جلال وميسون: تقاعد أكثر حياة وأقلّ كلفة

الثلاثاء 10 آذار 2020

هذه القصة هي جزء من تقرير موسع حول هجرة الأردنيين إلى تركيا بعنوان «موسم الهجرة إلى إسطنبول».

بمجرد أن تقاعدت ميسون* من مؤسسة تنمية أموال الأيتام، بداية العام الماضي، غادرت إلى إسطنبول مع زوجها جلال*، الذي كان سبقها إلى التقاعد من المؤسسة ذاتها العام 2012، منفذيْن خطة راودتهما لفترة طويلة؛ التقاعد في المدينة التي زاراها سُيّاحًا عدة مرات من قبل، ورأيا أنها ستوفر لهما نوعية حياة أكثر غنىً وحيوية و«راحة نفسية»، بكلفة أقل بكثير من تلك التي توفرها لهما الأردن. وكان هذا قرارًا سهّله كثيرًا، كما تقول ميسون، هو أنهما لم يرزقا بأبناء. «ما عندنا التزامات مدارس وجامعات، فإحنا حرّين، ما عندنا إشي يقيدنا».

تقاعدت ميسون مبكرًا، بعد أن قررت أنها لن تنتظر الخمس سنوات الإضافية كي تحصل على تقاعد الشيخوخة، خصوصًا أن راتبها التقاعدي لن يزيد سوى 100 دينار، في حال انتظرت. «خمس سنين بـ(100) دينار؟ لا، أنا أولى فيهم الخمس سنين. قلت خلّيني أتقاعد وأنا بقدر أشوف الحياة، وأنا لساتني بقدر أتحرك وأروح وآجي».

يقول جلال إن حياته في الأردن خلال السبع سنوات التي تلت تقاعده، كانت أبعد ما تكون عن «الحركة»، حيث كان الإثنان يبقيان طوال اليوم في البيت، ولا يخرجان إلا إلى منازل الأقارب، أو لشراء احتياجات المنزل. أمّا خيارات الترفيه القليلة المتاحة، فهي كما تقول ميسون «محدودة ومكلفة جدًا، وبتقطعيلها مسافات»، وليس هذا الوضع في إسطنبول، حيث يتوزع في المدينة عدد كبير من خيارات الترفيه، من الساحات العامة والمتاحف والمتنزهات والشواطئ النظيفة والمخدومة. وكلّ هذا مجاني أو بكلفة زهيدة. وحتى ما هو بعيد، يقول جلال إن شبكة المواصلات المتطورة في المدينة، وإن اتّسمت في أوقات كثيرة بالازدحام الشديد، فإنها تصل إليه بسهولة، وأيضًا بتعرفة قليلة نسبيًا.

 كان الإثنان قد زارا تركيا قبلها خمس مرات للسياحة، وكانت فكرة الاستقرار قد بدأت تراودهما منذ العام 2017، عندما انفصلا، في واحدة من الرحلات السياحية، عن المجموعة السياحية التي جاؤوا برفقتها، وبدآ باستكشاف المدينة، خارج دائرة الوجهات السياحية المعتادة. وقتها زارا الأحياء العادية والمحلات والمطاعم الشعبية. يقول جلال إنهما في هذه الزيارة التي أرادا من خلالها استكشاف الحياة اليومية للمدينة، اكتشفا مقدار الغنى الذي تتمتع به، وكيف أن لكل منطقة فيها هويتها الخاصة، بحيث أنهما، وبعد ما يقارب السنة من الإقامة فيها، ما زالا يجدان في كل يوم جديدًا يفعلانه أو مكانًا جديدًا يستكشفانه. تقول ميسون: «بلد كبيرة وحلوة وغنية حضاريًا وثقافيًا ودينيًا. هون كل يوم الواحد بكتشف خبرة جديدة. تروحي لمنطقة ثانية بتلاقيها منطقة مختلفة تمامًا، محلات ومواصلات وأسلوب حياة مختلفة، كل منطقة إلها شخصيتها المستقلة». 

بعد عودتهما من تلك الزيارة، بدأ الاثنان يتعلمان التركية استعدادًا للرحيل. والآن يستأجران شقة في مجمّع سكني حديث في ضاحية بيليك دوزو، مكوّنة من غرفة نوم وصالة، أُجرتها مع الخدمات 1400 ليرة تركية (172 دينار أردني)، جهزاها بالكامل من محلات أثاث مستعمل بما يعادل 800 دينار أردني. 

يلفت الاثنان إلى تفاصيل صغيرة، يقولان إنها اعتيادية جدًا في حياة سكان المدينة، لكنهما بوصفهما قادميْن من خارجها فهي تفاصيل مبهرة. مثلًا الآلات المنصوبة خارج محطات باصات «المتروبوس»، والمخصصة لإرجاع ما تبقى من تعرفة الرحلة في حال نزل الراكب في محطة، قبل أن يكمل مسار الخط كلّه. الغاز الذي يأتي في أنابيب، ويصل الشقة عن طريق كرت يشحن برصيد مثل بطاقة الهاتف، قطط وكلاب الشوارع المنتشرة في كل زاوية، والتي تتولى البلدية إعطاءها المطاعيم، ووضع الطعام والماء لها في زوايا الساحات العامة، وهي مهمة، يقول جلال، إن الناس يعاونون البلدية عليها. «مرّة في الشتا شفت كلب تحته بطانية وفوقه شال ستاتي». هذه التفاصيل تقول ميسون «سحرتنا. هاي أشياء خلتني أحكي هذا الفكر بدي أعيش فيه. حتى لو بتغلب في المواصلات وبتشعبط زيهم».

يقول جلال إنهما لا يشعران نهائيًا بالغربة. «الحياة بسيطة وسهلة، قادرين على العيش والتأقلم بسهولة»، وكل هذا يقول إنه مقابل ضرائب زهيدة. «أنا كأجنبي بدفع للدولة التركية 850 ليرة يعني أقل من 100 دينار في السنة، وبحصل مقابلها على خدمات عالية. في الأردن بندفع ضرائب وما بنحصل على ربع الخدمات. طيب ليش؟».


*تم الاكتفاء بالاسميْن الأوّليْن حفاظًا على خصوصية صاحبيه.