماسيًا، بقدر ما يبدو. وقد قرر منذ اللحظة الأولى اعتبار الأمر فرصة للكسب السياسي ولتعزيز موقفه في مواجهة خصومه من الليبراليين ممن لم يتوقفوا منذ ما قبل انتخابه عن محاولاتهم إحراجه وربما إخراجه من البيت الأبيض.