في ظل خطورة فتح صالات الأفراح، ماذا حل بالعاملين في القطاع؟

الإثنين 06 تموز 2020
إغلاق صالات الأفراح في كورونا
تصوير محمود همس. أ ف ب

«أنا كبرت بهالقعدة 15 سنة، تعبت نفسيًا والمستقبل مجهول»، هكذا وصف صاحب محل بدلات الأعراس، وائل خطاب، تأثير استمرار إغلاق قطاع صالات الأفراح عليه، نظرًا إلى أن المحل هو مصدر رزقه الوحيد، وهو المعيل لأولاده الموزعين بين الجامعات والمدارس. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومةُ عن فتحِ معظم القطاعات، ظلَّ هذا القطاعُ مغلقًا بسبب فيروس كورونا المستجد، نظرًا للخطورة العالية لصالات الأفراح من الناحية الوبائية، وفق وزير الصحة سعد جابر.

في هذا التقرير، قابلنا مجموعة من العاملين في قطاعات مرتبطة بقطاع صالات الأفراح، مثل فنيي الإضاءة، والمسؤولين عن الموسيقى في الأعراس، والعاملين في فرق الزفة، لنسمع منهم عن الأزمة التي سببتها جائحة كورونا في قطاعهم.

«بنلم بالصيف لنصرف بالشتا»

يروي الخمسينيُّ خطّاب تمسّكه بالأمل بدايات الأزمة «توقعنا فتح القطاع بشهر أربعة»، لكنّه اصطدم باستمرار الإغلاق لأشهر، ما زالت مستمرة، مما راكم عليه ديونًا تمثلت بفواتير الكهرباء وإيجار المنزل ورواتب الموظفات العاملات في المحل والمصاريف الشخصيّة. «صرنا ناخذ من الدكان بالدين»، وهذا ما دفعه لبيع سيارته مطلع حزيران الحاليّ، للإنفاق على عائلته.

يبلغ الإيجار السنوي لمحلّ خطّاب 4800 دينار، فيما تعمل في محله ثلاث موظفات، ألزمه أمر الدفاع رقم 6 بدفع رواتبهنّ كاملةً عن شهر آذار، في حين ساهم الضمان الاجتماعي بدفعِ جُزءٍ من الراتب عن شهريّ نيسان وأيّار.

يرى خطّاب أنَّ عودة محله للعمل لن تعوّض خسارته، خاصةً أنَّ الأعراس مرتبطةٌ بفصل الصيف الذي انقضى معظمه؛ إذ يشهد القطاع عددًا قليلًا من الأعراس خلال فصل الشتاء، «عايشين زي النمل بنلم بالصيف لنصرف بالشتا». كما يخشى من تكدّس البضاعة التي اشتراها قبيل الإغلاق إلى العام القادم، ما يضعه أمام تحدٍ صعب؛ لأن الأزياء تتغيَّر من موسمٍ إلى آخر.

للتعامل مع الأزمة الحالية، أجّل خطاب إعادة المبالغ التي كان بعض العرسان قد دفعوها (العرابين)، فيما استبدل بعضها الآخر بحجوزات لبدلات في مناسبات مستقبلية.

يدير علي أبو غريب (38 عامًا)، واحدة من فرق الزفات والاستعراضات. وقد اعتادت فرقته أن تحيي حفلات في مهرجان جرش، وصيف عمان، ومهرجانات المسرح الحُرِّ وغيرها كل عام. منذ بدء الجائحة، عانت الفرقة من انتكاسة شديدة، فتفرّق أعضاؤها العشرة؛ بعضهم عثر على عمل آخر، فيما انضم آخرون لصفوف العاطلين عن العمل، بحسب أبو غريب.

عانى القطاع خلال السنة الماضية من موسم سيء، «الزباين بطلبوا منا أداء غير عادي وبلبس مميّز، هذا التطوير طلع على راسنا، موسم مضروب»، كما يصف أبو غريب، ومع أزمة الكورونا، ازداد الوضع سوءًا.

يبيّن أبو غريب أنَّ متوسط أعمار العاملين في فرق الزفات يترواح بين 16- 45 عامًا، وأن قلةً منهم أنهوا دراستهم. ويبلغ متوسط يوميّتهم 3- 4 دنانير في حال تم الدفع للفرقة كاملةً مبلغ 40- 45 دينار، وقد ترتفع يوميّتهم لتصل ما بين 5 إلى 10 دنانير في فنادق الخمس نجوم. وبالتالي لا يمتلك أعضاء الفرقة رفاهية التوقف عن العمل، خاصةً أولئك الذين يعيلون عائلاتهم، مضيفًا أن مبلغ 136 دينار الذي تمنحه الحكومة لعمّال المياومة لا يكفي إيجار منازلهم، أو تأمين احتياجاتهم. 

«حتى الدعم التكميلي قدمت عليه حكولي غير مستحق. الوضع في البيت على الله»

لا تختلف الأزمة التي يواجهها فنيّ الإضاءة أحمد عن أزمة سابقيْه؛ إذ قام بشراء معداتٍ للعمل، جزءٌ منها من خلال الاقتراض من البنك وجزء آخر عن طريق الأقساط، لتتراكم عليه فيما بعد، إضافةً لإيجار البيت والمصروف الشخصي، «حتى الدعم التكميلي قدمت عليه حكولي غير مستحق. الوضع في البيت على الله».

خلال الأزمة، وصلت الالتزامات المترتّبة على أحمد حوالي 14 ألف دينار، إضافة إلى رواتب موظفين، إيجار مستودع، التزامات بنكية ومصاريف عائلية، «أملنا الوحيد يرجع يفتح القطاع، عشان نلحق شهرين ثلاث من الموسم اللي بلَّش من شهر أربعة لشهر عشرة».

يستغرب الشاب البالغ من العمر 31 عامًا رفض الحكومة فتح القطاع، خاصة أن من الممكن إجراء فحص كورونا للعروسين وحضور الحفل، ويضيف أن هذا القطاع تحديدًا من الممكن السيطرة على انتشار الفيروس فيه، لو حصل، لأن أسماء الحضور معروفة، ومن الممكن الوصول إليها خلال وقت قياسي.

يقول مسؤول ملف كورونا في الشمال، الدكتور وائل الهياجنة، لحبر إنَّ صالات وقاعات الأفراح ليست ضروريةً وليس هناك حاجة مُلحة لفتحها، كما أنها أماكن غير حيويّة، بعكس الأسواق والمواصلات العامة والصيدليات التي لا يمكن منع الناس من التوجهِ لها أو الاستغناء عنها.

بالتزامن مع دراستها ورعاية طفليها، تعمل أمل* موزعة موسيقى في الحفلات (DJ) منذ سنتين، رفقة والدتها التي تعمل مصوّرة، مع شقيقها متعهّد الحفلات. 

يوفرَّ العمل لأمل قسط الجامعة، إضافةً لمصروفها اليوميّ ومصروف أطفالها. ويتراوح دخلها بين 300 إلى 400 دينار شهريًّا، الأمر الذي وضعها في أزمةٍ بعد توقفه، وتسريح زوجها اللحَّامِ من عمله خلال الأزمة، «قدمنا لعمال المياومة وما طلعلي لا أنا ولا زوجي».

تقول أمل (31 عامًا)، إنها تمكنت من تدبير مصاريف منزلها عبر الاعتماد على مدخراتها التي نفدت مع بداية شهر آيار، لتتراكم عليها الديون بعدها، «هالأيام مش أي حدا بداين، أرن ع فلان وع فلان كان كتير صعب علينا مش سهل».

بحثت الشابةُ عن عملٍ آخر خارج قِطاع الأفراح، وأجرت العديد من المُقابلات التي انتهت برفضها رغم  تخرجها كأولى على تخصصها في الدبلوم، لتنتهي بدين 1000 دينارٍ خلال الأزمة، توزعت بين الطعام والشراب والتزامات المنزل.

خطر الإغلاق الدائم على قطاع صالات الأفراح

«إذا ضل القطاع مسكّر، السنة الجاي بنسكر شركاتنا وبنروّح موظفينا»، يقول لؤي الطريفي، الثلاثيني، مدير إحدى شركات تنظيم الحفلات والمؤتمرات. وتشغّل شركة الطريفي خمسة عمّال، منهم اثنان وافدان، ورغم أنهما يعملان لديه منذ 10 سنوات، إلّا أن برامج الحماية التي قدمتها الحكومة لم توفر لهما ولا لفئة الوافدين أي مساعدة، ولذا اتفق الطريفي معهما على أن يدفع لهما أجرًا محددًا.

يشكو الطريفي من ارتفاع إيجار المستودعات الخاصة بتخزين المعدات التي يستخدمها في عمله، والذي يختص بترتيب احتياجات حفلات الزفاف، من طاولاتٍ وكراسٍ وطعام وإضاءة وصوت وتصوير وغيرها.

ويوضح الطريفي أنَّ دخله يتراوح بين 7000 إلى 8000 دينار شهريًا، يدفع منها أجر عمال المياومة العاملين معه، وإيجار المستودعات، وأثمان تجديد البضاعة كل سنتين، والتي ترتفع قيمتها بسبب الجمارك.

خلال الشهرين الأخيرين من العام الماضي قام الطريفي بشراء بضاعةٍ بقيمة 14 ألف دينار، لكنها وضعت في المستودعات ولم يستطع تأجيرها أو بيعها للفنادق والمزارع وحفلات البيوت والصالات، بسبب الإغلاق. كما يشكو من الوضع السيء لأسرته بقوله «كنا نمَّشي حالنا من هون شوي ومن أبوي شوي، وصفينا بدل ما نصرف 100 دينار نصرف 50»، جاء ذَلك في ظلِّ توقف دخله وعدم وجود بديلٍ.

يلفت الطريفي إلى أن موضوع العربون مشكلةً أخرى لهم، إذ إن الشركة تقوم بتوزيعه على القاعات أو الفنادق أو محلات الإضاءة وما شابه لتثبيت الحجز، ما يعني ضرورة تحصيلها منهم جميعًا وإعادتها للعريس، «الزباين كمان بتطالب بعرابينها، عندي بما قيمته 8000 دينار عرابين خلال الـ3 أشهر، رجعت 70% منها والباقي طلبت منهم يستنوا».

هل يمكن السيطرة على صالات الأفراح في حال فتحها؟

يؤكد نائب رئيس اللجنة التأسيسية لقطاع أصحاب صالات الأفراح نضال أبو مجد، أن توقف القطاع منذ منتصف آذار الماضي لم يضر بالقطاع فقط، وإنما بكل المستفيدين منه من عاملين وطلّاب وعاملات، وبحسبه فقد وصل البعض لمرحلةٍ لا يملكون فيها قوت يومهم.

من جانبه يشير رئيس غرفة تجارة الأردن نائل الكباريتي إلى إجرائهم دراسةً، من المرجح نشرها خلال أيام، تتعلق بالقطاعات المُتضررة من تجميد قطاع الأفراح، إذ تضرر نحو 12 قطاعًا بشكلٍ غير مُباشر، مثل؛ العمالة التابعة للصالات، القطاعات التي تُقدم الغذاء والشراب في هذه الأماكن، قطاع الملبوسات بشكلٍ عام والمتخصص بالأعراس بشكلٍ خاص، صالونات الشعر التي حتى مع استئناف عملها إلا أنها تعتمد على قطاع الأعراس بشكل كبير، إضافةً إلى محلات بيع الزهور وتأجيرِ السيارات.

يبدي أبو مجد استغرابه من عدم فتح القِطاع أُسوةً بغيره من القِطاعات، متطرقًا لاقتراحات اللجنة التي تمَّ عرضها على لجنة الأوبئة ووزارتيّ الصحة والصناعةِ والتجارة فيما يتعلق بالسلامة العامة، والتي تمثلت بفصل كل طاولةٍ عن الأخرى مسافة خمسة أمتار، وتوزيع المعقمات بجانب المصاعد، منع التدخين في صالات الرجال والنِساء، وتقليص السعة الاستيعابيّة إلى 60%، أي أنَّ الصالة التي تتسع لـ100 شخص سيسمح بدخول 60 شخصًا إليها، إضافةً إلى استخدام الأطباق والملاعق المستخدمة لمرةٍ واحدة، وقياس حرارة المدعوين قبل دخولهم للقاعات، ومنع حضور الأطفال دون 10 سنوات وكِبار السن الذين تجاوزت أعمارهم 60 عام، وتوقيع العريس على تعهُّدٍ لعدم حضورهم، وتحكم «الدي جي» بالرقص؛ إذ لن يأذن إلا برقصة العروسين. «أنا متحكم بالأمور عندي، ما بعرف ليش لحد الآن ما حدش رد علينا»، يقول أبو مجد.

من جانبه، يؤكد الهياجنة أن من الصعب السيطرة على هذا القطاع، فعرس إربد -على سبيل المثال- لم يُعرف كُل من حضروه حتى الآن، خاصةً وأن حفلات الزفاف يأتيها المدعوون وغير المدعوين، ويُمنع التصوير داخل قاعات النِساء، بعكس المقاهي التي تنتشر فيها آلات التصوير، بتوجيهاتٍ من وزارة الداخليّة.

ويؤكد مُعلِقًا على اقتراحات أصحاب الصالات بأن القضيّة لا تتعلق بالقانون أو التعليمات وإنما بتنفيذها، فالتجمعاتُ شديدةٌ في صالات الأفراح، إضافةً لعدم وجود آليّة مراقبة واضحة وشديدة وفوريّة؛ ما يخرجها من سُلمِ الأولويات في الوقت الراهن.

وفي إشارة إلى الوضع السيء الذي وصله قطاع صالات الأفراح، والتي يبلغ عددها حوالي 1200 صالة، يقول أبو مجد: «المالك بقلّك أنا بتحمّل أول شهر ثاني شهر بعدين ما بقدر أتحمّل بدي أروح أشتكي عليك، إحنا بالنهاية متضررين، ما عنا مشكلة نسكر لآخر السنة بس يعوضونا».

يبيّن الكباريتي بأن الدراسة ستقدم رقمًا تقريبيًا لحجم الخسائر نتيجة توقف القطاع والقطاعات الأُخرى التي تضررت بشكلٍ غير مُباشر، إضافةً للأضرار الحاصلة على دخلهم؛ لتقديمها لأصحاب القرار.

وكان وزير الصحة، سعد جابر، قد صرّح قبل أيّام، في لقاء مع قناة المملكة، عن توصية تم تقديمها بوضع حزمة إنقاذ لصالات الأفراح. كما أشار إلى أن أخطر أمرين على الوضع الوبائي هما تجمعات الانتخابات وصالات الأفراح، قائلًا عن الصالات: «يا بنحمي الناس، يا بنسمح نفتحها».

فيما حاول بعض المتضرّرين الحصول على قروضٍ بنكيّةٍ غيرَ أنَّ ردَّ البنوكِ تمثّل بأن الصالات مُغلقة؛ ولذا لا يمكنهم الحصول على قرض، بحسب أبو مجد.

* اسم مستعار.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.