كيف يمكن التعامل مع الاكتظاظ في السجون في ظل الجائحة؟

الأحد 25 تشرين الأول 2020
تصميم ندى جفّال

في السادس والعشرين من أيلول الماضي، سُجلت أول إصابة بفيروس كورونا المستجد لنزيل في مركز إصلاح وتأهيل باب الهوى، في محافظة إربد، وذلك بعد اشتباه طبيب مستشفى المركز بوجود إصابة.

لاحقًا تم نقل المصاب إلى مستشفى الأمير حمزة في العاصمة عمّان، بحسب مدير صحة محافظة إربد رياض الشياب، الذي قال لـ«حبر» إنّ النزيل كان مصابًا قبل دخوله إلى مركز الإصلاح والتأهيل ولم يخالط أي نزيل آخر داخل المركز، عدا الأشخاص الذين كانوا معه في المركز الأمني في عجلون وفي عربة نقل الموقوفين. ويشير الشياب إلى أن نتائج العينات التي سحبت من المخالطين للمصاب، وعددهم 14، جاءت سلبية.

منذ بداية الجائحة، اعتمدت مديرية الأمن العام بروتوكولًا صحيًا خصص مراكز إصلاح وتأهيل البلقاء وإربد، ولاحقًا ماركا، لاستقبال النزلاء الجدد وفحصهم للتأكد من خلوهم من كورونا، وهو ما جرى في حالة النزيل الذي أصيب وكان معزولًا قبل دخوله إلى السجن واختلاطه مع باقي النزلاء، حسبما يقول محافظ إربد، رضوان العتوم، لـ«حبر». فيما يؤكد السرطاوي أن مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن، والتي يبلغ عددها 18 مركزًا، لم تشهد سوى هذه الإصابة منذ بدء الجائحة. 

لكن تلك الإصابة جددت المخاوف من احتمالات انتشار الفيروس في السجون، في ظل الاكتظاظ الذي تشهده، وهو ما دفع المجلس القضائي ومحكمة أمن الدولة، في السابع عشر من آذار الماضي، إلى اتخاذ قرار بالإفراج عن الموقوفين في الجنح واللجوء إلى بدائل التوقيف بالنسبة للموقوفين غير المكررين في الجنايات، وذلك لتقليل أعداد الموقوفين قضائيًا في مراكز الإصلاح للحفاظ على سلامة النزلاء مع انتشار فيروس كورونا. 

مخاوف من الاكتظاظ في السجون

كان عمر* (28 عامًا) أحد هؤلاء، إذ خرج من مركز إصلاح وتأهيل بيرين في 27 آذار الماضي، وذلك بعد مكوثه لنحو ستة أشهر بسبب تعاطي المخدرات.

«ما كنا عارفين إيش كورونا، بس عرفنا إنه الوضع بخوّف وخطير»، يصف عمر المشهد وهو يشاهد نشرة أخبار الساعة الثامنة مساءً على شاشة التلفزيون الأردني مع باقي النزلاء داخل المركز، مضيفًا أنه «بعد فترة قطعوا النشرات عنّا عشان الوضع الوبائي وما نخاف، وبلشوا الناس يطلعوا من السجن. أخذوا قرار بالتخفيف من النزلاء ووقعونا على تعهد بالعودة إذا طلبونا لاستكمال مدة الحكم».

«بعد فترة قطعوا النشرات عنّا عشان الوضع الوبائي وما نخاف، وبلشوا الناس يطلعوا من السجن. أخذوا قرار بالتخفيف من النزلاء ووقعونا على تعهد بالعودة إذا طلبونا لاستكمال مدة الحكم».

وبحسب تصريحات تلفزيونية سابقة لمدير إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، العميد عمار القضاة، فقد خرج خلال أزمة فيروس كورونا المستجد منذ 17 آذار الماضي وحتى 17 أيار الماضي، نحو 11 ألف نزيل، وبقي فيها حوالي 12 ألف نزيل. 

يصف عمر الاكتظاظ التي تشهده مراكز الإصلاح، بالقول إن المهجع الذي كان فيه حوى 45 نزيلًا، فيما عدد الأسرّة 24. «بحكوا كورونا ولازم تباعد وإحنا هون فوق بعض، بس الحمد لله ما في إصابات».

أما العشريني جابر* فقد قضى أربعة أشهر في مراكز الإصلاح على خلفية قضية تعاطٍ للمخدّرات، حيث دخل السجن بداية شهر حزيران، وأفرج عنه نهاية أيلول. يقول إنه احتجز في نظارة حيث أُخذت منه عينة للفحص، «وبعدها حجرونا 30 يوم في سجن باب الهوى، وقضيت 60 يوم بسجن أم اللولو، بعدها كملت المدة بسجن ماركا». 

ويضيف: «صحيح كان في عزل للمساجين الجدد، بس جوا السجون في ضغط، والغرفة اللي بتوسع لعشرين فيها 30 نزيل، صعب تحقق التباعد بالسجن».

إجراءات التعقيم ومنع الزيارات

منذ 15 آذار، منعت إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل الزيارات في السجون، قبل أن يتم السماح بها في 17 أيار الماضي، وفق ضوابط محدّدة بينها ألّا يكون اللقاء وجاهيًا بين النزيل وذويه، حسبما يقول السرطاوي لـ«حبر».

ويشير السرطاوي إلى إلزام العاملين في المراكز ورجال الأمن بارتداء الكمامات، والتعامل بشكل فوري مع حالات الاشتباه وعزلها وفقًا للإجراءات الوقائية الخاصة بهذه الحالات، والتعقيم المستمر للمنشآت.

خرج خلال أزمة فيروس كورونا منذ 17 آذار وحتى 17 أيار، نحو 11 ألف نزيل، وبقي فيها حوالي 12 ألف نزيل، بحسب تصريحات العميد عمار القضاة. 

منذ عودتها، تم الاكتفاء بالزيارات عبر الهاتف المخصص مع وجود فاصل زجاجي، ودون أي دون تلامس. «أهلي حكولي لا تخاف الفيروس ما وصل على الأردن. كانوا بهونوا الأمور وما بدهم يخوفوني»، يقول عمر. فيما يضيف نزيل آخر أن ذويه كانوا يزورونه كل أسبوع مرتين، وكان يتحدث معهم عبر الهاتف المخصص للتواصل داخل المركز.

تقول إيفا أبو حلاوة، مديرة منظمة «ميزان» لحقوق الإنسان، إن المنظمة قد وصلتها شكاوى من ذوي نزلاء بعد قرار وقف الزيارات، وتضيف أن المنظمة قد أوصت عبر رسالة وجهتها إلى الحكومة بضرورة استخدام وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي لتعويض منع الزيارات، مع زيادة الوقت الممنوح لكل نزيل، ومراعاة أوضاع كبار السن والأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة.

يوضح مسؤول ملف كورونا في وزارة الصحة، غازي شركس، أنه قد تم منع الزيارات في المستشفيات أيضًا، لذا فمن باب أولى أن يتم منعها في مراكز الإصلاح والتأهيل واستبدالها بخيارات وبدائل أخرى، بعيدًا عن الزيارات المباشرة والاختلاط بين الزوار والنزلاء تجنبًا لنقل العدوى من الخارج لداخل المراكز كونها تعاني من الاكتظاظ. 

ويضيف شركس أن الوزارة تتعامل مع هذه المراكز كما يتم التعامل في حال اكتشاف إصابات بكورونا في إحدى المناطق، إذ تتحرك فرق التقصي الوبائي وتحصر المخالطين وتأخذ العينات منهم، ويتم حجرهم وعزلهم عن بقية النزلاء لحين التأكد من سلامتهم وعدم نقلهم العدوى للآخرين.

تقول المديرة الإقليمية للمنظمة الدولية للإصلاح الجنائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تغريد جبر، إن المنظمة عملت منذ بداية جائحة كورونا بشكل مباشر مع إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل ومديرية الأمن العام حيث وفّرت مواد الوقاية الشخصية لنحو 13 ألف نزيل في جميع المراكز، وتقول جبر إن الأردن كان من أوائل دول العالم التي قامت بتفريغ السجون ومنع الزيارات وتوفير جميع ما يحتاجه النزلاء خلال الأزمة. «وفرنا كمامات وهايجين وسبيرتو وصابون لجميع مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن»، بحسب جبر التي تضيف لـ«حبر» قائلة إن الجهود المبذولة انسجمت مع المعايير الدولية والبروتوكولات التي تم اعتمادها عالميًا وأبرزها تخصيص مكان للنزلاء الجدد قبل نقلهم إلى المراكز والاختلاط مع الموقوفين والمحكومين الآخرين.

وتشير جبر إلى أنه تم تعقيم كافة المراكز الأمنية ومراكز الأحداث، وتوفير نصف مليون كمامة وقفازات، وتوزيعها على هذه المراكز، وإنتاج ممرات تعقيم (وهي أجهزة توضع أمام مداخل المنشآت، يمر الشخص عبرها، وتحتوي على مرشات لمواد التعقيم)، بالتعاون مع النزلاء في مركز إصلاح وتأهيل سواقة وتوزيعها على المراكز الأمنية.  

إفراجات جديدة؟

في الثلاثين من أيلول الماضي، أجلت محكمة أمن الدولة جلسة كانت مقررة لاستكمال النظر بقضية الدخان، حسبما يقول وصفي أبو رمان، محامي المتهمين، وذلك بعد الاشتباه بإصابة ثلاثة نزلاء في القسم الذي يقيم فيه موكلوه.

«الوضع الصحي في السجون قبل وجود كورونا لم يكن مرضيًا فكيف يكون اليوم مع وجود الفيروس، عدا عن القلق النفسي والخوف لدى النزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل»، يقول أبو رمان، مشيرًا إلى أن الاكتظاظ داخل المهاجع هو أكثر ما يقلق النزلاء فالغرفة المخصصة لـ15 شخص بالجويدة تضم اليوم أكثر من 30 نزيلًا، بحسبه.

فيما يؤكد أبو رمان أن مواجهة الوباء خارج السجن أكثر نجاعة من داخله، حتى وإن تم اتخاذ الإجراءات الوقائية نظرًا لوجود أعداد كبيرة في مراكز الإصلاح والفيروس لا يزال ينتشر، داخل المجتمع، بشكل أكبر يوميًا. ويدعو أبو رمان إلى دراسة إمكانية الإفراج عن دفعات جديدة من النزلاء، بحيث تكون أشمل وأوسع مع تقسيم القضايا إلى خطرة وغير خطرة على المجتمع، وتطبيق إجراءات مُحدّدة ومشدّدة على المفرج عنهم وفرض الإقامة عليهم في المنزل ومنعهم من السفر.

بدوره يؤكد السرطاوي أن قرار الإفراج عن مزيد من النزلاء يعود إلى المجلس القضائي والمحاكم.

«الوضع الصحي في السجون قبل وجود كورونا لم يكن مرضيًا فكيف يكون اليوم مع وجود الفيروس عدا عن القلق النفسي والخوف لدى النزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل»

فيما يقول عضو اللجنة الوطنية للأوبئة، وائل هياجنة إن اللجنة لم تناقش موضوع إدارة الأزمة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، مضيفًا أن الوضع الوبائي جيد جدًا بداخلها حتى الآن، وقرار المجلس القضائي ومحكمة أمن الدولة بتفريغ السجون خلال الأزمة يحد من خطر انتشار الفيروس. ويوضح الهياجنة لـ«حبر» أن هذه المراكز لم تسجل إصابات تذكر وهو ما يدل على نجاح الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة، عدا عن ضبط عملية الدخول إليها بعد جائحة كورونا.

وبلغ عدد الإدخالات إلى مراكز الإصلاح والتأهيل عام 2019، نحو 36 ألف نزيل محكوم، فيما بلغ عدد الإفراجات 53 ألف نزيل محكوم للفترة ذاتها، بحسب الإحصائيات الصادرة عن مديرية الأمن العام.

يقول خالد علي، وهو عمّ أحد نزلاء مركز إصلاح وتأهيل الزرقاء، إن الزيارات اختلفت عن الأوضاع عن قبل كورونا، من حيث إلزام ذوي النزلاء بالكمامات والقفازات، ومنع التلامس مع النزلاء، فضلًا عن الصعوبات الأخرى التي فرضها حظر التجول.

يطالب علي بالإفراج عن المزيد من النزلاء، وخاصة في القضايا المالية التي لا تشكل خطورة على أمن وسلامة المجتمع، مضيفًا أن انتشار الفيروس خلال الأيام الماضية بشكل أكبر كان مفزعًا بالنسبة لذويهم، ودفعهم للتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بإخلاء سبيلهم.

أمّا المركز الوطني لحقوق الإنسان، فتقول ميسرة أعمال مفوضية الحماية فيه، نهلة المومني، إنه قدّم مجموعة من التوصيات منذ بداية الأزمة وبشكل دوري حتى اليوم، أبرزها تخفيض نسبة الموقوفين قضائيًا، والتوسع في بدائل التوقيف القضائي، والإفراج عن الموقوفين بسبب قضايا مالية، والإفراج عن الموقوفين إداريًا بموجب قانون منع الجرائم.

وتقول المومني لـ«حبر» إن المركز دعا إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الصحية الوقائية التي من شأنها منع انتشار الوباء داخل المراكز، مثل إجراء فحوصات دورية للنزلاء وتحسين ظروف البيئة الاحتجازية. يشمل ذلك زيادة ساعات التشميس وتهوية المهاجع، وتزويد النزلاء بأدوات النظافة الشخصية وتوفير المياه الساخنة، وتحسين نوعية الغذاء المقدم للنزلاء لرفع القدرة المناعية لديهم لمقاومة الأمراض، وتوفير الكوادر الطبية المؤهلة والمستلزمات الطبية، وتوفير مستلزمات الوقاية من أدوات وملابس خاصة لمرتبات الأمن العام، خاصةّ أولئك الذين يتعاملون وبشكل مباشر مع النزلاء، فضلًا عن توفير مستلزمات الوقاية من معقمات وكمامات وغيرها.

«طبيعة الوضع الوبائي قد تفرض اللجوء إلى منع أو تقليص الزيارات حفاظًا على سلامة النزلاء، إلا أن اللجوء إلى هذه الخيارات يقتضي وضع بدائل مناسبة منها زيادة مدة المكالمات الهاتفية»، تقول المومني، مضيفةً أن المركز يؤكد على تكثيف خدمات الرعاية النفسية للنزلاء ووضع البرامج التي تهدف إلى رعايتهم وتأهيلهم وإشغال أوقاتهم بما يساهم في تخفيف الضغوطات النفسية الناجمة عن عدم تواصلهم مع العالم الخارجي.

وتوضح المومني أن مستوى توفير معدات الوقاية والسلامة العامة، والالتزام بضمان التباعد الاجتماعي لا يصل إلى المستوى المأمول، وهناك حاجة إلى توفيرها في كل المراكز بنفس السوية، مضيفة أن هناك شكاوى من نقص المياه في بعض المراكز وخاصة الساخنة، ومما يؤثر على قدرة النزلاء على الاستحمام.