سلامة: «اللي بدّه البار موجود، واللي بدّه المسجد موجود»

الثلاثاء 10 آذار 2020
تصميم بيان دحدح.

هذه القصة هي جزء من تقرير موسع حول هجرة الأردنيين إلى تركيا بعنوان «موسم الهجرة إلى إسطنبول».

عندما غادر سلامة* عمّان في تشرين الثاني 2017، كان من المقرر أن تكون تركيا مجرّد معبر إلى أوروبا التي خطط أن يصل إليها عن طريق التهريب. كان هذا هو الحل بالنسبة إليه، بعد أن تدهور وضع محل خدمات تنظيف المنازل الذي كان شريكًا فيه، ولم يعد يغطي تكاليف معيشة عائلته المكونة من زوجته وثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين خمس سنوات وسنة ونصف. وهو تدهور تزامن، كما يرى، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية للناس الذين، بحسب تفسيره، باتوا يعيدون ترتيب أولوياتهم في ما ينفقون عليه نقودهم «الناس ما معها تدفع تنظف بيتها. إنت تاكلي أو تنظفي البيت؟». 

حاول سلامة الذي يحمل دبلوم كلية مجتمع في التصميم الداخلي، ولم يعمل قط بشهادته، أن يتأقلم مع تردي الأوضاع عندما انتقل من ضاحية الرشيد، حيث كان يسكن، إلى ماركا حيث إيجارات المنازل أقل، لكن هذا لم يكن كافيًا. كان همه الأكبر مستقبل أطفاله وتعليمهم: «آخر سنة صرت أتطلع بأولادي إنه كيف بدي أدرّسهم (…) في المدرسة الحكومية مستحيل أدرسهم، (..) رحت على المدارس الخاصة، لقيتها مبالغ خيالية». هنا، قرّر سلامة الخروج إلى تركيا، ليجرب حظه في التسلل إلى أوروبا. 

وتهريب المهاجرين من تركيا إلى شواطئ أوروبا هو نشاط بلغ أوجه في السنوات القليلة التي أعقبت الأزمة السورية ابتداء من العام 2011، عندما صارت دول أوروبا تستقبل سنويًا مئات ألوف المهاجرين الذين يقطعون البحر في قوارب مطاطية إلى السواحل اليونانية. ورغم أن العدد انخفض بشدة، بعد توقيع تركيا اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، شددت بموجبه الرقابة على حدودها، مقابل تعهد أوروبا بتقديم مساعدات مالية، وغيرها من الامتيازات. لكن الهجرة غير الشرعية ظلّت نشاطًا قائمًا، خصوصًا مع تذمّر تركيا الدائم من عدم التزام الاتحاد الأوروبي بنصوص الاتفاقية. وهو تذمر انتهى بتعليق العمل بها في تموز الماضي.

خلال الشهور القليلة التي تلت قدومه إلى تركيا، كان على سلامة، في انتظار تدبير خطة للتهريب، أن يعمل ليؤمن تكاليف المعيشة. صديق أردني سبقه إلى تركيا، ويملك محلًا لبيع التحف والنثريات، اقترح عليه أن يزوّده ببضاعة يبيعها في البازارات الشعبية. وهي أسواق تقام، تحت إشراف البلدية، في يوم محدد من كل أسبوع في أحد أحياء إسطنبول، وتباع فيها مختلف أنواع البضائع من ملابس وأدوات منزلية، وخضار وفواكه. حصل سلامة من خلال الإنترنت على خريطة لأماكن هذه البازارات خلال الأسبوع، وتمكن أيضًا من خلال تطبيقات وسائل المواصلات من تحديد وسائل النقل التي تذهب إليها. وساعده، كما يقول، أن في إسطنبول شبكة ضخمة من المواصلات تصل إلى كل زاوية فيها. ووسائل النقل فيها، مهيأة بحيث كان من السهل عليه نقل حقيبته الكبيرة المليئة بالبضاعة بواسطتها. كان يذهب إلى هذه البازارات، ويستأجر من الباعة هناك بسطة تكون فائضة عن حاجة أحدهم، مقابل 40 ليرة تركية (خمسة دنانير تقريبًا). ولأنه آنذاك لم يكن يعرف شيئًا من اللغة التركية، فقد استعان بغوغل ترانسليت، وجهز كل العبارات التي قدّر أنه سيحتاجها أثناء تعامله مع المشترين والباعة الآخرين. 

في تلك الفترة، أقام في سكن للعمال في حي «بيرم باشا» وهي منطقة صناعية، مليئة بمشاغل الخياطة. السكن الذي كان فيه كان أصلًا مشغل خياطة قديم، قسّمه مالكه بواسطة «الجبسن بورد» إلى غرف، في كل منها سريران، كل واحد بطابقين. وكانت الغرف صغيرة لدرجة أن الأسرّة كانت تحتل تقريبًا كل مساحتها. وكان في المشغل حمّام ومطبخ لاستخدام 42 شخصا، يدفع كل منهم 250 ليرة تركية (حوالي 28 دينارًا أردنيًا). 

كانت الظروف، يقول سلامة، بالغة القسوة، فقد وصل إسطنبول شتاء، «كان برد، ما في تدفئة، ما في غاز، ولا شبابيك تسكر مثل الناس (…) نمت أيام مشتهي سيجارة وفنجان قهوة، أو أتغطى اتدفّى وأنام».

لكن وضعه تحسن عندما تعرف على أردني آخر يعمل في مجال الحدادة والدهان، صار يأخذه إلى هذه الورش ليعمل في «الجبسن بورد». وساعده هذا على الانتقال من مشغل الخياطة، ومشاركة أردنيين آخرين شقة في منطقة «شيرين إيفلر»، كان نصيبه من أجرتها 450 ليرة تركية (حوالي 51 دينارًا أردنيًا).

في الأثناء، تمكن من تعلّم اللغة التركية التي يقول إنه التقطها من الشارع. وكان تجواله في أرجاء إسطنبول قد أفاده في التعرّف على المدينة وعلى معالمها الرئيسة وشبكة المواصلات فيها. وعرف أيضًا أماكن التسوق والمطاعم والمقاهي الرخيصة، التي يقول إن الشركات السياحية، لا تأخذ عملاءها إليها في العادة، وهذا ساعده في أن يبدأ، إضافة إلى عمله في الجبسن بورد، نشاطًا جانبيًا في مجال تقديم الخدمات للسياح والقادمين الجدد.

هذا النوع من النشاط منتشر جدًا بين الأردنيين في إسطنبول، وهو يشمل خدمات تأمين حجوزات الفنادق واستئجار الشقق وشرائها، واستئجار السيارات، وتأمين القبولات الجامعية، واستصدار وتجديد الإقامات، ومتابعة إجراءات تأسيس المشاريع التجارية، وتأمين خدمات الترجمة في الدوائر الحكومية والمستشفيات، وغيرها. وهي خدمات، العامل الأساسي في ازدهار قطاعها هو جهل القادمين الجدد باللغة التركية، وبقوانين البلد، في وقت يندر، كما هو معروف، من يتحدث الحد الأدنى من الإنجليزية في تركيا. من هنا يستفيد العاملون في هذا القطاع من معرفتهم باللغة التركية، فيقدمون الخدمة بأنفسهم، وفي أحيان كثيرة، يكونون مجرد وسطاء، يتلقون عمولة مقابل إيصال العملاء بمقدمي الخدمة.

بدأ معارف سلامة في الأردن وتركيا، يصلونه بزوّار من الأردن ليرافقهم بجولات في المدينة مقابل أجر. وكان أيضًا يدبّر للزوار شققًا للإيجار مقابل عمولة. ثم حدث التحسن الأساسي في حياته، عندما أرسل إليه صديق في الأردن شيكًا بـ(1250) دينار، مكّنه من استئجار شقة وتجهيزها من محلات الأثاث المستعمل لتصبح سكن شباب، يقول إنه يؤجرها حاليًا لمجموعة من الشباب الأردنيين. 

خلال هذه الرحلة، كان سلامة قد بدأ يعيد حساباته بشأن الخروج إلى أوروبا التي كان متحمّسًا لها لأن البديل عنها كان الأردن، لكن المفاضلة صارت بعدها بين أوروبا وتركيا، التي يقول إنه اكتشف أنها تؤمّن مجانًا التعليم إلى نهاية التعليم الثانوي لكل الأطفال المقيمين على أرضها بمن فيهم أبناء الأجانب. وتؤمّن الدراسة الجامعية برسوم رمزية مقارنة بالأردن. وهذا جعله يبدأ برؤيتها مكانًا قابلًا لبناء مستقبل لأطفاله، من دون أن يحمل همّ هواجس اختلاف الثقافة. «فكرت إنه بأوروبا ما رح أقدر أربّي أولادي على الدين والإسلام. وبعد الـ(18) رح أنحرم منهم». يقول إنه يعرف أن تركيا بلد بقانون علماني، لكن هناك على الأرض، بحسبه، كل الخيارات: «اللي بدّه البار موجود، واللي بدّه المسجد موجود».

في أيار الماضي، حسم سلامة أمره واستقدم أسرته. وسجل ابنه في المدرسة الحكومية، التي قبلت تسجيله كـ«ضيف» لأن أوراق إقامته ووالدته لم تكن قد صدرت بعد. وهو الآن يؤسس لسكنيّ شباب آخرين، إضافة إلى مواصلة العمل في الخدمات السياحية، التي يعتمد في تسييرها على مواقع التواصل الاجتماعي.


* تم تغيير الاسم حفاظًا على خصوصية صاحبه.