إضراب حافلات الكوستر: «بدون دعم ما في نقل»

من مجمّع إربد للنقل، تصوير عمّار الشقيري

إضراب حافلات الكوستر: «بدون دعم ما في نقل»

الثلاثاء 25 شباط 2020

في عدد من محافظات المملكة، أضرب عددٌ من مشغلي حافلات النقل المتوسط (الكوستر) مطلع الأسبوع الماضي على خلفيّة إعلان وزارة النقل نيّتها دراسة العمر التشغيليّ لحافلات النقل العام. وكانت الحكومات المتعاقبة قد أجّلت قرار تخفيض العمر التشغيلي للحافلات ثلاث مرّات منذ عام 2008 على ضوء اعتراضات المشغلين. وفي حين يجري الحديث عن طول العمر التشغيلي كشفت هيئة تنظيم قطاع النقل البري لحبر عن دراستها لنظام جديد يعتمد في تحديد صلاحية الحافلة للعمل على المسافة المقطوعة بدلًا من العمر التشغيلي للحافلة.

في هذا الإضراب، لم يكن العمر التشغيلي وحده سبّب الاحتجاج، وإنما كذلك ما احتواه قانون نقل الركّاب للعام 2017، والذي يجبر المشغّلين على الانتقال من الملكيات الفردية للحافلات إلى الانتظام في شركات.

يتخوّف المشغّلون من تأثير تطبيق القانون على مردودهم الماليّ، ولهذا أدرجت الحكومة بندًا في القانون عام 2017 لدعمهم من خلال صندوق دعم الركّاب، لكنّه صندوقٌ غير مفعّلٍ، وما زال موجودًا فقط في القانون.
أمّا بالنسبة للطرف الثالث في المعادلة، وهو الراكب، فلا يرى الحافلة مشكلته، وإنما مشكلته الرئيسة تكمن في عدم معرفته لمواعيد رحلات هذه الحافلات.

يُعرّف نظام تسجيل وترخيص المركبات الحافلة المتوسطة بأنها، المركبة المصمّمة لنقل عدد من الأشخاص يزيد على تسعة ولا يزيد على ثلاثين بمن فيهم السائق. أما الحافلة فهي المركبة المصممة لنقل أكثر من ثلاثين شخصًا.

العمر التشغيلي

تغيّرت التشريعات والقرارات الخاصّة بشروط العمر التشغيلي للحافلة العاملة على خطوط النقل العام في السنوات الأخيرة أكثر من مرّة؛ ففي العام 2009 صدرت أسس وشروط منح التراخيص والتصاريح لتشغيل خطوط نقل الركاب وتعديلاتها[1] ونصّت على أنه «يحدد العمر التشغيلي لها [الواسطة] بـ(15) سنة من تاريخ سنة الصنع للحافلات، و10 سنوات للمتوسطة». ليتم تعديلها[2] في 2015 بأن لا يزيد العمر التشغيلي للحافلة عن 20 عشرين سنة، وللحافلة المتوسطة على 15 سنة.

في العام 2019 أعلن وزير النقل السابق أنمار الخصاونة خلال زيارة إلى الطفيلة نيّة الوزارة رفع العمر التشغيلي للحافلات حتّى 25 عامًا بدلًا من 15 عامًا، والحافلات المتوسطة (الكوستر) حتّى 20 عامًا «بقرار مشروط بأن تكون هذه الحافلات ذات مواصفات فنية خاضعة للفحص الفني وذلك لغاية عام 2020». لكنّه غادر الحكومة دون تطبيق القرار، وبقيت المدّة الخاصة بالعمر التشغيلي هي الموجودة في تعديل 2015.

دون أن يعلن مزيدًا من التفاصيل، أعلن وزير النقل الحالي خالد سيف السبت قبل الماضي إيقاف العمل بالعمر التشغيلي للحافلات الوارد في تعديل 2015 (20 سنة للحافلة الكبيرة و15 سنة للمتوسطة)، وتشكيل لجنة «لإعادة دراسة قرار تحديد العمر التشغيلي للمركبات العاملة على خطوط النقل العام». صبيحة اليوم التالي، أضرب مشغلو حافلات متوسطة (كوستر) في عدة محافظات وطالبوا بالتراجع عن قضية العمر التشغيلي. مساء ذلك اليوم، أوقف الوزير ما كان قد أعلن عنه في اليوم السابق بعدما توصل لتشكيل لجنة «لدراسة العمر التشغيلي من كافة الجوانب».

نظام جديد

في حديثه لحبر، قال صلاح اللوزي، رئيس هيئة تنظيم النقل البري، إنّ هنالك توجهًا لاستبدال النظام الحالي (نظام العمر التشغيلي) لشطب الحافلات العاملة على خطوط النقل العام، ، وإحلال نظام جديدٍ مكانه هو نظام عدد الأميال المقطوعة (Mileage)، وسيعتمد هذا النظام، بحسب اللوزي، فور الانتهاء من عطاء الـ(ITS).

وكانت هيئة تنظيم قطاع النقل قد طرحت عطاءً لأنظمة النقل الذكيّة (ITS)، وقال وزير النقل حينها إنَّ هذا العطاء سيتم من خلاله «تصميم وتنفيذ وتشغيل أنظمة نقل ذكية في النقل العام (..) وأن هذا المشروع سيؤدي إلى تسهيل تقديم الدعم الحكومي للشرائح المستهدفة كالطلاب والمشغلين».

يكشف اللوزي أن من بين مهام هذا النظام حساب العمر التشغيلي للحافلة بناء على ما تقطعه من مسافة لا على أساس عدد السنوات من تاريخ صنعها، «هذا النظام سيُنظّم كل العمليات، العمر التشغيلي بينها، بصير على المايل إيج».

وبحسبه، ستنفّذ هذا النظام شركات عالمية مع ائتلاف أردني، وهو على مستوى المملكة، ولكل سيارات العمومي إذ أنه سيشمل كذلك مراقبة الخطوط، والسرعة، «كلّ سيارة عمومي تحمل ترميز العمومي، ولديها ترخيص من الهيئة، ستكون من ضمن هذا النظام».

يعلق جميل مجاهد، وزير النقل الأسبق، بالقول إن دول العالم تعتمد أحد النظامين؛ العمر التشغيلي أو عدد الكيلومترات المقطوعة، وإن الاستعانة بهذا النظام «بدها قاعدة معلومات من الأساس تبلش فيها، إنه كل سنة عند إجراء الفحص الدوري في الترخيص إنك تثبت العداد وتعرف قديش [المسافة المقطوعة]، القضية ليست سهلة».

ووفقًا للوزي تشكلت اللجنة الفنية لدراسة العروض وخلال الأسبوعين القادمين سيكون هناك إعلان عن انتهاء دراسة العروض والانتقال للعرض المالي، وفي غضون الشهرين القادمين سيكون هناك قرار من هي الجهة التي سيكون أحيل عليها العطاء.

يُجمع كل من قابلناهم من مشغلي الحافلات في إربد وعمّان على ضرورة اعتماد فحص دائرة الترخيص السنوي معيارًا لتقييم صلاحية الحافلة للعمل، دون اللجوء إلى تعميم قرارٍ واحدٍ على جميع الخطوط، إذ أن المسافات تختلف بين خط وآخر، وهذا يجعل استهلاك المركبة تختلف باختلاف المسافة المقطوعة، يقول أحمد العمري مشغل باصات على خط إربد\دير يوسف: «إحنا قاعدين بنشطب باص بكون شغّال مية بالميّة».

يرى حازم زريقات، الاستشاري في مجال النقل والمرور، أن العمر التشغيلي ليس أولويةً إنما تفعيل الرقابة على نوعيّة الحافلات، والأسطول وإجراءات السلامة العامّة، وطريقة قيادة السائقين وتدريبهم هي الأولوية: «هذه الأمور تؤثر في مستوى الخدمة إلي بحصل عليها الراكب، العمر ممكن يكون مهم بس مش أولوية»، وفيما يتعلّق بأي النظامين أفضل، يري زريقات أن نظام الكيلومترات أفضل، لكن «بده يكون في تقنية تتبع وقديش مشي الباص، عمر المركبة رقم، في مركبات قديمة تكون جيدة، وفي مركبات جديدة يكون وضعها سيء».

عن أهمية الدعم في قطاع النقل العام

بحسب تقرير للبنك الدولي، صدر عام 2016، يشغّل قطاع النقل في الأردنّ 7% من القوى العاملة في الأردن. ووفقًا لآخر أرقام هيئة تنظيم قطاع النقل البري فإنَّ عدد الحافلات المتوسطة يبلغ 11620. منها 3620 حافلة متوسطة تعمل على خطوط النقل العام. فيما يبلغ عدد الحافلات الكبيرة 912 حافلة، منها 776 حافلة تعمل في النقل العام.

وعانى هذا القطاع، خلال السنوات الماضية، من ارتفاع الكلف التشغيليّة (المحروقات)، وارتفاع أثمان الحافلات، والقطع والصيانة. يقول عبد الرزاق الخشمان رئيس النقابة العامة لأصحاب الباصات الأردنية، إن أسعار الباصات قد ارتفعت 150%، وأن القطاع يعاني من مزاحمة السيارات الخاصة التي تعمل بالأجرة على خطوط الباصات.

تنصّ المادة 11 من قانون تنظيم نقل الركّاب لسنة 2017،[3]على إنشاء صندوق دعم نقل الركّاب يهدف إلى تطوير ودعم عمليّة النقل من جانب المشغّل والمرافق والخدمة. فيما يتعلّق بالمشغل فإن الصندوق يهدف إلى توفير المنح والقروض لدعم المرخص لهم، ودعم وتطوير العاملين في القطاع.

تتشكّل موارد الصندوق من عدة مصادر هي ما تخصصه الحكومة من الموازنة العامّة، ومما تتقاضاه الهيئة من المرخص لهم، ومن الرسوم والغرامات، ومن الهبات والتبرعات وما تخصصه الهيئة للصندوق، وأخيرًا المبلغ المتأتي من اقتطاع قرشين عن كل ليتر بنزين وسولار تنتجه أو تستورده مصفاة البترول أو أي جهة أخرى. لكنَّ هذا الصندوق موجودٌ فقط في القانون، «هذه المادة غير مفعلّة (..) تمّ تجميد هذا النص، لغاية اليوم ما في اقتطاع في المبلغ الوارد بالنص، ما صار في اتفاق». يقول اللوزي ويرفض الخوض في مزيدٍ من التفاصيل.

يقترح الخشمان أن تدعم الحكومة قطاع النقل من خلال تفعيل صندوق دعم الركّاب على غرار دعم أمانة عمّان الذي يقوم على تلقي المشغل مقابلًا للكيلومترات التي تقطعها الحافلة، «نقل بدون دعم ما في». تدعم أمانة عمّان العاملين في هذا القطاع، لكن تتباين الآراء حول جدوى دعم مشغلي الحافلات المتوسطة على غرار دعم الأمانة للحافلات الكبيرة. يضرب الخشمان مثالًا على صعوبة الوضع الاقتصادي في هذا القطاع في أنه، حتى شركة النقل المملوكة للحكومة (المتكاملة) أوشكت على الإفلاس بسبب الصعوبات التي يواجهها القطاع، رغم الدعم الذي كانت تتلقاه في حدود أمانة عمّان.

في تقريره عام 2018 وجّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي انتقادًا لواقع النقل العام في الأردن من جهة المشغلين على مستوى الراحة والأمان داخل الوسائط، وحدد بشكل واضح باصات (الكوستر) حيث وصفها بأنها غير«مصممة لخدمة النقل العام». وفي المقابل انتقد التقرير عدم وجود سياسة واضحة لدعم النقل العام، موصيًا بتفعيل ما جاء في قانون تنظيم نقل الركاب فيما يتعلق بصندوق دعم الركاب.

الشركات في مقابل الملكيات الفردية

القضية الأخرى التي أضرب بسببها مشغلو الحافلات هي تحويل الملكية الفردية للحافلات إلى شركة، إذ يتخوّف المشغلون من ضرائب إضافيّة تفرض عليهم في حال تسجيل حافلاتهم في شركات، إذ سيكونون بحسب القانون مجبرين على دفع ضريبة دخل.

تنص المادة 13 من قانون تنظيم نقل الركاب لعام 2017: «على المرخص لهم العاملين على خطوط نقل الركاب بموجب تراخيص وتصاريح فردية تصويب أوضاعهم خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ نفاذ هذا القانون من خلال الاندماج في شركة واحدة، [أو] الاشتراك في شركة إدارة الخط الواحد».

يعلّق وصفي السموع، وهو مالك مع أشقائه لعدة باصات على خط دير علّا\عمّان، أن كل هذا التغيير إنما يأتي من أجل قضية ضريبة الدخل، وأنه عندما ذهب لشطب أحد الباصات، تم إجباره على تأسيس شركة وعمل سجّل تجاري، وقد دفع عليه، بحسبه، 950 دينارًا.

يرى زريقات ضرورة وجود تجميع تشتت ملكية هذه الحافلات من أجل الوصول إلى تنظيم الخدمة، لكن ليس شرطًا أن يكون ضمن شركات. يقترح زريقات بديلًا عن الشركات: «في نماذج كثير بالعالم، من خلال تعاونيات، [أو] ممكن من خلال منصة إلكترونيّة».

ويرى زريقات الافتراض بأن تحوّل الملكية الفرديّة إلى شركات يُحسّن الخدمة، افتراض مبني على خطأ: «هيْ عنّا شركات هل هي أفضل؟ بالعكس الناس بتفضل الكوستر مرّات».

في المقابل يرى مجاهد ضرورة تنظيم القطاعات عبر شركات: «لمّا يكون في شخص واحد بيقدم خدمة أو باص يملكه أشخاص، ما عمّ بيفكّر كيف يطوّر عمله (..) هاي مشاكل الملكية الفرديّة، ما بنقدر نعوّل على الملكية الفرديّة في إنه نقدّم خدمة وتخطيط للمستقبل». وفي دراسته، أرجع البنك الدولي «تدني جودة خدمات النقل العام» إلى «تفتت مشغلي الحافلات والتاكسي».

كشف الخشمان لحبر وجود مباحثات شبه نهائيّة بين النقابة ودائرة ضريبة الدخل، وبموجب هذه المباحثات سيدفع المشغّلون في حال انتقالهم للشركات ضريبة دخل مقطوعة، تدفع عند الترخيص بشكل سنوي.

أخيرًا 

من البنود غير المفعلة في قانون تنظيم نقل الركاب هناك قائمة طويلة ضمن «تعليمات المواصفات والشروط اللازمة الواجب توفرها في حافلات النقل العام» مثل ضرورة تزويد الحافلات العاملة بين المدن على جهاز تحديد السرعة لـ(90) كيلومتر في الساعة بين المدن و(60) كيلومتر في الساعة داخل المدن، وبعض الشروط الخاصة بذوي الإعاقة، وأنظمة التكييف، واللوحات الإلكترونية المضاءة التي تحدد اتجاه الحافلة الكبيرة بين المدن وخارج المدن وتواجد أجهزة التنبيه الصوتي والضوئي لتشعر السائق برغبة الراكب بالنزول.

يرى الخشمان أن إضراب بعض مالكي الحافلات المتوسطة يأتي بسبب تراكمات، ويقول إن مالكي الحافلات المتوسطة غير قادرين على تجديد حافلاتهم لأنهم ببساطة «ما عندهم».

لم يدخل أصحاب الكثير من خطوط الحافلات المتوسطة الإضراب لأنهم لم يعرفوا عنه، بحسب السموع. لكن في حال قررت وزارة النقل والهيئة نهاية هذا الشهر المُضيّ بقرارها تخفيض عمر الحافلة سواء أكان بالعمر التشغيلي المحسوب بالسنوات أو بالمسافة المقطوعة «الكل رح يوقف، أول ناس رح نوقف، ما وفيّنا أقساطنا» يقول السموع.

هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).

  • الهوامش

    [1]المادة 13/أ من الأسس والشروط لسنة 2009

    [2] المادة 2/ت من الأسس والشروط لسنة 2015

    [3]المادة 11 منه.