جائحة كورونا تحوّل سيارات السفريات إلى «أكوام حديد»

الخميس 25 حزيران 2020
رجل في أحد مكاتب السفريات الخارج في العبدلي في عمّان. تصوير يزن ملحم.

بين عشرات مكاتب السفريات المغلقة في منطقة العبدلي وسط عمان، يجلس الخمسيني عباس في مكتبه الذي صار مجلسًا للأصدقاء منذ منتصف آذار من العام الحالي، حيث توقف أصحاب 1200 سيارة سفريات عن العمل، بعد إغلاق جميع المعابر الحدودية البرية للمملكة أمام حركة المسافرين، ضمن الإجراءات الحكومية في الحدّ من انتشار فيروس كورونا.

يقول عباس (54 عامًا)، وهو صاحب مكتب يعمل في مجال السفريات منذ عقود، مبررًا وجوده في مكتبه رغم توقف المكتب عن العمل: «أهل البيت زهقوا منا». يبدي عباس خشيته أن يستمر الوضع على ما هو عليه إلى ما بعد نهاية العام الحالي، إذ لم تقدّم الحكومة الأردنية حتى الآن أيّ مبادرة لحل أزمتهم، فيما لا تزال سياراتهم متوقفة عن العمل. ويضيف أنه اعتقد أن الحكومة ستسمح لسيارات السفريات بالعمل على توصيل العائدين برًّا من الحدود إلى مناطق الحجر الصحي، لكن ذلك لم يحدث.

«اللي كان دهين رجع دهين، والي كان بنّا طوب رجع للطوب، وسياراتهم بوقفوها قدّامي بالساحة، واللي ما عنده مهنة ثانية قاعد بالبيت شو بده يسوي»

فقد سائقو السفريات مصدر رزقهم خلال هذه الأزمة، بحسب عباس، ومنهم من عاد لممارسة مهنة كان يمارسها قبل العمل في مجال السفريات، «اللي كان دهين رجع دهين، والي كان بنّا طوب رجع للطوب، وسياراتهم بوقفوها قدّامي بالساحة، واللي ما عنده مهنة ثانية قاعد بالبيت شو بده يسوي»، فالسائقون جميعهم عليهم التزامات، مثل أقساط السيارات وإيجارات المنازل وتكاليف دراسة أبنائهم، وعلى الحكومة التدخل لمساعدتهم «لأن سلامة المواطن من كورونا مش أهم من سلامته من الجلطة وأمراض القلب. لما تحمّلني التزامات وما أقدر أسدها إنت بتجلطني». 

يقترح عباس بعض الإجراءات التي من شأنها التخفيف عن سائقي السفريات، مثل تدخل الحكومة لتخفيف الإيجارات وإعفائهم من الرسوم والتراخيص خلال فترة الجائحة، خاصّة أن وضع القطاع كان صعبًا حتى قبل الأزمة الحالية، بسبب إغلاق الحدود مع سوريا والعراق. وقد جاءت أزمة كورونا بعد وقت قليل نسبيًا من إعادة فتح الحدود مع سوريا أواخر العام 2018. وبالتالي، بالكاد بدأ القطاع بالتقاط أنفاسه لتواجهه أزمة إغلاق كامل الحدود البرّية للمملكة. 

يعمل أبو عبد الله (60 عامًا) في هذا القطاع منذ عام 1978، ويعمل معه ثلاثة من أبنائه. يقول إنه اجتمع مع مدير هيئة قطاع النقل بصحبة أحد أعضاء مجلس النواب ولم يصلوا إلى أي حلّ.

بقي ابنه العشريني بلا عمل اليوم نتيجة الأزمة، وتوجه الكبير وهو أب لطفلين للعمل في مقهى بأجر عشرة دنانير يوميًا، ما يجعله بحاجة مساعدة والده في مصاريفه اليومية هو الآخر، أمّا الثالث فتوجّه للعمل كسائق تكسي، مع أنه لا يكاد يحصل على مبلغ ضمان السيارة والبالغ 23 دينارًا في بعض الأيام، بحسب والده. وكان الواحد منهم يجني ما يقارب 500 دينار شهريًا من العمل ضمن قطاع السفريات، قبل الأزمة الحالية.

مع ذلك يرى أبو عبد الله أن أوضاعه وعائلته أفضل من غيرهم؛ «أنا وضعي أحسن من بعض الناس، أنا عندي عمارة مأجرها بس مش كل الناس زيي، في ناس عليها أقساط للسيارة ألف دينار وما بيجيها دينار دخل».

أزمة سائقي السفريات الحالية هي الأشدّ

يقترح أبو عبد الله أن يُسمح للسيارات ذات المحرك الكبير بإيصال القادمين عبر الحدود البرية من الحدود إلى مناطق الحجر الصحي، إذ إن سيارات السفريات أكثر أمانًا من الباصات التي يختلط فيها عدد أكبر من الركاب، وأن يتم منح تصاريح نقل داخلي للسيارات ذات المحركات الأصغر. 

طرح نقيب أصحاب السيارات العمومية أحمد أبو حيدر، في اجتماعه مع مدير هيئة النقل، اقتراحًا لبحث تشغيل السيارات الصغيرة على الخطوط الداخلية والسيارات ذات المحركات الكبيرة «الجمسات» -البالغ عددها 400 سيارة- على خطوط المحافظات، لكن لم يصدر أي قرار بهذا الشأن إلى الآن. 

يتذكر أبو عبدالله أزمات سابقة عرفها قطاع السفريات، منها إغلاق الحدود السعودية بعد حرب الخليج، وإغلاق الحدود السورية والعراقية بعد عام 2011، إلّا أن هذه الأزمة كانت الأشد بحسبه، «لما كانت تسكر السعودية كانت هيئة تنظيم قطاع النقل يعطونا تصاريح لسوريا والعراق، ولما سكرت سوريا والعراق أعطونا تصاريح للسعودية، وكانوا يعطوا السائقين تصاريح نقل داخلي بس اليوم كلها مسكرة». ويخشى أبو عبد الله اليوم، أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى عجزه عن مساعدة أبنائه، فهو بالكاد يسدد التزاماتهم جميعًا، ولا يستطيع الاستمرار بذلك طويلًا.

«قدمت على دعم عمال المياومة وما إجاني دعم، ولمّا اعترضت حكولي لأنه بإسمك سيارة. والسيارة كوم حديد واقفة على باب الدار ما بستفيد منها»

يقول محمود، وهو خمسيني وأب لأربعة، يعمل سائقًا على خطوط السعودية والشام وبيروت، ويملك سيارة يدفع عليها قسطًا شهريًا قدره 600 دينار: «رحنا بدل المرة ستة على وزارة النقل لمقابلة الوزير بحكولنا مش فاضي ومشغول (..) ولا حياة لمن تنادي». ويضيف «قدمت على دعم عمال المياومة وما إجاني دعم، ولمّا اعترضت حكولي لأنه بإسمك سيارة. والسيارة كوم حديد واقفة على باب الدار ما بستفيد منها (..) إحنا مش لاقيين نجيب خبزات ولادنا». 

كان الدخل الشهري لمحمود قبل الازمة يتراوح بين 800- 900 دينار شهريًا، أمّا اليوم فبالكاد يجد أساسيات بيته، حيث يعمل بشكل متقطّع على سيارة نقل عمومي (سرفيس) وذلك من الساعة السادسة صباحًا وحتى الظهيرة. يستفيد محمود من قرار البنك المركزي الأردني بالسماح للبنوك بتأجيل الأقساط المستحقة على المقترضين ولكنه يخشى أن يتوقف التأجيل قبل عودته إلى العمل.

مجموعة من السائقين والعاملين في أحد مكاتب السفريات في العبدلي أمام المكتب. تصوير يزن ملحم.

ما هو المطلوب لحل أزمة سائقي السفريات؟

يرى نصر وهو صاحب مكتب سفريات في منطقة العبدلي، أن مقترح منح سيارات السفريات تصاريح للنقل الداخلي ربما لا يكون مناسبًا، خاصة وأن محرّكات سيارات السفريات كبيرة، وبالتالي مصروفها من البنزين أعلى، كما أن الفكرة لن تكون مجدية في ظل عدم السماح لسيارات النقل العام بتحميل سعتها من الركاب. 

في حديثه مع قناة المملكة، منتصف نيسان الماضي، صرّح وزير النقل، خالد سيف، أنه سيتم الإعلان عن قرارات تهدف إلى تخفيف الضرر عن العاملين في قطاع النقل العام -بمن فيهم سائقي السفريات-، وسيكون لهم مبالغ شهرية من حساب الخير، وعند سؤاله عن إعفائهم من رسوم هيئة النقل، قال: «إحنا نطمع بأكثر من هيك مش بس رسوم الهيئة». لكن، وبحسب نقيب أصحاب السيارات العمومية، لم يصدر أي قرار بمساعدتهم، حتى الآن.

وعن دور هيئة تنظيم قطاع النقل صرحت الناطقة باسم الهيئة عبلة الوشاح، أن 27600 أسرة من قطاع النقل تم تعويضها بمبلغ 136 دينارًا. وفيما يتعلق بالسماح لسائقي السفريات بنقل القادمين عبر الحدود البرية إلى مناطق الحجر الصحي، ترى الوشاح أن عدد القادمين كبير، ما يستدعي استخدام الحافلات لنقلهم. وتضيف أن مطالب نقابات النقل العام تم رفعها إلى مجلس الوزراء، وكان من ضمنها منح تصاريح للسائقين للعمل في النقل الداخلي، لكن لم يصدر قرار بخصوص ذلك إلى الآن. وتضيف الوشاح أن الهيئة اصطدمت بتحدي عدم اشتراك أغلب العاملين بقطاع النقل العام في الضمان الاجتماعي، ما شكل عبئًا على الحكومة، لأنها هي من دفعت تعويضات تعطّلهم.

وفي مؤتمر صحفي عقده وزير النقل مساء 23 حزيران الحالي، أعلن فيه عن مجموعة إجراءات حكومية لدعم قطاع النقل العام، من بينها رفع نسبة الاستخدام لوسائط النقل إلى 75% بدل 50% استجابة لمطالب العاملين في القطاع، وقال كذلك: «هناك دعم مباشر سيقدم من خلال هيئة تنظيم قطاع النقل البري حيث سيكون هناك خصم لمدة التعطل على الرسوم المستحقة للهيئة بناءً على نسبة التعطل التي واجهها كلّ نمط، والبالغ عددها 15 نمطًا لنقل الركاب».