أزمة «كورونا» تعيد حسابات المقبلين على الزواج: هل يحتاج الأمر حقًا كل هذا العناء؟

الأحد 03 أيار 2020
عروسان يرتديان الكمامات والقفازات أثناء زفافهما في فلسطين، في نيسان 2020. تصوير عباس مومني. أ ف ب

«ما توقعت يجي موعد عرسي وأنا أطلب ألغيه». هذا ما قالته تمارا حماشا (27 عامًا)، العروس المتزوجة حديثًا والتي تعيش مع زوجها الآن في دولة الإمارات، إذ أتت فكرة إلغاء حفل الزفاف بمبادرة منها. «الفكرة كانت نابعة مني، وزوجي ما كان متفق معي فيها بس بعدين انبسط أنه أجت مني».

تمارا وزوجها كحال العديد من الخاطبين في الأردن اعتمدوا إلغاء حفل زفافهم الذين كان من المقرر أن يكون في هذه الفترة، بعد انتشار وباء «كورونا» عالميًا، وفرض حظر التجول في الأردن، كليًا ثم جزئيًا، منذ تفعيل قانون الدفاع في 17 آذار 2020. ومن جملة المؤسسات التي أغلقت كانت المحاكم التي لم تفتح أبوابها حتى مطلع هذا الأسبوع، واستأنفت عملها بالحد الأدنى.

«أهله استهجنوا الموضوع بالبداية بس بعدين وافقوا ع السريع. بس المشكلة كانت عند أهلي كوني بنتهم الأصغر ووالدي متوفى وإخواني ما عرفوا كيف يتصرفوا. بس الحمد لله كان في وعي كبير منهم واختاروا سعادتي وراحتي»، تقول تمارا مضيفةً أن فترة خطوبتها كانت طويلة في الأصل بحيث تعدت السنة ونصف السنة. فقد التقت زوجها أثناء مرحلة إكمالها للدراسات العليا، وأحسّت بأن الانتظار أكثر قد يخلق «فجوة» بينها وبين شريكها خاصة أنه مغترب ولا يوجد تاريخ يمكن التنبؤ به لانقضاء الأزمة. 

حفل زفاف تمارا الذي كان من المخطط أن يقام في فندق في عمان ألغي بعد دفع العربون الذي لم يسترد، ولكنها وزوجها استطاعا توفير الكثير من المال على حد قولها. وتمكّنت تمارا من السفر إلى الإمارات قبل إيقاف حركة الطيران بيومين فقط. تعبّر تمارا عن بهجتها وعدم ندمها بالقول إن المهم هو «كون الفتاة مع شريك حياتها! إذا بستحق فعلًا بصفّي العرس شكليات. العرس صحيح حلو وإشهار، بس مش نهاية العالم إذا ما صار».

مشاعر مختلطة وراحة من العناء

وجد سعد البطاينة (39 عامًا)، طبيب الأسنان المقيم في منطقة خلدا في عمان، نفسه أمام الخيارين ذاتهما، إما تأجيل موعد الزفاف الذي حُجز موعده في 21 آذار في إحدى صالات عمان، أو الإقدام على خطوة إلغائه. ولكنه رأى في الوقت ذاته أن الأفضل أن يكون هو المبادر بطرح السيناريوهات المحتملة أمام خطيبته الآء معابرة (30 عامًا)، التي تعمل في إحدى شركات التأمين، وعائلتها.

«كنا موزعين الكروت، بس أولويتي كانت مشاعر العروس وأهلها، لأني بعرف قديه مهم للبنت الحفلة والفستان الأبيض»، يقول سعد، موضّحًا بأن خطيبته -زوجته الآن- أخبرته بأن لديها «مشاعر مختلطة» تجاه إلغاء الزفاف، كما كان الأشخاص من حولها منقسمين، فبعضهم شعر بالضيق لأن خيار إلغاء حفل الزفاف أصبح محتملًا، والبعض الآخر لها قدّم الدعم. «لهيك مرة كنت ألاقي بعيونها في دموع ومرات أشوفها فرحانة»، يقول سعد.

وعلى الرغم من أن خيار التأجيل كان الأرجح لرغبتهما مشاركة الفرحة مع الأهل والأصدقاء، إلا أن المشهد المبهم الذي ازداد ضبابية يومًا بعد يوم في ظل الحظر دفعهما لاختيار إلغاء الحفل تمامًا والاكتفاء بجلسة عائلية بسيطة. «أشهرنا زواجنا عن طريق الفيس بوك ومواقع التواصل الاجتماعي. وهلأ فرحانين وبنحكي الحمدلله عملنا هيك خطوة وما ضلينا بعاد عن بعض»، يقول سعد.

لكن نساء أخريات قابلن التخلي عن الحفل والفستان الأبيض بتنفس الصعداء. فحين قرر كل من صهيب التكروري (31 عامًا) وخطيبته زينب المرافي (28 عامًا) القاطنين في منطقة أبو نصير في عمان إلغاء حفل الزفاف، تقول زينب إن أفضل جزء هو أنها وفرّت على نفسها العناء والتوتر المصاحب للحفل. «قلت لصهيب خلص تعال خدني من دار أهلي ونسكن ببيتنا. تفاجأت لما اطلع فيي بكل جدية وقال لي: طيب! ما بمزح! راح أعملها إذا أعلنوا الحظر قبل موعد عرسنا. وسألني شو رأيي حكيتله أنه ما عندي مانع». 

لكن أسباب صهيب وزينب كانت مختلفة، فكلاهما موظفان استهلكا رصيد الإجازات الخاص بهما، بحيث انتهى المطاف بهما بالتقيّد بالحجر المنزلي في التواريخ ذاتها التي اختاراها لتجهيز مستلزمات الزفاف وإقامة مراسمه. «حكينا إذا بدنا نستنى ليخلص موضوع الفيروس ونعمل العرس بعد ما ينتهي كورونا ما راح يكون عنا إجازات لنعمل عرس، وإذا بدنا حفلة عرس لازم نستنى للسنة الجاي، فحكينا إنه الأحسن نختصر كل الحكي هاد ونتجوز»، يقول صهيب. 

زواج بدون مأذون؟

وسط هذه الظروف الاستثنائية، لجأ البعض إلى عقد القران بدون عقود مسجلة أو موثقة في المحكمة الشرعية. ووفقًا لبيانات دائرة قاضي القضاة، هناك 65167 عقد زواج سجل خلال عام 2018 (لم يصدُر تقرير 2019 بعد)، أي بمعدل قرابة 5430 عقد شهريًا، مع اختلاف طفيف بحسب الربع السنوي. ومع استمرار الإجراءات التي فرضتها الحكومة منذ أكثر من ستة أسابيع حتى اللحظة وتعليق تسجيل العقود الشخصية ومن بينها الزواج، فعدد العقود المسجلة بالطبع هو صفر، إلا أن ذلك لا يعكس عدد الحالات الفعلي، حيث هناك أشخاص آثروا عقد القران ولو خارج المحكمة.

تعرّف طالب الدكتوراه أحمد* (30 عامًا)، والصيدلانية تسنيم* (23 عامًا)، على بعضهما بشكل «تقليدي» قبل بدء الحظر بيوم واحد، بعد زيارة العريس لمنزل العروس الواقع في أحد ألوية عمان، حيث أعجب كل طرف بالآخر على الفور. وبعد فترة تعارف امتدت بضعة أسابيع، قرّرا عقد قرانهما على الرغم من ظروف الحجر الصعبة وعدم إمكانية تواجد مأذون آنذاك. «حبينا نعطي شرعية لعلاقتنا وتكون حلال»، تقول تسنيم، «مع أنه كنت قلقانة من موضوع أنه اكتب كتابي مرتين، مرة بالبيت بدون مأذون مرخص مع بابا وأحمد وشاهدين بس، ومرة بشكل رسمي لما تمر الأزمة عخير». 

وفي محاولات تسبق هذه الخطوة، جرّب الخاطبان التواصل مع مأذون من خلال الدخول إلى موقع دائرة قاضي القضاة والاتصال بالأرقام المتوافرة على الموقع، إلا أنهما لم يتلقيا أي رد، فقرّرا الشروع بعقد القران في جو عائلي بسيط. «سألت القاضي من المحكمة وخبرني أنه ممنوع نكتب كتاب هيك بدون توثيق وأنه عليها عقوبة»، يقول أحمد، ويضيف «بس مع هيك حبيت نكتب الكتاب لأنه خير البر عاجله وأركان الزواج كلها حاضرة، ما كان في سبب مقنع لتأجيله خاصة وأنه المؤشرات العالمية والمحلية بتدّل عطول أمد هذه الأزمة».

توضح المحامية الشرعية والنظامية، سميرة زيتون، أن هذا النوع من عقد القران يعد صحيحًا من الناحية الشرعية، ولكنه مخالف للقانون، مضيفًة أن الزواج ببساطة هو عبارة عن إيجاب وقبول وحضور وليّ وشاهدين. وترى أن وجود عقوبة لعدم التوثيق يهدف للحفاظ على حق المرأة، «لأنه لو صار شي هي بتنضرّ وبصير لازم تعمل إثبات زواج ونسب».

العقوبة التي نص عليها القانون لمخالفة أمر التوثيق هي غرامة بقيمة 200 دينار أردني يدفعها بشكل شخصي كل من شارك في العقد، أي يصل المبلغ الإجمالي إلى 1000 دينار أردني بحسب المادة (36/ج) من قانون الأحوال الشخصية رقم 36 لعام 2010. وتقول إنه من الممكن أن تصدر الحكومة قرار عفو بعد انتهاء جائحة كورونا، إلا أنه «لا يمكن لأحد التنبؤ بشكل مؤكد بخصوص هذا الموضوع». 

تشير المحامية زيتون إلى أن تثبيت العقود في المحاكم بعد عقد القران خارجها أمر يقع ووقع بشكل متكرر على مدى السنوات الماضية، ففي فترة الثمانينيات قامت الحكومة بتوثيق عقود الزواج الخاصة بعائلات البادية بشكل جماعي. وفي عام 2015، أقرت رئاسة الوزراء قرار عفو فيما يخص توثيق عقود الزواج لتشجيع الأزواج على الإقدام على هذه الخطوة، وشمل القرار الذي دامت فاعليته شهرين جميع الموجودين على الأراضي الأردنية، بما في ذلك اللاجئين السوريين، الذين شكّل غياب التوثيق عائقًا أمامهم عند تقديم طلبات الحصول على المساعدات من المنظمات الدولية.

وعلى الرغم من أن فكرة زواج تسنيم وأحمد بدون مأذون رسمي لاقت اعتراضًا شديدًا من قبل الأهل في البداية، إلا أن جميع الأطراف عبّروا عن سعادتهم الآن بعد أن تم الأمر. تقول أم تسنيم: «إحنا وأهل العريس قلنا يستنوا عشان نفرح فيهم مزبوط والحياة رح ترجع طبيعية قريبًا، بس بالآخر حبينا نمشي مع قرارهم هم الإثنين ونشوف سعادتهم». سارع العروسان لتوثيق الزواج فور أن أعلنت المحاكم استئناف عملها مطلع هذا الأسبوع.

على حد تعبير تسنيم، تقتضي عادات وتقاليد الأردنيين والعرب بشكل عام مشاركة الفرح ضمن أجواء مكتظة وإقامة الولائم والتجمعات، لكنها تؤمن أن «الواحد ما يخلي المجتمع هو اللي يمشيه، طول ما بعمل إشي صح يضل ماشي عليه».

توضّح والدة العروس أن الأعباء المادية للزواج كانت شبه معدومة، بحيث ارتدت هي ثوبًا اقتنته منذ بضع سنوات، لم تكن لترتديه مطلقًا في مناسبة كهذه لولا هذا الظرف الاستثنائي. لكنها اكتشفت أن عقد القران ممكنٌ بتكاليف بسيطة للغاية، وأن الأمر لا يستحق كل المصاريف المبالغ فيها التي تُدفع مقابل مظاهر اجتماعية قد لا تكون دائمًا مهمة للعروسين، بحسبها. «حفلة كتب الكتاب كان ممكن تكلفني بالوضع الطبيعي أقل شي 500 دينار، بس كانت تكلفتها الفعلية صفر! وحتى بنتي العروس ما راحت صالون وإحنا عملنالها شعرها والمكياج».

إما الآن، أو «بلاها»!

من ناحية أخرى، يبدو أن وطأة هذه الظروف أثرت على بعض العلاقات بشكل سلبي، ودفعت بعض الخاطبين، خاصة الذكور، إلى اقتناص فرصة إجراءات الحظر المكثفة لإلغاء مراسم زفاف بسبب التكاليف المادية العالية المصاحبة لها، دون التعرض للوصمة المجتمعية التي قد تصحب قرارًا مشابهًا لقرار التخلي عن إقامة حفل زفاف باذخ أو عمل ولائم واحتفالات.

«خطيبي قال لي شو رأيك نتزوج هلأ؟ قلت له مستحيل لأنه العرس مهم إلي وما صار لنا شهور خاطبين، وعرسنا أصلًا مفروض بشهر 10، يعني ممكن الأزمة تكون خلصت». هكذا تنقل سارة** النقاش الذي دار بينها وبين خطيبها الذي يسكن في عمان. لكنه بحسبها انزعج من جوابها وردّ بانفعال: «يا هيك يا بلاها، اللي بدّه السترة ما بدقق ع هيك أشياء». لا زالت سارة حتى هذه اللحظة لا تعلم مستقبل علاقتها في ظل جائحة كورونا أو إذا كانت ستستمر بعد انقضاء الأزمة، بعد أن شعر خطيبها بأن لا لزوم للحفل و«المصاريف» من الأساس.

وصل معدل سن الزواج في الأردن بين الذكور إلى 31 سنة -لأول مرة- عام 2018، حيث كان قد بلغ 29.6 سنة عام 2008؛ أي أنه ارتفع بمعدل 1.4 سنة خلال 10 سنوات، مقابل 26.5 عامًا بين الإناث.

وفقًا لدراسة أجراها منتدى البحوث الاقتصادية فقد بلغت تكلفة الزواج في الأردن 9900 دينارًا أردنيًا في المتوسط عام 2010، هذه التكلفة ارتفعت الآن على الأرجح، بعد سنوات اقتصادية عصيبة مرّت بها البلاد، رافقتها أزمة اللاجئين، مرورًا بالركود في سوق العقار ووصولًا إلى التضخم. 

في عام 2018، بلغ متوسط رواتب الأفراد بحسب بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي أقل من 600 دينارًا، كما بلغ معدل البطالة 19% العام الماضي، مما يجعل الوضع الاقتصادي الصعب دون شك عاملًا أساسيًا في العزوف عن الزواج.

قد يصعب حصر أعداد الأزواج الذين قرّروا إلغاء مراسم زفافهم والتخلي عن العادات والأعراف المرتبطة بالزواج، خاصة في الظروف الحالية، إذ قام بعضهم بذلك كخيار اضطراري أخير بسبب الظروف الراهنة، واستغل البعض الآخر الفرصة التي أتاحتها الظروف لإتمام الزواج بأقل التكاليف دون الاضطرار إلى مواجهة انتقادات المجتمع المحيط. فهل ستدفع جائحة كورونا المجتمع والأسرة الأردنية إلى إعادة النظر في تكاليف ومصروفات حفلات الزفاف؟

* أُخفي الاسم الأخير حفاظًا على خصوصيتهما.

 ** تم تغيير الاسم بناء على طلبها.