في زمن الكورونا وحظر التجول، أطباء يتطوعون لمداواة المرضى

طبيب متطوع ضمن مبادرة نقابة الأطباء، على العاتف في غرفة العمليات داخل النقابة. تصوير عمّار الشقيري.

في زمن الكورونا وحظر التجول، أطباء يتطوعون لمداواة المرضى

الجمعة 27 آذار 2020

انشغلت كوادر وزارة الصحة بمتابعة المحجور عليهم، والمصابين بفيروس كورونا المستجد، بالإضافة إلى أدوارهم المعتادة في المستشفيات. أُغلقت المراكز الصحيّة والعيادات الخاصّة والعامّة، فازداد الحمل على كوادر الدفاع المدني التي استقبلت آلاف الاتصالات بسبب عدم قدرة المرضى الذهاب إلى المستشفيات بسبب فرض حظر التجوّل. عملت سيارات الإسعاف بكل طاقتها، إذ تعامل الدفاع المدني يوم الأربعاء وحده مع أكثر من 8000 حالة مرضية، ومع آلاف الاتصالات التي لم يتوقف تدفقها. 

في ضوء ذلك، تحرّكت نقابة الأطباء الأردنيين، وفتحت باب التطوّع للكوادر الطبيّة، بعد التنسيق مع وزارة الصحة، واستقبلت غرفة العمليات في مبنى النقابة طلبات التطوّع، وتشكلت ثلاثة فرق للتدخل؛ الفريق الجراحي الدوّار، وفريق التوصيل، وفريق الاستشارات، وقبلها كان فريق الفنادق، وفُتحت الشوارع للأطباء الذين يتنقلون هذه الأيام بين البيوت للتعامل مع حالات مرضية، ويتجهون لأي مكانٍ يكون صعبًا على الدفاع المدني أو كوادر وزارة الصحة الوصول إليه.

في الطابق الثاني من مبنى مجمع النقابات المهنية، المفتوح على مدار 24 ساعة تقريبًا منذ أيّام، يتحرّك أطباءٌ بلباسهم الطبي الكامل، إذ تتواجد في المكان خليّة إدارة مبادرة وطن، التي تُدير عدة فرق تطوّع في العاصمة عمّان، كما تنسّق مع فرق التطوّع في محافظات أخرى. وبلغ مجمل عدد المتطوعين في الفرق حتّى مساء الأربعاء 1900 من الكوادر الطبيّة.

بدا الطابق كأي قسمٍ في مستشفى؛ مستودع للأدوية والمعدات الطبيّة، أطباء يجلسون خلف الحواسيب لمتابعة طلبات التطوّع وفرزها، وكتابة التقارير اليوميّة عمّا أنجز وما سينجز، والحالات التي تتعامل معها فرق التطوع، فيما تؤمن خليةُ دعمٍ لوجستي التصاريحَ وأوامرَ الحركة.

يدخل الدكتور مظفر الجلامدة، الموظف في مستشفى حمزة، ورئيس لجنة الطوارئ والإغاثة في النقابة، قاعة إدارة الفرق التطوعيّة بأربع صناديق من الأقنعة ويسلّمها لأحد الأطباء المتوجهين إلى مدينة إربد لتوزيعها على الكوادر المتطوعة في المدينة هناك. «إحنا بنركّز على [تجنّب] خطورة إصابة الكوادر، الكوادر لازم تكون محميّة».

الجلامدة (يسارً) مع عدد من الأطباء المتطوعين. تصوير عمّار الشقيري.

الطبيب الدوّار

مساء الإثنين 23 آذار، وصلت رسالةٌ من سيّدةٍ في جبل النصر على الرقم الذي أعلنت عنه نقابة الأطباء لاستقبال اتصالات الحالات التي تتطلب غيارًا للجروح المزمنة و التقرحات. انتظر المشرفون على الفريق ساعة ونصف، لم يكن أحد من جراحيّ الفريق متاحًا في تلك اللحظة، فتجهّز الطبيب طارق الخطيب، وهو أحد المشرفين على الفريق ويُدير العمليات من مبنى النقابة كإداريٍ. «هاي المنطقة ما فيها حد من الفريق التطوعي»، قال الخطيب وطلب صندوق العدّة، وخلال دقائق تحرّك بسرعة برفقة طبيب عشرينيّ آخر، هو أنمار الصمادي.

يعمل الفريق على تقديم الخدمة في البيوت بدل المستشفيات. إذ يتلقّى المشرفون عليه الاتصالات من الناس على خطٍ ساخن خُصّص لهذه الغاية، ثم تُوّزع الحالات على الأطباء، بحيث يكلف بها الطبيب الأقرب للمنطقة. ويسعى الأطباء لمعالجة أشد الناس عرضة للإصابة بالعدوى، من كبار السن ومن لديهم أمراض مزمنة، لوقايتهم. «لمّا تبعد هذه الفئة عن الاختلاط في المستشفيات رح تخفف الضغط عن كوادر المستشفيات، رح تخفف ضغط على سيّارات الدفاع المدني، وتخليها تخدم حالات طارئة أكثر، طوارئ المستشفيات أصلًا [الحِمل] عندهم عالي»، يقول مشرف الفريق الطبيب الجرّاح أحمد.

حلّ المساء، وسيّارات الإسعاف تسرع في الشوارع، والطبيبان الخطيب والصمادي في سيارة تويوتا. وصلا جبل النصر، وعلى وجه السرعة وفي الشارع، لبسا كل مستلزمات الوقاية. وعندما تجهزا، اتصلا بالسيدة التي كانت تنتظر. 

الخطيب والصمادي قبل الدخول لبيت المريضة بجبل النصر. تصوير عمّار الشقيري.

في أقل من 15 دقيقة، أنجز الطبيبان المهمّة، وغيّرا ضماد السيّدة، التي بُترت قدمها بمرض السكري. على الباب يقول الخطيب للمريضة: «أهم إشي تكون نفسيّتك مليحة، بطيب الجرح».

من على سريرها، تقول المريضة سامية هجرس إن الرقم المخصص لمبادرة النقابة وصلها من أحد المعارف عبر الفيسبوك. «بعتولي الرقم واتصلت، طلعلي دكتور جرّاح، قلتلو بدي حدا يغيّر على رجلي كل يوم، الله يحميهم».

توصيل الأدوية

لدى خروجهما، تخلّص الخطيب والصمادي من مستلزمات الوقاية في حاويةٍ قريبةٍ. عندها، خرج جار هجرس، أيمن سليم، بعدما شاهد الطبيبين في المنطقة، ليطلب المساعدة في تأمين أدوية السكري والضغط لوالدته، والتي تؤمّنها شهريًا. «إلها ثلاث أيام مقطوعة من الدوا، ما خلينا جهة وما حدا أعطانا ردّ، ما في ولا مركز صحي فاتح. أخذنا شوية أنسولين من جارنا، وباقي الأدوية مش قادر نأمنها».

لم تكن مهمّة تأمين الدواء من اختصاص الفريق الجراحي الدوّار، لكنْ لهذه المهمة فريقٌ آخرٌ يتجهّز في مبنى نقابة الأطباء للنزول؛ فريق من طلّاب طبٍ متطوعين في سنتهم الخامسة والسادسة سينزل إلى الميدان في اليوم التالي، بالتنسيق مع وزارة الصحة. كان الكلّ يشير لهذا الفريق بفريق الديليفري، أو التوصيل، المكوّن من 240 طالبًا متطوعًا.

مع فرض حظر التجوّل يوم السبت، لم يكن من طريقة لحصول المرضى على أدويتهم. ويوم الأحد، قال مدير مديرية صحة العاصمة، نايف الزبن، إن «الوزارة بصدد الإعلان عن آلية لإيصال الأدوية الشهرية للمرضى، أو أي أدوية اضطرارية للمواطنين إلى منازلهم، من خلال المراكز الصحية وبإشراف فرق طبية تطوعية». 

الطبيب عماد حطبة في المنتصف في قاعة إدارة فرق التطوع الأسبوع الماضي. تصوير عمّار الشقيري.

فور دخوله قاعة إدارة العمليات في نقابة الأطباء، يقول الطبيب عماد حطبة: «بدي 88 واحد يستلموا الدوا ويوزعوه»، فقد حصل للتوّ على الموافقات اللازمة، وبالتنسيق مع مديرية صحة العاصمة، جرى تعيين 22 مركزًا صحيًّا سيتعامل معها فريق التوصيل لأخذ الدواء وتوزيعهِ على المرضى. «هذول مهمتهم رح تكون التوجه للمراكز الصحيّة بالتنسيق مع مديريات الصحة ووزارة الصحة، استلام الأدوية منها مع عناوين المرضى اللي بيحتاجوا هاي الأدوية، وإيصال هذه الأدوية إلى بيوتهم»، يقول حطبة.

يقول لؤي أبو عتيلة، أخصائي النسائية والتوليد الذي يعمل في عيادة خاصة، وأحد القائمين على فرق التطوع: «لوجستيّا إحنا ما بنحتاج بهاي المرحلة أطباء، فقررنا نشكل فريق من طلبة كليّات الطبّ، تكون مهمتهم فقط استلام الأدوية، وإيصال وصفات الأدوية للمرضى الذين لديهم استمرارية علاج، حتّى ما يتوجهوا للمستشفيات أو المراكز الصحية، لتجنب الاكتظاظات والتعرض للعدوى».

نهاية اليوم الأوّل، الثلاثاء أعلنت النقابة أنها أنجزت المهمّة، وزّع فريق التوصيل 1600 وصفة دوائية في اليوم الأول، وفي اليوم الثالث وصل العدد إلى 5000 وصفة، وزعت على مرضى يتلقون علاجات مستمرة مثل الضغط والسكري في العاصمة، وفقًا للجلامدة. 

الفريق الأول في مادبا

يوم الخميس 19 آذار، توجه فريق نقابة الأطباء المتطوع إلى فنادق المحجور عليهم في عمّان. أثناء توزيع الأطباء على الفنادق، كانت قائدة فريق مبادرة وطن، ونقيب أطباء مادبا طبيبة الأطفال، منار الشوابكة، حاضرة. لتتطوع لتنظيم فريق تطوعي في مدينتها. وتوجهت بالفعل إلى مادبا، وقبل أن تصل كان حوالي 100 طبيب، منهم 40 طبيب اختصاص، قد تحضروا للتطوع. صباح اليوم التالي، فعّل فريق مادبا الخط الساخن الذي يتلقّى الاتصالات من المواطنين، ليكون بذلك أول فريق تطوعي من خارج العاصمة يباشر عمله بعد التنسيق مع مديرية صحة مادبا.

حصل فريق مادبا على تبرعات من الصيدليات، والصيدليات الشخصيّة في بيوت الأطباء. وبدأ الأطباء بمرافقة سيّارات الدفاع المدني، بطبيبين في دورية، وبمناوبات مدتها ستّ ساعات. عند الوصول للمريض في سّيارات الدفاع المدني، يقيّم الأطباء الحالة. «معهم أدوات كاملة، إذا عنده حرارة يعطوه المضاد الحيوي من عنّا وخافض الحرارة وبيروّح، الدفاع المدني بيروح على واحد ثاني»، تقول الشوابكة.

يوم الثلاثاء، وصلت فريق الخط الساخن 300 مكالمة لمن يعانون من أمراض مزمنة وتنقصهم الأدوية. تقول الشوابكة إن الفريق لم يستطع يومها سوى زيارة 100 مريض ومريضة، ليتم رفع عدد الكوادر في اليوم التالي لتلبية الطلب؛ «20 طبيب على الدفاع المدني، و20 طبيب على كوادر المديريّة، ما عم نلحق»، تقول الشوابكة.

تعامل فريق الجراحة مع 15 حالة، فيما تعامل مرافقو سيّارات الدفاع المدني مع 70 حالة في البيوت. يتصل طالب الخدمة على أرقام مخصصة ومنشورة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، فيتحرّك طبيب متطوّع مع سيّارة الدفاع المدني، ويُجري الفحص للمريض في البيت. وبحسب الشوابكة، ففي قرابة 10% من الحالات «حكينا للمريض اطلب الدفاع المدني». مع نهاية اليوم الرابع، تلقى فريق الخط الساخن 1200 مكالمة، بمعدّل 300 مكالمة يوميًا.

«بيريّح المستشفى، وبيريّح كوادرنا»، يقول مدير مديرية صحة مادبا، الطبيب خليل الرواحنة، عن الفريق الطبيّ المتطوع مع كوادر الدفاع المدني. ويصف الرواحنة الحالات التي يتدخل فيها المتطوعون من المرافقين لسيّارات الدفاع المدني بأنها «بدها [عناية] أكثر من بيت وأقل من مستشفى».

مستلزمات لفرق المتطوعين بمبنى النقابة الأسبوع الماضي. تصوير عمّار الشقيري.

متطوعو التقصي الوبائي في إربد 

لا يتعامل فريق التطوّع في مأدبا مع الحالات المشتبه بإصابتها بفيروس كورونا، ولا يتعامل كذلك فريق العاصمة، حيث يتركّز عمله في التعامل مع الحالات الطارئة وإيصال الأدوية. أما في إربد، ومع إعلان الحكومة إغلاق وعزل بعض المناطق فيها مساء الخميس 26 آذار، يتجهزّ متطوعو المدينة للمهمّة الأكثر خطورةً بين باقي المتطوعين، بقيادة الطبيب صدّام الشنّاق.

أعلن الشناق على مواقع التواصل الاجتماعي عن حاجة الفريق التطوعي، الذي بدأ العمل صباح الخميس بكادر قوامه 100 طبيب وطالب طبّ، حاجته إلى متطوعين آخرين ليكونوا ضمن فرق التقصّي الوبائيّ، التي ستعمل في المناطق التي أعلنت الحكومة أنها معزولة عن باقي مناطق المحافظة، وهي أيدون، وجحفيّة، وسوم، والحصن، والصريح، وحبكا.

يتركز عمل هذا الفريق في الدخول للمنازل، وإجراء المقابلات مع الناس، للاستقصاء عن المخالطين للمصابين، وترافقهم فرق الفحص. خلال ساعات قليلة من إعلان الشنّاق، استقبل فريق التطوّع 45 طبيبًا متطوعًا جديدًا. «رايحين، ولمّا أرجع ما بعرف بدي أعدي ولادي ولا لأ، هاي وظيفتنا»، يقول الشنّاق.

 يظلّ مجمع النقابات المهنيّة مفتوحًا حتى ساعات متأخرة من الليل، وربما لساعات الفجر الأولى؛ أطباء أنهوا مناوباتهم في المستشفيات، خاصة وحكوميّة، لا يعودون للبيت، إنما إلى مبنى النقابة. الخطيب وصل المبنى فور انتهاء دوامه. وعند سؤاله إلى أي ساعة ينوي البقاء، قال إنه سيبقى لما بعد منتصف الليل، قبل أن يعود لمنزله، ثم يرجع لدوامه في مستشفى البشير في الثامنة صباحًا. «ممكن تلاقيني أنا أقل واحد فيهم»، يقول الخطيب. 

آخرون ممن يسكنون في المحافظات ألغوا إجازات نهاية الأسبوع، مثل رئيس لجنة الطوارئ مظفر الجلامدة الذي يسكن في الكرك، ويعمل في مستشفى حمزة. أما الطبيب المتطوع محمد الدعامسة، فقد استأجر شقّةً في عمان عندما بدأ انتشار حالات الإصابة بفيروس كورونا، وودّع طفله ذي الأربع سنوات وزوجته. لكنه يصرف الحديث عن شؤونه الشخصيّة بالحديث عن ما ينقص الفرق من مسلتزمات، من كمامات وألبسة طبية. «للأسف المستودعات عم تفضى من هاي المستلزمات. إحنا كفريق إسناد إذا قدرت وزارة الصحة تأمننا، مشكورة. لكن إذا ما قدرت إحنا مش جابرينها لإنه بكفيها الضغط الموجود عليها»، يقول الدعامسة.