فاطمة: «تركيا مقلب»

الثلاثاء 10 آذار 2020
تصميم بيان دحدح.

هذه القصة هي جزء من تقرير موسع حول هجرة الأردنيين إلى تركيا بعنوان «موسم الهجرة إلى إسطنبول».

كان التعليم أحد العوامل الأساسية التي جلبت، بداية العام الفائت، فاطمة* وزوجها وبناتهما الثلاث (5-13 سنة) إلى إسطنبول. وبالتحديد التعليم الجامعي، إذ يخططان لإلحاق البنات بالجامعات التركية.

عندما التقينا فاطمة، كانت ضمن مجموعة من حوالي 20 سيدة أردنية، اجتمعن مع أطفالهن في أحد متنزهات اسنيورت، إحدى ضواحي المدينة. هن عضوات في مجموعة واتساب مكونة من 83 سيدة أردنية مقيمات في إسطنبول. يستخدمنها للتواصل في ما بينهن، وتبادل التجارب. ويجتمعن بين فترة وأخرى في متنزه أو مقهى. تقول فاطمة إن مثل هذه الجمعات هي ما يخفف عنها غربتها، إذ ما زالت وبسبب عائق اللغة غير مندمجة في علاقات مع أتراك، مع أنها تقيم في مجمع سكني معظم ساكنيه من الأتراك.

جاءت عائلة فاطمة إلى إسطنبول، بعد أن باعوا محل الأجهزة الخلوية الذي يملكه زوجها في الأردن، إثر تدهور وضع السوق، كما تقول، لدرجة أنهم اضطروا في آخر سنة لهم في عمان لنقل بناتهم من المدارس الخاصة إلى الحكومية. اختاروا إسطنبول لأن لديهم أصدقاء وأقارب سبقوهم إليها وشجعوهم على القدوم «كثير سمعنا إنه الحياة هون أحسن وأرخص. (…) وقلنا عشان الجامعات بكرة لقدام كثير أحسن من هم أصغر يتأسسوا بالتركي». 

أجّرت عائلة فاطمة منزلهم بعد أن نقلوا الأثاث إلى بيوت أقارب. وجاؤوا إلى إسطنبول حيث حصلوا على إقامة سنتين. وحصل زوجها على وظيفة في مشغل للسجاد يملكه قريب له متزوج من سيدة تركية. 

عند سؤالها عن تجربتها في إسطنبول، أجابت فاطمة مباشرة «تركيا مقلب كبير»، لكنها استدركت بعدها قائلة إنها مدركة أنه من المبكر أن تحكم، وإن «البدايات دايمًا صعبة»، لكنها مع ذلك لم تكن قادرة على إخفاء خيبة أملها، فقد جاءت بتوقعات عالية، نتيجة ما سمعته من الناس ومن مواقع التواصل الاجتماعي، لتجد في الواقع أن الراتب متدنٍ جدًا، عندما يقارن بدخل محل الهواتف حتى بعد تعثره. لكن ما يجعلهما يصبران هو أن هذه بالنسبة إليهما مرحلة انتقالية، لأن زوجها يخطط لفتح محل هواتف في المدينة بعد أن يتعرف بشكل أفضل على الوضع. 

الأمر الآخر الذي خيّب أملها هو أن البنتين الكبريين خسرتا عامًا دراسيًا، فقد جاءت العائلة في العطلة ما بين الفصلين. بعد أن أكد لهما كثيرون أنه لا مشكلة في ذلك، وأنهما ستقبلان في المدارس لدراسة الفصل الثاني، لكن هذا لم يحدث، إذ رفضت المدرسة تسجيلهما في منتصف العام الدراسي.

يضاف إلى ما سبق، تقول فاطمة كلفة الحياة التي لم تكن بالرخص التي كان الجميع يتحدث عنه. لقد وجدت أن الحياة فعلا أقل كلفة هنا، من ناحية الطعام والشراب والملابس وفواتير المياه والكهرباء وإيجارات المنازل، لكن كل هذا رخيص مقارنة بالأردن، ولمن لديه دخل ثابتٌ يأتيه من الأردن، أمّا من أراد بناء حياة يعتمد فيها كليًا على الدخل من تركيا، فإن الحياة، وإن كانت بالطبع أبعد ما تكون عن غلاء الأردن، لكنها أيضًا ليست بالرخص الذي يصوّره الناس. تقول فاطمة إن القادمين الجدد يكونون في البداية مبهورين بتدني الأسعار، وينخرطون في الشراء والاستهلاك، وهذا ما حدث لهم شخصيًا، عندما كانت قرارات الشراء تُتخذ دائمًا بناء على مقارنتها بأسعارها في الأردن، لكنهم أدركوا بعدها أن هذا لم يكن حكيمًا، وبدأوا يكيّفون استهلاكهم، كما يفعل الأتراك أنفسهم. 

درست بنات فاطمة اللغة التركية خلال الأشهر التي لم يكنّ خلالها في المدرسة. وتم قبولهن مؤخرًا في مدرسة «إمام خطيب»، وهي واحدة من أنواع متعددة للمدارس الحكومية في تركيا، كان من الواضح من خلال المقابلات مع الأردنيين، أن هذا النوع هو المفضل عندهم، فهي مدارس تغلب عليها الصبغة الدينية الإسلامية، إذ ليس فيها اختلاط بين الجنسين، كما هو الحال في باقي المدارس التركية التي يطبق فيها الاختلاط من الصف الأول إلى نهاية الثانوية. كما تعطى فيها، مع المناهج العادية، دروس إضافية في العلوم الإسلامية.

رغم إحساسها بخيبة الأمل، ورغم أنهم حفظوا خط الرجعة بعدم بيعهم منزلهم، تقول فاطمة إن خيار العودة ليس مطروحًا، وهذا بسبب ما تقول إنه مواصلة تردي الوضع الاقتصادي في الأردن. لهذا ليس أمامهم في الوقت الحاضر سوى مواصلة المحاولة والتقدم إلى الأمام. وفي الأثناء تنظر إلى الجانب المليء من الكأس، وهو توافر الكثير من إمكانيات الترفيه المجاني للعائلات والأطفال. «كحياة هون أحلى. وين ما تروحي طبيعة أحلى، وين ما تروحي بحر، بحيرة، طبيعة حلوة. هذا الإشي مش لاقيينه في الأردن. حتى البنات رافضات الرجعة».


*تم الاكتفاء بالاسم الأول حفاظًا على خصوصية صاحبته.