أم عبد الله: ذاكرة حياة بدوية بين الأردن وفلسطين

أم عبد الله بين جبال قرية فينان جنوب الأردن. تصوير أفنان أحمد.

أم عبد الله: ذاكرة حياة بدوية بين الأردن وفلسطين

الأربعاء 17 حزيران 2020

هذه القصة المصورة نتاج لورشة حبر للسرد القصصي البصري التي أقيمت في كانون الأول/ديسمبر الماضي. انظر/ي بقية القصص على هذا الرابط.

كومة حطبٍ على ظهرِ ثوبٍ أسود شديد الاحديداب، تظنها تسير وحدها، لولا غرّة الشعر البيضاء المتدلية على جبين عيدة العزايزة؛ أم عبد الله. هكذا تبدو وهي تسير لجمع الحطب كلّ يوم في قرية فينان داخل محمية ضانا، مئة كيلومتر جنوب البحر الميت.

«كبيرة كبيرة، حتى إنّي ما أعرف كم عمري»، تقول أم عبد الله، لكنّها ما تزال تحتطب، وتوقد النّار، وترضع الفطمان (صغير الماعز)، وتحيي الضيوف بصوتٍ قويٍّ على عكس ابنتها.

تُخبرنا أم عبد الله عن حياتها قرب نبع عديد في جنوب فلسطين عندما كانت شابة، قبل أكثر من 75 عامًا. كان البدو في تلك المنطقة ينامون في النّهار ويستيقظون في الليل، خوفًا من الطيران الإسرائيلي الذي يحلّق حول النبع خلال النّهار، فيختبئون مع حلالهم وإبلهم بين الجبال. «قبل الغروب ما زلمة يمد راسه من بين الجبال»، تقول أم عبد الله، حتى أصبح غروب الشمس الإشارة للانطلاق وممارسة الحياة. فما أن تغرب الشمس حتى يخرجوا من مخبئهم، ويوردوا الحلال النبع، ويرعوها، ويجمعوا حاجة يومهم من المونة المخزونة على الشجر، ثم يعودوا قبل الفجر للاختباء من جديد في الجبال.

استمر بدو نبع عديد بتغيير مكان اختبائهم، إذ تقول أم عبد الله: «كل مرة نَلبِد بمكان». لهذا السبب أبقوا على مونتهم في مكانٍ ثابت فوق الأشجار الكثيفة المحيطة بالنبع.

استمرت الحياة بالمسير في هذا الجدول الزمني المعكوس إلى أن قتل الطيران الإسرائيلي شقيق زوج أم عبد الله، رميًا بالرصاص، مع قطيع إبله بالكامل، حتى أصبح النبع أحمر اللون. على إثر ذلك، لجأ بدو المنطقة ليلاً إلى وادي عربة في الأردن قبل النكبة، واستقروا في قرية فينان مع العشائر الأردنية التي سكنت المنطقة، نظرًا لقربها وتوفر المراعي والماء فيها. 

قلة من بدو نبع عديد آثرت حياة الاختباء والترقب على اللجوء. أما البقية التي وجدت في فينان «الأمان والطمان [الطمأنينة]»، فأرسل بعضهم للباقين في نبع عديد مراسيل بدويّة في هيئة أبيات شعريّة، تدعوهم للانضمام إليهم في الأردن، جاء في أحدها ما تروي أم عبد الله: «اللي ما يريد إسرائيل ولا يريد طاريه، يقطع حمادن بدا ظله»، أي الذي لا يريد إسرائيل ولا يرد السماع بها، عليه أن يقطع الطريق ليصل إلى الجبال السوداء السهلة (حمادن) التي يظهر ظلها للناظر، وهي جبال فينان.

تستقبلنا أم عبد الله في خيمة كنّتها أم عمر المتواضعة؛ تنظر إلى النار ثم تستعيد حياتها وحياة البدو السابقة. «كبرنا وغدينا قبيلة العزازمة، وبيتنا هو الكبير»، فقد كان بيت أبي عبد الله هو البيت الذي يجتمع فيه الرجال كلّ صباح، ما إن يسمعون صوت دق أم عبد الله القهوة في النَجر (المهباش). ويُحضر بعضهم الماء عند قدومه، أو القهوة أو الشاي أو ما هو أثمن؛ السكر، حتى لا يثقلوا كاهل أبي عبد الله بضيافة الجمع يوميًا.

ينطلق بعدها كلٌّ لعمله كما تعارفت عليه العشيرة، فالنساء إلى الطهي أو الغزل أو النسج، والرجال لنقل الماء أو الاحتطاب أو الرعي «على أطراف الديرة»، وذلك لحراستها ومعرفة قدوم الضيوف. ففي ظل بعد المسافات، لجأ سكان فينان لوسائل مختلفة للتواصل، فعندما يسمعون صوت الشبيبة بوتيرة متعارف عليها فيما بينهم، يعلمون بقدوم الخطر أو الضيف. كما كان البعض يستخدم رشق الحجارة، أو انعكاس أشعة الشمس على المرآة لإيصال رسالة ما للمكان المطلوب. فعلى سبيل المثال، إذا هزّت المرآة أكثر من مرتين، فهذا يعني «احضَر في الحال».

بالرغم من كبر سنها، ووفاة زوجها قبل أكثر من عقدين، إلا أنّها لا تزال تتمتع بحس الدعابة. لكنّ أم عبد الله قد تنام فجأةً في وسط الأحاديث، أو أثناء شرب الشاي بكوبها المعدنيّ المفضل الذي بدت علامات الزمن عليه أيضًا. فهي تصف نفسها بالقول: «ما بيي الحين أنا خلاص» و«قمت أَوَدِر». أي أنّها بدأت تفقد قوتها، وذكرياتها أولاً بأوّل، كما تقول أنّ ساعات النشاط محدودة وليس لها وقت محدد من اليوم، لكنها رغم ذلك لا تزال متمسكةً بأداء الأعمال الصعبة خلالها.

عبد الله، الطفل الذي يركب في المقدمة، هو أحد أطفال القرية. حين كنّا نبحث عن بيت أم عبد الله أخبرنا أنّها جدته، ووصف لنا البيت، وحيّانا ورحب بنا. بعد ذلك تبيّن أنّه ليس حفيدها، ولكن كل أطفال القرية ينادونها «جدة».

توثق سيرة أم عبد الله الحياة في مكانين وزمانين مختلفين، لكنها رغم ذلك لا تملك أي أوراق ثبوتية، على خلاف الجيل الذي تلاها. على الورق، تُعتبر عيدة العزايزة غير موجودة، وإن ماتت قد يبدو أنّها لم تكن من الأساس، لكنّها ستظلّ جدة أطفال القرية وواحدة من أبرز بطلاتها.