لماذا يجب أن نرفض مشروع قانون الجرائم الإلكترونية

مجلس النواب أثناء إلقاء الملك خطاب العرش، 14 تشرين الأول 2018. مصدر الصورة: حساب الديوان الملكي على موقع فليكر.

رأي

لماذا يجب أن نرفض مشروع قانون الجرائم الإلكترونية

الأحد 14 تشرين الأول 2018

في غمرة انشغال الرأي العام الأردني بمشروع قانون ضريبة الدخل، أحالت حكومة هاني الملقي إلى مجلس النواب في أيّار الماضي مشروع القانون المعدل لقانون الجرائم الإلكترونية، وأدرجته حكومة الرزّاز على جدول أعمال الدورة الاستثنائية لتبدأ اللجنة القانونية بمناقشته مطلع الأسبوع الماضي.

استندت الحكومة في تبرير هذه التعديلات، حسب ما أوردته في أسبابها الموجبة، إلى «التطور التكنولوجي المتسارع في وسائل الاتصالات وما نجم عنه من اتساع نطاق استخدام الشبكة المعلوماتية سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات برامج الأجهزة الذكية»، وقالت إن هذا القانون جاء لمعاقبة كل من يسيء استخدام تلك الوسائل، تحت ذريعة أن قانون العقوبات الحالي قديم ولم يعالج الجرائم المرتكبة بتلك الوسائل الحديثة.

لكن الاطلاع على تفاصيل قانون الجرائم الإلكترونية الساري المفعول ومشروع القانون المعدل يُظهر أن الدافع وراء القانونين (الحالي أو المعدل) هو استخدام أدوات التشريع من أجل تقييد حرية التعبير والرأي وإخافة الأصوات المعارضة وجعل القانون حاجزًا ما بين المواطنين ورقابتهم الشعبية على المسؤولين في الدولة، عدا عن أن في هذا القانون اعتداءً على حقوق الأردنيين بالخصوصية والمكفول بموجب أحكام الدستور.

باستعراض المشروع المعدل نجد أن التعديلات لا تتوافق ما ورد في الأسباب الموجبة المرفقة بالقانون وكذلك كل التبريرات الحكومية بهذا الخصوص.

تعريف فضفاض لـ«خطاب الكراهية»

أضاف مشروع قانون الجرائم الإلكترونية تعريفاً لخطاب الكراهية (لم يكن موجودًا في القانون ساري المفعول) بأنه «كل قول أو فعل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات الدينية أو العرقية أو الاقليمية أو الدعوة للعنف أو التحريض عليه أو تبريره أو نشر الإشاعات بحق أي شخص من شأنها إلحاق الضرر بجسده أو ماله أو سمعته».

وحتى نفهم الغاية من وراء هذا النص، علينا أن نفصل بين الشق الأول منه والخاص بـ «إثارة النعرات والفتنة والدعوة للعنف» عن الجزء الثاني المتعلق بـ «نشر الإشاعات بحق الأشخاص».

بالنسبة للشق الأول، وخلافًا لتبريرات الحكومة، فإن قانون العقوبات الساري المفعول يعالج تلك الأفعال ويُجرّمها من خلال ما نصت عليه المادة 150:

« كل كتابة وكل خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مئتي دينار.»

هذا بالإضافة لما ورد في المواد 273 و275 و276 و277 و278 وكلّها متعلقة بتجريم الأفعال التي تؤدي الى إهانة الشعور الديني للآخرين.

إذًا فالأفعال الواردة تحت بند «خطاب الكراهية» المستحدث هي أفعال مُعاقب عليها بموجب أحكام قانون العقوبات ويشمل ذلك كل وسائل النشر. وعلى الرغم من إشكالية تلك النصوص إلا أن عباراتها تبقى أكثر تحديدًا، وعلى فرض وجود حاجة للتعديل، فالأجدى أن يتم ذلك على ذات القانون ولا سيما وأن آخر تعديل جرى على قانون العقوبات بما في ذلك المادة 150 منه كان في العام 2017.

أما الشق الثاني الوارد في تعريف خطاب الكراهية والمتعلق بـ«نشر الإشاعات بحق أي شخص من شأنها إلحاق الضرر بجسده أو ماله أو سمعته» فهو الأخطر ويُمثل الهدف الحقيقي من التعديل إذ يؤدي إلى التضييق على حرية التعبير والبحث والنقد والرقابة الشعبية.

في ضوء غياب أي تعريف للإشاعة بموجب أحكام القانون فإن هذه الفقرة ستؤدي إلى تحصين المسؤول العام سواء كان رئيسًا للوزراء أو وزيرًا أو نائبًا أو غيره من رقابة الرأي العام على أعماله، بينما المفترض أن المسؤول – في الدول الديمقراطية على الأقل – يعلم أنه بقبوله المنصب العام فهو معرض للرقابة وعليه أن يقبل من الانتقاد واللوم والمساءلة وحتى الهجوم ما لا يُطلب من الشخص العادي قبوله.

وأما القول بأن هذه المادة جاءت لحماية الاشخاص من الابتزاز أو الشتم أو الذم فهو غير مقنع لأن هذه الأفعال جميعها تُشكل جرائم موصوفة ومُعاقب عليها ليس فقط في قانون العقوبات الساري المفعول بل وأيضًا في المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية الحالي بموجب نص قُصد به رفع الحد الأدنى للعقوبة خلافا للحال في قانون العقوبات.

وبعيدًا عن جزئية «نشر الإشاعات»، هناك التعريف الفضفاض لـ«إثارة الفتنة أو النعرات الدينية»، وهي مشكلة سابقة لقانون الجرائم الإلكترونية وموجودة في قانون العقوبات. لا خلاف على الحق الذي يكفله الدستور بحماية حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد للجميع، ولكن الاستناد إلى نصوص فضفاضة لا تضع حدًا ما بين الرأي والفكرة وحق إعمال العقل في ما قد يعتبره البعض مسلّمات أو ثوابت دينية من جهة – مثل الإرث أو الحجاب أو الزواج والطلاق وغيره – وما بين الشتيمة والإهانة والتحريض من جهة أخرى فيه تضييق ليس فقط على الحق بالتعبير بل والحق في التفكير أيضًا.

انتهاك لخصوصية المراسلات

من التعديلات الإشكالية أيضًا والتي تؤدي إلى تقييد حرية التعبير وخرق الحياة الخاصة للأردنيين التعديل الذي قامت به الحكومة على تعريف نظام المعلومات في مقدمة المشروع وذلك بإضافة «التطبيقات» إليه، ما يعني إدراج جميع تطبيقات الهواتف الذكية مثل الواتساب وخلافه وإخضاعها للرقابة.

تنص المادة 10 من مشروع القانون على ما يلي:

«أ. يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف ولا تزيد على عشرة آلاف دينار كل من قام بنشر أو إعادة نشر ما يعد خطابًا للكراهية عبر الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو نظام المعلومات.

«ب. يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة أ من هذه المادة كل من ارتكب أيًا من الجرائم المنصوص عليها في المواد (273)، و(276)، و(278)، و(393) من قانون العقوبات إذا ارتكبت عبر الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو نظام المعلومات».

على ضوء تعريف خطاب الكراهية بموجب مشروع القانون ولا سيما العبارة الفضفاضة والمتمثلة بنشر الإشاعات، وعلى ضوء إضافة تطبيقات الهواتف الذكية باعتبارها إحدى الوسائل المُجرمة لنشر هذه الخطابات، فإن ذلك يعني من ناحية عملية أن قيام أي شخص بإرسال رسالة خاصة إلى صديق له أو مجموعة خاصة سواء بالواتساب أو الماسنجر أو غيرها يقول فيها مثلًا «والله يا عمي هذه سولافة سكن كريم حاسس فيها فساد مش مرتاح لها وفيها شبهة» يمكن أن يعتبر نشرًا للإشاعة وبالتالي خطاب كراهية يعرّض المرسل إلى إمكانية الحبس ثلاث سنوات.

تغليظ العقوبات والتوسّع في التوقيف

التعديلات الحكومية في مشروع القانون شملت أيضًا تغليظ العقوبات بالحبس على الأفعال المُرتكبة خلافًا لأحكامه على الرغم من أن تلك العقوبات ليست قديمة وإنما صدرت أول مرة بموجب القانون الحالي في العام 2015، فما الغاية من هذا التشديد؟ هل أظهرت الدراسات أن تلك العقوبات لم تكن رادعة؟ كم عدد الحالات التي كرّرت الجريمة بعد العقوبة؟ في العادة هذه هي المعطيات التي تتم دراستها في علم الجريمة والعقاب من أجل التقييم، وهذا بالتأكيد لا يظهر خلال أقل من ثلاث سنوات على تطبيق قانون ما.

كانت الأحكام بموجب القانون السابق في حدها الأقصى لا تزيد عن سنتين باستثناء الأفعال المنصوص عليها في المادتين السادسة والسابعة منه والخاصة بجرائم الاحتيال الإلكترونية. وحيث أن قانون أصول المحاكمات الجزائية يمنع التوقيف في الجنح التي لا تزيد عقوبتها القصوى عن سنتين، فقد رفعت الحكومة بموجب المشروع المعدل العقوباتِ التي كانت لا تزيد عن سنتين لتصبح ثلاث سنوات لإبقاء سيف التوقيف لمدد قد تصل شهرًا مسلطًا على رقاب الناس بدلًا من أن يبقى المتهم بريئًا وغير موقوف حتى تثبت إدانته.

مشروع القانون المعدل لقانون الجرائم الإلكترونية يضاف إلى منظومة من القوانين المخالفة للدستور التي توالى تشريعها وتعديلها منذ 2012 لتقييد الحريات العامّة وخاصّة حريات التعبير على الإنترنت والتي تفجّرت في السنوات الأخيرة في مساحات ديناميكية جديدة يعبّر فيها الأردنيون عن ضيق ذرعهم بالفساد والتفرّد بالسلطة وغياب المساءلة.

فبعد أن فرضت الحكومة في 2012 قيودًا على المواقع الصحفية الإلكترونية بوضعها تحت منظومة قانون المطبوعات والنشر (المقيّد للحريات الصحفية أساسًا)، وتوسّعت عام 2014 في تعريف الإرهاب في تعديلات قانون منع الإرهاب ليشمل أفعالًا تندرج في حرية التعبير مثل «أي قول من شأنه تعكير صفو العلاقات مع دولة أجنبية»، ثم سنّت قانون الجرائم الإلكترونية في عام 2015 لفرض المزيد من القيود على مستخدمي المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، من المتوقع أن يمرر النوّاب التعديلات الجديدة المطروحة على قانون الجرائم الإلكترونية لكونهم مع الأسف ضمن الشخصيات العامّة التي تريد أن تبقى بعيدة عن نقد الرأي العام. فهل يؤدي هذا القانون المعدّل إلى فرض المزيد من الرقابة الذاتية؟