إضراب سائقي «طلبات»: «الشركة عارفة إنّا معتازين الشغل»

الخميس 12 آب 2021
سائقو شركات طلبات معتصمين أمام مقر الشركة في عمان رفضا للتسعيرة الجديدة
سائقون يعتصمون أمام مقر شركة طلبات في عمّان رفضًا للتسعيرة الجديدة، في 1 آب الحالي، تصوير مؤمن ملكاوي.

«أجبرونا نفسخ عقودنا عشان نوقّع عقود جديدة، مع إنه أنا عقدي بنتهي بشهر عشرة، بعثولنا إنه اللي ما راح يفسخ عقده قبل المدة المحددة راح ينهوا معه»، يقول محمد* (30 عامًا) الذي يعمل سائقًا بدوام جزئي (غير متفرغ) مع شركة طلبات لتوصيل الطعام عبر الإنترنت.

في تموز الماضي، أرسلت «طلبات» رسائل عبر تطبيقها للسائقين العاملين معها بدوامٍ جزئي تبلغهم فيها بفسخ عقود الخدمات المبرمة معهم، ودعتهم لتوقيع عقودٍ جديدة بشروط مختلفة ضمن مهلة لا تتجاوز 30 أيلول المقبل. وقد شمل هذا السائقين المتعاقدين مع الشركة ويعملون معها بدوام جزئي فقط، سواءً المتعاقدين معها بشكل مباشر أو من خلال شركات مساندة خارجية متعاقدة بدورها مع «طلبات». علمًا بأن لدى الشركة سائقين يعملون معها موظفين بدوامٍ كامل.  

وبناءً على رسالة «طلبات»، توجّه السائقون لإبرام عقودٍ جديدة مع الشركة، ولاحظوا عند التوقيع أن بند التسعيرة أو أجرة التوصيل لم يحدد، إنما تُرك فارغًا، وعندما استفسر محمد وزملاء له عن هذا البند أكّد لهم مسؤولون في الشركة أن قرار التسعيرة الجديدة سيكون لصالحهم. وكان السائق في عمّان يحصل على مبلغ ثابت لقاء الطلب الواحد مقداره 140 قرشًا بغضّ النظر عن المسافة المقطوعة في التوصيل.

لم يطُل الأمر حتى أعلنت الشركة تغيير نظام التسعيرة ليبدأ تطبيقها في الأول من آب الحالي، حيث خفّضت الشركة أجرة الطلب إلى 110 قروش في عمان، و100 قرش في المحافظات، يضاف إليها خمسة قروش لكل كيلومتر يقطعها السائق من نقطة استلام الطلب في المطعم حتى نقطة التوصيل، على أن هذه الكيلومترات لا تُحتسب وفقًا للمسافة الفعلية التي يقطعها السائق، والتي يمكن تحديدها على خرائط غوغل (Google Maps)، إنما وفقًا لما يسمى «مسافة مانهاتن» أو ما يطلق عليه «هندسة سيارة الأجرة».

وتُعرّف مسافة مانهاتن على أنها المسافة بين نقطتين تشكلان ضِلعي مثلثٍ قائم الزاوية، فيما الضلع الثالث هو أقصر مسافة مستقيمة بينهما (المسافة الإقليدية). ويُعتمد هذا النظام أحيانًا في قياس المسافات نظرًا لأن حساب المسافة المستقيمة بين نقطتين داخل المدن ليس عمليًا؛ حيث غالبا ما تصمّم الشوارع فيها على شكل مربعات أو مستطيلات. وسمّي هذا النظام باسم منطقة مانهاتن في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة ذات التخطيط الشبكي.

مقارنة بين مسافة مانهاتن والمسافة الإقليدية.

لم يقبل بعض سائقي «طلبات» بالتسعيرة الجديدة، فأعلنوا عن إضرابٍ عن العمل واعتصم عشرات منهم مطلع الشهر الحالي أمام مقرّات الشركة في عمّان وإربد والزرقاء.

بالمقابل، ترى الشركة أن اعتراض السائقين هو تعبير عن مخاوف «مشروعة» وفقًا لمحمد طلافحة، مدير اللوجستيات في «طلبات»، قائلًا إن هناك أكثر من طريقة لقياس مسافة التوصيل، «في ناس بستعملو Google Maps، وفي ناس بستعملوا مانهاتن»، موضحًا أنه من المهم أن تكون التسعيرة «عادلة» بحيث تأخذ بعين الاعتبار المسافة المقطوعة في التوصيل بعد أن كانت قيمتها ثابتة.

يزيد طلافحة على ذلك بالقول إن الشركة تنظر في متوسط دخل السائق من الطلب الواحد، ومتوسط  دخله في الشهر، وأن «سعر الطلب كان أحيانًا يتجاوز متوسط ما يصرفه السائق لتوصيل الطلب»، مضيفًا: «السائقين كانوا بيعملوا من طلبات مبالغ أكثر من اللازم للمسافات الصغيرة، وبنفس الوقت كانوا بيعملوا مبالغ أقل من اللازم للمسافات الطويلة».

يختلف محمد مع ما ذهب إليه طلافحة، ويرى أن التسعيرة الجديدة لن تكون عادلة للسائقين العاملين بدوام جزئي لأن المبلغ الثابت في التسعيرة قد انخفض، قائلًا إنه وافق على تجديد العقد لأن القبول بشروط الشركة هو السبيل الوحيد للاستمرار في العمل، «اضطرينا احنا الشباب نوقّع عقد ثاني، على أساس إنه بصبّ بمصلحة السائق، وتفاجأنا بعد توقيع العقد إنهم نزّلوا التسعيرة. طبعا لسوء الحظ إنهم لمّا طلّعوا القرار، زاد سعر البنزين (..) فصفّى الموضوع مخسر».

وكان محمد قد تخرج من كلية التسويق في جامعة جرش عام 2013، وظل عاطلًا عن العمل ما يقرب من خمس سنوات، ما دفعه لاقتراض مبلغ لشراء سيارة واستخدامها للعمل مع شركة طلبات عملًا بنصيحة أصدقاءه، «إحنا أغلب اللي بيشتغلوا بطلبات هم خريجي جامعات بتخصصات مختلفة، (..) مش ملاقي فرصتي بالشغل، والبلد سكّرت بعد كورونا، وصار موضوع الشغل أصعب، وأنا مقبل على زواج»، مضيفًا أن الشركة «كانت داعمة لإلنا، بس بالبداية».

يعمل محمد يوميًا ما يقرب من 12 ساعة، باستثناء الجمعة حيث يعمل لثماني ساعات، ورغم ساعات العمل الطويلة هذه إلا أن صافي دخله أقل مما يحتاجه: «بالتسعيرة القديمة كانت الحياة ماشية على مضض، كنت أشتغل ساعات كثير عشان يطلعلي 700 دينار بالشهر، 300 منهم يروحوا بنزين، و150 قسط سيارة، يعني المبلغ اللي بظل مبلغ كثير قليل لشب بجهّز للزواج».

في اليوم الأول من الاعتصام، اجتمعت الشركة مع عدد من السائقين، من أجل التوصل إلى اتفاق معهم، ثم طلبت منهم تجريب العمل وفق التسعيرة الجديدة لكنهم رفضوا ذلك. بهاء الشوبكي أحد السائقين الذين رفضوا التجريب قائلاً إن العمل خلال هذا الأسبوع «ما رح يوفّي»، خصوصًا مع رفع أسعار البنزين، فضلًا عن التزاماته الأخرى، «هسة أي سيارة بشكل عام، الكيلو بصرف فيها أكثر من شلن، بالمنطق. غير إنهم صاروا يعطونا مسافات أكثر، قبل كانت المسافات أربعة خمسة كيلو، صاروا عشرين يصلن»، مضيفًا أن تجربة زملائه خلال الأيام السابقة تدلّ على عدم جدوى العمل بالتسعيرة الجديدة.

في ثالث أيام الإضراب قررت الشركة رفع بدل المسافة المقطوعة في التوصيل خمسة قروش، لتصبح 10 قروش لكل كيلومتر وفقًا لمسافة مانهاتن. لكن بعض السائقين واصلوا رفضهم، مطالبين بالرجوع إلى التسعيرة القديمة.

«إحنا عم نهلك حالنا، وعم نهلك سياراتنا، بس الشركة عارفة إنّا معتازين الشغل، وإنه أغلبنا هيك هيك راح يشتغل».

لاحقًا أرسلت الشركة رسالة إلى السائقين قالت فيها إن نظام التسعيرة الجديدة «لاقى استحسانًا وترحيبًا من قبل معظم السائقين»، وأن الشركة ستستأنف عملياتها التشغيلية، وتعوّل على السائقين في عملها آملةً منهم الالتزام بمواعيد مناوباتهم وعدم التخلف عنها «حتى لا نضطر لأخذ أية إجراءات لازمة». وقد أعلن سائقون، بعد هذه الرسالة، عن استقالتهم من العمل مع «طلبات» وتوجههم للبحث عن عمل آخر. فيما دعا آخرون لتنظيم الإضراب.

وائل* (24 عامًا) أحد السائقين الذين يفكرون بالبحث عن عمل مع شركات أخرى، وهو طالب هندسة مدنية، ويعمل عادةً بين 10 إلى 12 ساعة يوميًا مع «طلبات» من أجل تأمين قسطه الجامعي ومصاريفه الشخصية، وقد ساعده التعليم الإلكتروني على زيادة ساعات عمله، لكنه يقول إن العمل مع «طلبات» وفق التسعيرة الجديدة لن يغطي التزاماته الجامعية، مضيفًا أن «شغل الخمس ساعات ما بوفّي معنا. إحنا عم نهلك حالنا، وعم نهلك سياراتنا، بس الشركة عارفة إنّا معتازين الشغل، وإنه أغلبنا هيك هيك راح يشتغل».

ويرى وائل أن «طلبات» لم تقدّر «ولاء» السائقين العاملين معها، مضيفًا ان الشركة «باليوم اللي إجينا نعمل إضراب فتحوا طلبات التوظيف، وعملوا كمان تسهيلات للتوظيف».

أما عمر* (25 عامًا) فقد جرّب العمل بالتسعيرة الجديدة، ويرى أنها غير مجدية، «كنت أداوم خمس ساعات، وأروّح بـ11 دينار صافي ربح، بعد التسعيرة بداوم خمس ساعات وبرجع بست دنانير». يعمل عمر مدرسًا للكيمياء في مدرسة خاصة، وكان يتقاضى راتبًا يبلغ 270 دينار شهريا، قبل أن تخفّضه المدرسة إلى 180 دينارًا مستندةً بذلك على أوامر الدفاع إثر جائحة كورونا، وهو ما اضطره للعمل مع «طلبات» بمعدل خمس ساعات يوميًا لمساعدة أهله في بعض التزاماتهم المالية، وتسديد قروض دراسته للبكالوريوس، «بعد الكورونا دورت ع شغل إضافي كثير بس ما لقيت، حتى إجا شخص ضمنّي سيارته ع 200 دينار شهري عشان أشتغل فيها مع طلبات»، يقول عمر.

بعد أكثر من 10 أيام من التجربة، يقول عمر إنه يبحث عن عمل في شركات توصيل أخرى، وقد يلجأ للعمل في في مطعمٍ إضافة إلى التدريس. ويرى أن الإشكالية في نظام حساب المسافة الجديد هو «إنه نظام مانهاتن ما بحسب بشكل دقيق، وبحسب حسبة بتكون ضد الكابتن [السائق]. يعني أنا مشيت خمسة كيلو، بلاقي التطبيق حاسبهم كيلو ونص»، فضلًا عن المسافة غير المأخوذة بالحسبان والتي يقطعها السائق للوصول إلى المطعم من أجل تحميل الطلب.

من اعتصام السائقين أمام مقر «طلبات»، في 1 آب الحالي، تصوير مؤمن ملكاوي.

لم تقتصر المشاركة في الاعتصام على السائقين المتعاقدين مباشرة مع «طلبات»، بل انضم إليهم سائقون يعملون مع شركات مساندة خارجية تتعاقد مع «طلبات» مقابل الحصول على نسبة منها ومن السائقين كذلك. وقد فرضت «طلبات» على شركات المساندة أيضًا تخفيض أجور السائقين لتصبح 110 قروش في عمّان و100 قرش في المحافظات. وكانت هذه الشركات تقتطع 20 قرشًا من أجرة السائقين وتدفع لهم 120 قرشًا للطلب الواحد.

كان سليم* (24 عامًا) أحد هؤلاء المعتصمين، وهو يعمل على دراجة نارية صغيرة (سكوتر)، ويرى أن التسعيرة القديمة بالكاد كانت مجدية بالنسبة لسائقي الشركات المساندة، وصار من الصعب عليه بعد تطبيق التسعيرة الجديدة أن يقدّر دخله من هذا العمل الذي يعتمد عليه بشكل رئيسي، «زمان كان الطلب إله سعر، كنت تعرف حالك إذا اشتغلت عشرين طلب كم راح يطلعلك. هسة إنت مستحيل تعرف، خاصة إنه الشركة ما بتعتمد مسافة Google maps، بتعتمد على حساب مسافة مانهاتن، يعني دايما راح تنحسب المسافة غير عن الإشي اللي بنمشيه بالحقيقة»، يقول سليم.

لهذا يعتبر سليم التسعيرة الجديدة غير عادلة، خصوصًا لأشخاص ليس لديهم أي ضمانات أو تأمينات للعمل: «اشتغلنا freelance بدون أي ضمانات، لا ضمان اجتماعي، ولا تأمين صحي، والظروف المعيشية اضطرتني أشتغل هاي الوظيفة. أنا سبق وصار معي حادث وتعالجت ع حسابي. الشركة بهمها بس توصل الطلب».

وبالعودة إلى محمد، فهو يشعر اليوم أن عمله مهدد بالتوقف، قائلا إن «الشركات الرأسمالية دائمًا هدفها الربح، طيب ما إحنا عصب الشركة يعني لو الشباب كلها وقفت الشغل الشركة بتسكّر. أنا بناشد المسؤولين، وينكم عن الشركات اللي بتتصرف على مزاجها؟ إحنا انتمينا للشركة، وإجينا الاعتصام عشان نتفاهم بالأول وبالآخر. بس الواضح إنه الشركة بتتعامل معنا كأداة مش كموظفين بينتمولها».


* أسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية