محمّد: «الواحد وين بدّه يهرب؟»

الثلاثاء 10 آذار 2020
تصميم بيان دحدح.

هذه القصة هي جزء من تقرير موسع حول هجرة الأردنيين إلى تركيا بعنوان «موسم الهجرة إلى إسطنبول».

جاء محمد* إلى تركيا في تمّوز 2018، بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه ستة أشهر على خلفية مطالبة مالية. دفع بمساعدة من أشقائه جزءًا من الدين، واستغل فترة الاستئناف في القضية وجاء إلى تركيا، حتى لا يعود إلى السجن مرة أخرى.

محمد المتقاعد من الجيش عام 2014، كان يعمل في الأردن في الحدادة والألمنيوم، وطوّر عمله حتى أصبح عنده محلّان للحدادة والألمنيوم ومواد البناء. ثم وسّع نشاطه وبدأ يأخذ عطاءات، وهنا تعثّر. يقول إن الديون تراكمت عليه حتى وصلت لمبلغ 90 ألف دينار. رُفعت عليه عدة قضايا، وأمضى في السجن ستة أشهر. واضطر لتصفية محلّيه، وبمساعدة من أخوته، استطاع سداد جزء كبير من المبلغ وإغلاق عدد من القضايا. واستأنف في قضايا أخرى. «قعدت 3 شهور متحطم بالبيت، حتى تلفون ما برد عليه»، لقد كانت فترة أدرك خلالها أنه لا فائدة من البقاء. فقطاع مقاولات البناء تعثّر بشدة خلال السنوات الثلاثة الماضية. وهو نفسه كان له مبالغ مالية على آخرين في القطاع نفسه. «رفعنا قضية. بتيجي على المحامي بده يقاسمك، وكمان أقل إشي بدها القضية تقعد في المحكمة 3 أو 4 سنيـن، فالواحد وين بدّه يهرب. زي ما بقولوا: الفليلة ثلثين المراجل». 

خلال الشهور الست الأولى، تدبّر محمد أمره بالحوالات المالية التي كان أقارب له يرسلونها من الأردن. في وقت الذي كانت عائلته تتدبر أمرها براتبه التقاعدي. لكن كان عليه في النهاية أن يجد عملًا. ومن دون رأسمال يبدأ به استثماره الخاص، ولا لغة ومعرفة بالبلد تؤهله للعمل في تسويق الخدمات السياحية، لم يكن أمامه سوى العمل في مهنته حدادًا. لكن العثور على عمل بشكل نظامي لم يكن سهلًا، ففي تركيا، يُلزِم قانون العمل (مع استثناءات قليلة) أصحابَ الأعمال بتوظيف خمسة عمّال أتراك مقابل كل عامل أجنبي. ومن هنا وجد أن الفرص الوحيدة المتاحة هي العمل بشكل غير نظامي، ففي تركيا، حيث يبلغ حجم قطاع العمل غير الرسمي ما نسبته 34% من حجم الاقتصاد الكلي، فإن هناك الكثير من أصحاب الأعمال ممن يخرقون هذا القانون، ويوظفون عمالًا من دون استصدار تصاريح عمل لهم. وكما يحدث مع أي عمالة غير قانونية، لا يلتزم أصحاب الأعمال بالحد الأدنى من الأجور، ولا بساعات العمل المقررة، ولا بإشراك العمال في التأمين الصحي والاجتماعي. وهذه هي الظروف التي اضطر محمد للعمل فيها، في بداية مجيئه إلى تركيا، إذ كان يعمل بشكل متفرق في أعمال كان يعثر عليها عن طريق صفحات متخصصة بإعلانات الوظائف للعرب على فيسبوك. ثم في الشهور الأخيرة استقر مع شركة بناء لشخص تركي، يعمل فيها في الحدادة وصيانة المرافق الصحية والكهرباء والدهان. وهو مع غيره يعملون من غير تصاريح عمل. «إقامتي سياحية، بس الشركة تشغل أي واحد. التركي [صاحب العمل] عمره ما سألك معك إقامة، أو إذن عمل أو جواز سفر. هو بهمه مصلحته تمشي، ويهمه يدفع أقل».

عندما التقيناه في آب\أغسطس الماضي، كان محمد يداوم 12 ساعة يوميًا تقريبًا، وتصل في بعض الأيّام، عندما يكون هناك مواعيد تسليم إلى 18 ساعة. ويتلقى حوالي ثلاثة آلاف ليرة تركية راتبًا. علمًا بأن الحد الأدنى للأجور في تركيا هو 2020 ليرة[1] (249 دينارًا) مقابل ثمان ساعات عمل يوميًا. ظروف عمل، يؤكد محمّد أنه لا يمكن للتركي القبول بها. ويبتسم وهو يلفت إلى مفارقة هي أن الكثير من الأردنيين في تركيا هم الآن مثل العمال السوريين والمصريين في الأردن، يعملون ساعات أكثر، ويتلقون أجورًا أقل، ومن دون أي تأمينات. ويتذكر عندما كان في الأردن، وكانت بعض ورش الحدادة التي تُعرض عليه تذهب إلى العمّال السوريين لأنهم يقبلون بنصف الثمن الذي يطلبه هو. «كأردني ما يزبط معي المتر بأربع دنانير، هو كسوري يزبط معه. وإحنا الآن نفس إخوانا السوريين اللي عنا. أنا يزبط معي هون، ما يزبط مع التركي».

لكن محمد لم يكن، في تلك الفترة، يعتمد على دخله فقط من عمله في الحدادة والصيانة، لأنه وبعد أكثر من سنة في إسطنبول، ومثل أردنيين كثيرين، صار لديه مستوىً من اللغة والمعرفة بجغرافية المدينة ما ساعده على الانخراط، إضافة إلى عمله الأصلي، في قطاع خدمات السياحة، وتسويق العقارات. «الآن الواحد تعلّم شوية لغة، تعلم كيف الناس بتشتغل. عرفنا الناس وين بتفضل تروح وتيجي. عرفنا المناطق السياحية. يعني في ناس بتيجي ما بتعرف ولا إشي، فبنوخذه بنوديه على مكتب السياحة، وبنوخذ عمولة من المكتب». وبالنسبة لتسويق العقارات، يقول محمد إنه يصوّر الشقق التي يريد أصحابها عرضها للإيجار، ثم ينشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ليحصل على عمولة في حال تأجيرها عن طريقه. ومن بين النشاطات التي يمارسها كذلك هو أنه يعمل حلقة وصل بين أشخاص يعلنون على صفحات مجموعات الأردنيين في تركيا عن حاجتهم إلى توصيل أغراض معينة، خصوصًا الأدوية، من إسطنبول إلى الأردن والعكس. هنا يستخدم محمد علاقاته في إسطنبول والأردن، فيصل الطرفين ببعضهما، ويأخذ أيضًا عمولته. 

التقينا محمّد قبل أسبوع من انطلاق الجولة الثانية من الحملة الأمنية ضد العمال غير النظاميين التي أطلقتها بلدية إسطنبول في تموز\يوليو الماضي، مباشرة بعد استلام رئيس بلديتها الجديد أكرم إمام أوغلو مهامّه. وهي حملة قالت البلدية إنّها للحد من الفوضى في سوق العمل في إسطنبول، حيث الآلاف من المنشآت التجارية غير المرخصة، ومئات الآلاف من العمال غير النظاميين. إنها حملة، يبتسم محمد وهو يشير إلى المفارقة التي خلقتها بالنسبة للعمال الأردنيين في تركيا. «كنا نشوف إخوانا المصريين في الأردن كيف يطاردوهم، وكيف بدهم منهم إذن عمل، الآن صارت هاي الأمور تنطبق علينا هون». يقول محمد إن التشديدات الأخيرة أثّرت كثيرًا على وضعه وغيره من العمال الذين لا يحملون تصاريح عمل. «الآن وأنا أشتغل حذر. أنا كنت أشتغل بنص الشارع ما بهكل هم. الآن لازم أشتغل في بيت إله سور أو داخل البيت. أو منطقة بعيد عن إسطنبول».

في الوقت الحالي، يتفرّغ محمد لعمله في مجال السياحة، وتسويق العقارات، تاركًا مهنته الأصلية في الحدادة والدهان. ويقول إنه يفضّل «الصنعة»، لكن عائدها المالي أقل بكثير، كما إنها أكثر مشقّة و«الصحة ما عادت تتحمل».


*تم الاكتفاء بالاسم الأول حفاظًا على خصوصية صاحبه.

1) كان هذا هو الحد الأدنى الأدنى للأجور زمن اللقاء، قبل أن يرتفع إلى 2324 ليرة تركية (حوالي 264 دينارًا أردنيًا) مطلع العام الحالي.