تزايد أعداد الطلبة في الجامعات الرسمية: هل كان هذا العام استثناءً؟

الخميس 05 كانون الأول 2019
من الجامعة الأردنية، تصوير خالد بشير

مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامّة هذه السنة، التي شهدت للمّرة الأولى في تاريخ المملكة حصول طالب على معدّل 100%، وكذلك حصول أعداد كبيرة من الطلّاب على معدّلات عالية، وربما غير مسبوقة في ارتفاعها، كثر النقاش في الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي حول امتحان الثانوية العامّة، وحول تأثير هذه المعدّلات، وتزايد أعداد الطلاب المقبولين في الجامعات على جودة التعليم الذي ستقدّمه لهم الجامعات الرسمية. 

ورغم عدم وجود أرقام رسمية حول أعداد الطلبة المقبولين هذا العام من وزارة التربية والتعليم على أنظمة الموازي والدولي، إلّا أن مجلس التعليم العالي كان قد أعلن نيّة الجامعات الرسمية قبول 58,125 طالبًا وطالبة من الطلبة الأردنيين للعام الجامعي 2019/2020، لكن وبعد تقديم الطلبة لوحدة تنسيق القبول الموحد، أعلنت الوحدة قبول 51,748 في مختلف الجامعات الرسمية. 

وعند النظر إلى أعداد المقبولين في الجامعات الرسمية على برامج التنافس والموازي والدولي خلال العقدين الماضيين، نرى أن التوسع في أعداد طلبة الجامعات الرسمية ليس ظرفًا استثنائيًا يرتبط بارتفاع معدّلات الثانوية العامّة هذه السنة. فتِبعًا للتقارير السنوية الصادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فإن أعداد الطلبة المقبولين منذ عام 1999 حتى عام 2017 تصاعدت بشكل مطّرد على مر السنوات، فمثلًا كان عدد الطلاب المقبولين في الجامعات الرسمية في الأردن، في مختلف الأنظمة الدراسية عام 1999 هو 22,216، بينما ارتفع العدد هذا العام إلى 51,748 طالبًا.

وبحسب مهند الخطيب، الناطق باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فإن الزيادات الحاصلة في أعداد المقبولين في الجامعات الرسمية هذه السنة كانت مبرّرة، ولأكثر من سبب بينها ارتفاع معدّلات الناجحين في الثانوية العامّة، وبالتالي جاءت هذه الزيادة للحفاظ على «الأمن والسلم المجتمعيين». ومن بين الأسباب كذلك قرار عدم عقد دورة شتوية من امتحان الثانوية العامّة هذه السنة، وبالتالي جمعت أعداد المقبولين في دورة واحدة.

من خلال مقابلة عددٍ من أساتذة الجامعات الرسمية وطلّابها، نحاول في هذا التقرير الإجابة على سؤال تأثير الزيادة الحاصلة في أعداد طلّاب الجامعات الرسمية على جودة التعليم الذي تقدّمه.

كيف تؤثر على مستوى التعليم في الجامعات؟ 

من الجيد أن تستقبل جامعة ما عددًا كبيرًا من الطلبة، وتقوم على تخريج أعداد كبيرة، يقول فاخر دعاس، منسق الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة، ذبحتونا، لكنّه يشير كذلك إلى أن هذه الزيادة تكون جيدة فقط إن كانت وفقًا لخطط مدروسة تقوم على أساسها الجامعات بتجهيز مرافق إضافية لاستقبال الطلبة الجدد مثل القاعات والمرافق الصحية. أمّا ما يحصل في السنوات الأخيرة، بحسبه، فهو قرار سياسي يشكّل عبئًا على الجامعات.

تحتكم مؤسسات التعليم العالي في الأردن في تقييم أدائها وبيئتها الدراسية لعدة مؤشرات تضعها هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها، ودوائر الجودة الخاصة في كل جامعة، بهدف ضبط جودة البرامج الأكاديمية وتقييم أداء مؤسسات التعليم العالي ومراقبتها. من ضمن هذه المؤشرات، معيار الطاقة الاستيعابية، وهو معيار تحدد فيه الهيئة طاقة استيعاب الجامعة عدديًا، أي الحد الأعلى لعدد الطلبة في جامعة معينة. ومعيار نسبة الطالب إلى الأستاذ، وهي نسبة تمثّل عدد الطلبة مقابل كل أستاذ في القاعة الواحدة. 

عند النظر إلى الطاقة الاستيعابية لبعض التخصصات في الجامعات الرسمية، نرى أن بعض الجامعات قد تجاوزت هذا المؤشّر وبنسبة عالية، فمثلًا بلغت الزيادة في أعداد الطلبة في تخصص طب الأسنان في جامعتي الأردنية والعلوم والتكنولوجيا 135%، وبلغت الزيادة في تخصص العلاج الطبيعي في جامعات الأردنية والهاشمية والعلوم والتكنولوجيا 165%، بحسب وحدة تنسيق القبول الموحد.

أمّا بالنسبة لمؤشّر نسبة عدد الأكاديميين إلى عدد الطلبة، فتقول هيئة الاعتماد أن النسبة الأنسب لضمان جودة التعليم هي: 1:35 للتخصصات الإنسانية، و1:20 للتخصصات العلمية التطبيقية، و1:20 للمرحلة الأساسية للتخصصات الطبية. لا تتوافر أرقام رسمية تظهر نسبة الأكاديميين إلى الطلبة في الجامعات الرسمية، لكن تقريرًا صادرًا عن وزارة التعليم العالي عام 2015 يشير إلى إن معدل عدد الطلبة إلى عضو هيئة التدريس في الجامعات الرسمية وصل عام 2014 إلى 1:30، ومن المؤمّل وصوله إلى 1:20 عام 2018. ورغم عدم صدور أرقام أحدث بخصوص هذه النسبة إلّا إن تقرير حالة البلاد، الذي صدر عام 2018 عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي وهو هيئة استشارية تقدم للحكومة الأردنية استشارات حول القضايا والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، يشير إلى أن نسبة الطلبة للمدرّسين بلغت في بعض الجامعات الرسمية 1:50. 

يتضح تأثير هذه الأرقام عند ترجمتها إلى واقع يومي تعيشه الجامعات، يقول محمد عامر، وهو أستاذ مساعد في قسم الكيمياء، في الجامعة الأردنية إن الزيادة في أعداد الطلاب في السنوات الماضية قد أثّرت على التدريس من عدة نواح، فبينما يفترض أن يحتكم عدد الطلبة في القاعات التدريسية لمؤشر نسبة الأكاديمي للطالب، ما يحصل في الواقع هو أن هذا العدد إنما يحتكم لعدد المقاعد التي تتسع لها القاعات. وما يحصل معه هو أن المواد التي يدرّسها يتراوح عدد الطلبة فيها بين 40 و90 طالبًا. يقول عامر إن عدد الطلبة في القاعة يؤثر على أدائه كأستاذ؛ فالعدد الكبير وما يرافقه من تشويش يشتّت أفكاره، وفي الوقت نفسه لا يتيح العدد الكبير المجال لمناقشة الطلبة ولا للاستماع إلى ما لديهم من مشاركات وأسئلة. وهو ما تتفق معه براء النمروطي، الطالبة في قسم الهندسة الصناعية، إذ تقول إن القاعات التي يزيد العدد فيها عن 30 طالبًا، عادة ما يُغلق فيها باب الأسئلة، «إذا برفع إيدي وبكون سألت قبل، الدكتور بيحكيلي مش إنت اللي سألت الأسبوع الماضي؟ افتحي مجال لغيرك».

معاذ الزعبي، محاضر في اللغة العربية في الجامعة الأردنية، يقول إن شكل العملية التدريسية يقضي بأن يتم فرض بيئة تعليمية مناسبة، لتسير عملية التدريس وفق خطط يضعها الأكاديميون بناء على المادة الدراسية تحقق الفائدة المرجوة، لكن زيادة عدد الطلبة في القاعة الواحدة، يفرض شكلًا معينًا من التدريس وهو التلقين فقط، الأمر الذي لا يتيح للأساتذة التعرف على مستوى الطلبة بشكل جيد، ولا متابعتهم، ويمنع الطلبة من التعبير عن أفكارهم وتساؤلاتهم، ويشكل عبئًا يستنفد طاقة الأستاذ لأبعد حد، مما يقلل من جودة أدائه في عملية التدريس.

أمّا في المختبرات، فتتمثل المشكلة بعدم إتاحة الوقت لجميع الطلبة لتنفيذ التجارب أو إعادتها، تقول النمروطي إنه عادة ما يتم تجاوز العدد المسموح به في المختبر، ونتيجة زيادة العدد «نضطر أن نقضي النصف الساعة الأولى من وقت المختبر بترتيب آلية الجلوس»، وعند الشروع بتنفيذ تجربة، يتم تقسيم الطلبة لمجموعات وكل مجموعة تقوم بتقسيم أجزاء التجربة فيما بينها، وبالتالي لا يجري الطالب إلّا جزءًا من التجربة، ولا تتسنى له إعادتها. يتفق زيد الخطيب، الطالب في كلية الطب في الجامعة الأردنية، مع كلام النمروطي حول المختبرات، ويضيف إنه لا يوجد التزام بعدد الطلبة المفروض لمواد المختبرات في السنوات التأسيسية، وإنه سبق أن حصلت معهم كطلّاب أن ذهبوا للمشرحة ولم يعاينوا الجثث إلّا عن بعد بسبب عدد الطلاب الكبير، «لازم تقاتل عشان تاخد فرصتك. بالنسبة إلهم بيشرحوا واللي شاف شاف واللي ما شاف عادي».

ومن أوجه تأثير زيادة أعداد الطلبة في الجامعات الرسمية على الأكاديميين، تأثيرها على المسيرة المهنية والتقدم العلمي والوظيفي لهم، إذ مع زيادة أعداد الطلاب، وما يرافقها من زيادة وضغط على وقت الأساتذة، يصبح من الصعب عليهم إعداد البحوث والمؤلّفات التي هي شرط للتقدم الوظيفي، بحسب الدكتور محمد عامر. هذا العبء شكّل عاملًا لهجرة الأكاديميين مواقعهم التدريسية في الجامعات الرسمية لصالح أماكن أو وظائف أخرى، وهي هجرة شكّلت نقصًا في عدد الأساتذة الأكاديميين ونوعيتهم، يقول أيمن الطوخي في مجلة البحث العلمي الصادرة عام 2009: «في عام 2008 فقدت الجامعات الرسمية 17% من كوادرها الأكاديمية لحساب المناصب الإدارية في الجامعات الخاصة ليصبحوا عمداء ورؤساء جامعات، أو الانتقال لمناصب رسمية مثل الوزارات والهيئات الحكومية، أو الذهاب للعمل في جامعات خارج الأردن». 

خاتمة

قبل أيّام، وبحسب الخطيب، اجتمع رؤساء الجامعات الحكومية، مع لجنة التربية والشباب في مجلس النواب، وقد تحدث رؤساء الجامعات خلال اللقاء عن مجموعة من الحلول للاستجابة للزيادة في أعداد الطلبة، من بينها تعيين أعضاء هيئة تدريس جدد، والاستعانة بمحاضرين غير متفرّغين، إضافة إلى تمديد ساعات الدوام.

أمّا عن أسباب الزيادات الحاصلة على مرّ السنوات الماضية فيردّها الخطيب إلى أكثر من سبب بينها الزيادة في أعداد السكان في الأردن، مما يعني تزايد أعداد المتخرّجين من الثانوية العامة وبالتالي تزايد الإقبال على التعليم الجامعي. كما يعزو الخطيب هذه الزيادات إلى افتتاح الجامعات لعشرات التخصصات الجديدة خلال السنوات الماضية.