النساء في تونس: الورقة الرابحة بيد الأنظمة السياسية  

الأحد 13 كانون الثاني 2019
مظاهرة في تونس العاصمة خلال إضراب عام لموظفي القطاع العام احتجاجًا على تجميد الأجور، تشرين الثاني 2018. أ ب أ.

نشرت نسخة أولى من هذا المقال في مدونة «نحو وعي نسوي» في 8 كانون الثاني/يناير 2018.

لسنتين متتاليتين، تستر النساء التونسيات «عورات» الباجي القايد السبسي الرئيس التونسي الحالي وزبانيته، وتقيهم من وهج نار الضوضاء التي يزيد اتقادها استنكارًا لانعدام كفاءة الحزب الحاكم وغياب الريادة السياسية للمضي بالبلاد قدمًا. حدث ذلك مرتين، كانت الأولى عند منح المرأة الحق في الزواج بغير المسلم. وتمثلت الثانية في إرساء حق المساواة في الإرث بين الجنسين، ولو أنه جاء محتشمًا مع إعطاء السبسي الحق لأولياء الأمر في الاختيار بين تطبيق القانون من عدمه.  

في كل مناسبة تعلو عندها هتافات الشعب المنتقدة للحكم أو المطالبة بتحسين ظروف العيش، يمسك السبسي، رئيس حركة نداء تونس، ومن سبقه بيد المرأة جاعلًا منها درعًا يمتص حدة الاضطرابات السياسية. فبها يشتت نظر الأغلبية ليلهيها عن الأساسيات بتلك الأمور التي تخص شؤون المرأة، «البيدق» الذي ليس له لا حول ولا قوة.  

ولو أن هذه القوانين قد حلت محل استحسان وكانت ذات أهمية للعديدات منا، إلا أن الهدف الأساسي وراء اقتراحها لم يكن حبًا بالتونسيات أو وعيًا بأهمية تمكينهن والمساواة بينهن وبين الرجل. فقد جاءت جل هذه القوانين للتغطية عن القضايا الأكثر جدلية المرتبطة خاصة بتقاعس الدولة وتورطها، فيما من شأنه الإطاحة بالحكم أحيانًا. هي استراتيجية التضليل والتلاعب التي لطالما انتهجتها الدولة للتغطية عما هو أدهى، مثلها مثل تلك التي حاولت من خلالها تشتيت الرأي العام عن قضية الموارد الطبيعية التي تستبيحها دول الاستعمار السابقة والشركات العابرة للقارات. حيث بالغت بشكل واضح في استعمال فزاعة الإرهاب كلما فتح البعض دفاتر البترول الذي تفرط به الدولة، وتدّعي عدم وجوده من أصله. فإثر واقعة سوسة الإرهابية سنة 2015 مثلًا، خرج علينا السبسي بكل استصغار واستبلاه لينهرنا عن المضي وراء شعارات «وينو البترول»، داعيًا إيّانا للالتفاف حول قضايا أكثر حرقة، مثل الأمن والأمان.

ما إن تجاوز التونسيون رهاب فزاعة الإرهاب، حتى لجأ أصحاب مراكز القوة للطرف الذي لطالما كان المفعول به في معادلات سياسية شتى: المرأة.

دون إدراك هذا التلاعب، لا يمكن فهم كيف تمنح كل هذه الامتيازات لنفس المرأة التونسية التي كادت تفقد حتى حقها البسيط في المساواة مع الرجل أيام حكومة الترويكا الائتلافية (التي ترأسها حزب حركة النهضة بعد الثورة). ففي تلك المرحلة التي جرت خلالها مراجعة الدستور، اقترح أعضاء عن حركة النهضة استبدال عبارة «مساوية للرجل» بـ«مكملة له»، مما أثار المخاوف على ترسانة الحقوق والحريات التي كفلها لنا الدستور طيلة نصف القرن الماضي. فقد يكون المقصود من تكميلية المرأة للرجل ذلك العمل الذي تقوم به في حدود الخاص، أي في البيت لا أكثر. بعد احتجاجات ملأت شوارع العاصمة في صيف 2012، حُسِم الأمر بالإبقاء على الصياغة الأصلية من دستور 1956.

تزامن قانون زواج التونسية من غير المسلم مع طرح أكثر القوانين جدلية بعد الثورة للنقاش، ألا وهو قانون المصالحة مع رموز الفساد في العهد البائد. ففي أيلول/سبتمبر سنة 2017، صادق مجلس النواب على هذا القانون الذي يتعارض مع روح الثورة التونسية، فاتحًا الأذرع لرجال الأعمال المتورطين في جرائم الفساد التي قادت التونسيين إلى ثورة الكرامة في كانون الثاني/يناير 2011، ليبيض صفحتهم ويطبّع معهم. وبعد يوم من المصادقة على هذا القانون، انتهز السبسي الفرصة لإعلان قانون السماح للمرأة بالزواج بغير المسلم، مستعينًا بنا لتشتيت الغضب العام، رغم أن هذا القرار في نظري سليم ولا تشوبه شائبة ما عدا توقيته. وبالطريقة نفسها، أقرت الحكومة مشروع قانون المساواة في الإرث بعد يوم واحد من إضراب عام لموظفي القطاع العمومي احتجاجًا على تجميد الأجور.

من المهم عدم تجاهل الأسباب والمواقيت التي تقرر فيها النخبة الحاكمة تحسين حال المرأة في البلاد. لكن الأهم أيضًا عدم التغاضي عن تاريخ هذه النخبة الحافل بالأبوية المفرطة أو العدائية تجاه المرأة، والسبسي في مقدمة هذه النخبة. إذ من غير المعقول أن تصدر هذه الإرادة السياسية من الشخص نفسه الذي تهكم على النساء في حملته الانتخابية، حين رد على انتقاد عضو حزب النهضة، محرزية العبيدي، التي اتّهمته بالتساهل مع حزب أنصار الشريعة المتشدد، في فترة حكمه الأولى، بالقول على الهواء مباشرة «ما هي إلا مرا»، أي أنه لا يعطي ما قالته العبيدي أي اهتمام، فهي تبقى مجرد امرأة. أما في مناسبة أخرى، وهو في خضم حملته الانتخابية أيضًا، فقد صرخ في وجه صحافية كانت بصدد القيام بعملها، آمرًا إياها بأن «تروح ترهّز»، هو تعبير تونسي بذيء قديم، يعكس كبر سن السبسي الذي ما عاد يحتمل أعباء السياسة، ويعني أن «تذهب لتضاجع أحدهم» عوضًا عن أن تتسبب له بصداع بمقاطعته. لا بل استطرد السبسي يسألها عن حيائها مشككًا فيه، كونها كانت قد قاطعته وهو بصدد استحضار كلام الله، فقد كان يقتبس سورة قرآنية.

ولا يقتصر هذا التبخيس من النساء الأمر على استعمالهن لتغليف الأوجه البشعة للواقع التونسي، بل يتمثل كذلك في الإرادة الدائمة لتقلد دور أبوي تجاههن، يعود بالمديح والشكر على نخبة من الرجال الذين يبطنون غير ما يظهرون للمرأة. فالتاريخ التونسي النسوي عمومًا يرزح تحت الهيمنة الأبوية السياسية.

بدأت هذه الهيمنة بسياسة بورقيبة ونسخته النسوية الاستعلائية التي، وإن ميزت التونسية عن باقي النساء بالعالم العربي، إلا أنها قد أسكتتها ولم تترك لها مجالًا لتستقل بفكر نسوي عضوي، لا بل أجهضت تطور أي حراك ينقد أو يطوّر أو يثمّن ما تتمتع به المرأة التونسية اليوم. لم تر الحركة النسوية التونسية النور في عهد بورقيبة، إذ تم السطو عليها بُعيد نشأتها سنة 1955 إثر خطاب إحدى رائدات الحراك النسوي التونسي، بشيرة بن مراد (1913-1993). كانت بشيرة أول تونسية تمازجت فلسفتها النسوية مع تعاليم الإسلام التي نشأت عليها، ومع تعليمها الزيتوني على أيدي ثلاثة من أبرز علماء الزيتونة، منهم محمد مناشو الذي تتلمذت على يديه في البيت. فقد أسست الاتحاد النسائي الإسلامي سنة 1936، الذي تفرع منه قسم للفتيات أشرفت عليه مجموعة من النسويات، من مثل توحيدة بالشيخ، أول طبيبة في العالمين المغاربي والعربي، وأسماء بلخوجة الرباعي، أولى المساهمات في الحركة الوطنية الدستورية التونسية.

نادت بشيرة بن مراد بنشر المدارس وثقافة تعليم الفتيات. وجاء خطابها منبعثًا من واقعها التونسي البحت، وإن كان محل نقد النسوية المعاصرة، نظرًا لتأثير خلفيتها الإسلامية المحافظة عليه. فهي سليلة الشيخ صالح بن مراد، محرر كتاب «الحداد على امرأة الحداد»، الذي انتقد فيه  إلى حد التكفير الطاهر الحداد صاحب الكتاب الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، الذي ألهم مجلة الأحوال الشخصية التونسية. إلا أن هذا التناقض لا يجرّد بن مراد من شرعيتها كأول رائدة نسوية تونسية. فتكوينها الزيتوني لم يمنعها من المشاركة في الحياة السياسية والمباشرة بتأسيس أول اتحاد نسائي في تونس.

ما إن بانت بوادر بزوغ فكر نسوي تونسي مع خطاب بن مراد، حتى تزعزعت ثقة بورقيبة بنفسه. فقد هدد حضورها ثقته في الاستحواذ على الأنظار والحديث باسم النساء، وهو الذي نصّب نفسه باعث الدولة التونسية الحديثة. لذا، لا يمكننا أن نستغرب إقصاء بن مراد حينها، إذ لم تكن لبورقيبة أي نية في اقتسام شعبيته عند الجماهير المنصهرة والمنسجمة مع خطاباته الأخّاذة حينها. ورغم أن نجاح بن مراد امرأة في مسعاها آنذاك كان غير مؤكد نظرًا لمكانة المرأة الدونية مجتمعيًا بُعيد الاستقلال، فقد صدّ بورقيبة قد كل الأبواب في وجهها حتى يجهض أي مشروع قيادي قد كان في نيتها.

لم تكن بن مراد نسوية فحسب، بل كانت اهتماماتها شاملة وجامعة لمواضيع حارقة في ذلك الوقت. فلم ترَ النسوية بعدسة أحادية منحصرة في قضايا المساواة والتعليم، بل كانت تعي أن المرأة لم تكن تعاني من الهيمنة الأبوية فحسب، بل كذلك من الاستعمار. وكانت تثق في قدرتها على المشاركة في الحركة التحررية ضد الاستعمار، إذ كانت من الحاضنين الأوائل لبورقيبة في بدايات نضاله، قبل أن يتم إقصاؤها والتضييق عليها في عهده وعهد من جاء من بعده، لينتهى حالها قابعة تحت ما يشبه الإقامة الجبرية، في مسكن جماعي لا إنساني، يعرف بـ«الوكالة» في تونس.

الحبيب بورقيبة وزوجته في منزل النسوية بشيرة بن مراد في أواخر الأربعينات. تقف الناشطة النسوية أسماء بلخوجة مباشرة وراء بورقيبة الذي لم يكن قد أصبح رئيسًا بعد، وإلى اليمين منه زوجته الفرنسية ماتيلد لوران التي عرفت باسم مفيدة، وإلى اليسار منه مستضيفته بشيرة بن مراد.

ماتت بن مراد فقيرة ومنسية، ولم يُسمح بالاحتفال بذكراها حتى في الأعمال الفنية، مخافة فتح دفاتر الماضي. ففي مقابلة صحفية مع المخرجة السينمائية سلمى بكار، صرّحت الاخيرة بأنها لطالما أرادت إدراج اسم بشيرة بن مراد في فلمها «فاطمة 75» الذي احتفى بأسماء نسائية تونسية عدة، إلا أنه قد تم التضييق عليها من قبل الرقابة في عهد الدكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي، التي ضغطت على المخرجة حتى لحذف الجزء الذي يلقي الضوء على بن مراد. كان هذا التعتيم المتواصل على سيرة بن مراد يعكس الخوف الكامن من بروز حركة نسوية مستقلة لا ترتضي الهيمنة الأبوية عليها.

ورغم تواجد منظمات محلية أيام العهد البائد، مثل منظمة النساء الديمقراطيات، إلا أن نشاطها كان دائمًا رهن الحدود المرسومة من قبل النخبة الذكورية الحاكمة. فكثيرًا ما كانت النساء الناشطة في المنظمة منصاعة للنظام الدكتاتوري لزين العابدين بن علي، لا بل أيّدن ضمنيًا، بصمتهن، التمييز الممنهج ضد المرأة الريفية والإسلامية على وجه الخصوص. وما انفك بن علي في استعمالهن لتنميق واجهة تونس التي أراد تسويقها للغرب، وللتغطية عن انتهاكات عدة لحقوق الإنسان وانعدام حرية الرأي على أرض الواقع.

تمسكت الأنظمة القليلة المتتالية علينا بخطاب تفوق تونس على العالم العربي في مادة حقوق المرأة، للتشويش عن الكثير من المشاكل التي كانت تشوب البلاد، من فساد وقمع واضطهاد. فقد كانت النخب الذكورية حريصة على استهلاك خطاب تحرري تقدمي يعود عليها بالثناء ويغطي على جرائم اقتُرفت في حق التونسيين والتونسيات، خاصة الإسلاميات منهن، من ترويع وترهيب وتعذيب جسدي ونفسي، وحتى قتل، في سجون بورقيبة وبن علي.

ولو أن الكثيرين في العالم العربي يتطلعون لتونس اليوم كمثال يقتدى به، إلا أن كثير منهم يجهلون حيثيات ودوافع هذا التميز. سبب هذه المغالطة يقع بالأساس على عاتق البروباغاندا المصاحبة لإعلان القوانين المساندة للمرأة. فمع كل مقترح قانون يخصنا نحن التونسيات، يصحب الحدث مشهدية وصخب مسيّس للتضليل والتغطية عن الواقع الذي لا يزال يتطلب الكثير من الجهد والحراك. والمقارنة المتواصلة بين حال المرأة التونسية وتلك العربية والمغاربية تسعى لتشتيت انتباهنا وابتزازنا ضمنيًا لإسكاتنا عن ما يشوب وضعنا الحالي، وجعلنا نحمد الله على تميزنا عن باقي العربيات. كل ذلك من أجل أن نبقى دائمات الانشغال عن المطالبة بالمزيد، قابعات ننتظر من قائد آخر أن يتكرم علينا بمقترح قانون جديد، لينمق به واجهة نظامه أو يغطي به إحدى الزلات.