لماذا لن ننجح على الأغلب في احتواء فيروس كورونا

أخصائي يمسك عينة من فحص للكورونا في مختبر في مدينة شتوتغارت الألمانية. توماس كينزل، أ ف ب.

لماذا لن ننجح على الأغلب في احتواء فيروس كورونا

الأحد 01 آذار 2020

نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة «ذا أتلانتك» في 24 شباط 2020.

في أيار 1997، أصيب طفل في الثالثة من عمره بما بدا أنه نزلة برد عادية. ولكن عندما تواصلت أعراض المرض، كالتهاب الحلق والحمى والسعال، لستة أيام، نُقل الطفل إلى مستشفى الملكة إليزابيث في هونغ كونغ. وهناك ساء سعاله أكثر وبدأ يتنفس بصعوبة، ثم فارق الحياة، برغم العناية الحثيثة.

محتارين من انتكاس حالته السريع، أرسل أطباء الولد عينةً من بلغمه إلى وزارة الصحة الصينية. ولكن بروتوكول الفحص المعتاد عجز عن تحديد الفيروس المتسبب بالمرض بشكل تام، فقرر كبير أخصائيي الفيروسات إرسال جزء من العينة إلى زملائه في بلدان أخرى.

انتظرت عينة من بلغم الطفل دورها شهرًا في أحد المراكز الأمريكية للوقاية من الأمراض ومكافحتها في مدينة أتلانتا، ضمن عملية بطيئة لتحليل مطابقة الأجسام المضادة. أكدت النتيجة، في النهاية، أن الفيروس كان نوعًا مختلفًا من الإنفلونزا؛ الفيروس الذي قتل أشخاصًا أكثر من أي فيروس آخر عبر التاريخ. ولكنّ هذا النوع من الإنفلونزا لم يُكتشف في البشر من قبل. لقد كان «H5N1» أو «إنفلونزا الطيور»، والذي اكتشف قبل ذلك بعقدين، ولكنه كان معروفًا بإصابته للطيور لا غير.

حين اكتُشف نوع الفيروس، كان آب قد حل. أرسل العلماء نداءات تحذير حول العالم، وقتلت الحكومة الصينية 1.5 مليون دجاجة على وجه السرعة (برغم احتجاجات مزارعي الدجاج). بعد ذلك، عُزل المصابون من البشر، وجرت مراقبتهم عن كثب. وبحلول نهاية العام، سُجلت 18 حالة إصابة بالمرض بين البشر، وتوفي ستة أشخاص منهم. 

اعتُبرت هذه الإجراءات استجابةً عالمية ناجحة، ولم يظهر الفيروس مرة أخرى لسنوات. كانت حدّة المرض أحد الأسباب التي سمحت باحتوائه؛ فالمصابون به يُظهرون أعراضًا شديدة وواضحة، إذ يبلغ معدل وفاة المصابين بإنفلونزا الطيور حوالي 60% من مجمل المصابين؛ إن أصبت به، فلن تنجو على الأغلب. لم يقتل الفيروس، برغم ذلك، سوى 455 شخصًا منذ عام 2003. وعلى العكس من إنفلونزا الطيور، فإن معدل وفاة المصابين بأصناف الإنفلونزا الأقل حدة يبلغ أقل من 0.1%، ولكنها تتسبب بوفاة مئات الآلاف من البشر كل عام.

علاوة على ذلك، فإن المرض الشديد الذي تسببه فيروسات مثل إنفلونزا الطيور عنى سهولة رصد المصابين به، وبالتالي سهولة عزلهم، أو يعني وفاتهم السريعة بعد الإصابة به. فهم لم يواصلوا حياتهم المعتادة، شاعرين بوعكة طفيفة لا أكثر، وناشرين العدوى بين غيرهم. أما فيروس كورونا المستجد (المعروف تقنيًا باسم SARS-CoV-2)، الآخذ بالانتشار حول العالم، فيمكن أن يسبب اضطرابًا تنفسيًا قد يكون شديدًا. إلا أن نسبة وفاة المصابين بالمرض (المعروف باسم COVID-19 كوفيد-19) لا تتجاوز الـ2% من إجمالي المصابين، وهي أقل بأضعاف من أغلب الأمراض التي شغل تفشيها الأخبار العالمية. ولكنّ الذعر الذي سببه الفيروس كان بسبب معدلات وفياته المنخفضة، وليس برغمها.

تتشابه فيروسات كورونا وفيروسات الإنفلونزا من ناحية احتواء النوعين على شرائط أحادية من الحمض النووي الريبوزي (RNA)*. وهناك أربعة أنواع من فيروسات كورونا تصيب البشر عادة، وتسبب لهم نزلات برد، ويُعتقد أنها تطورت لتزيد انتشارها إلى أقصى حد؛ مما يعني زيادة إصابة الناس بها، دون التسبب بوفاتهم.

على النقيض من ذلك، في المرتين السابقتين التي تفشى فيها فيروس كورونا (SARS سارس؛ أي المتلازمة التنفسية الحادة الشديدة، وMERS ميرس؛ أي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والتي سميت نسبة إلى موقع أول انتشار لها)، كان الفيروس قد انتقل إلى البشر من الحيوانات، كما كان الحال مع إنفلونزا الطيور. كانت هذه الأمراض مميتة للغاية للبشر، والحالات الطفيفة أو الخالية من الأعراض كانت قليلة جدًا، إن لم تكن معدومة. ولو كان عددها أكبر، لانتشر المرض على نطاق واسع.  في نهاية المطاف، قتلَ كلٌ من سارس وميرس مجتمعين أقل من 1000 شخص.

سُجّل أكثر من ضعف هذا العدد من الوفيات نتيجة كورونا المستجد حتى الآن. هذا الفيروس مختلفٌ عن أغلب الفيروسات التي تشغل الرأي العام بسبب خليطٍ من الخصائص الفعّالة: إنه قاتل، ولكن ليس قاتلًا جدًا، وهو يُمرض الناس بطرق غير فريدة أو قابلة للتنبؤ. ففي الأسبوع الماضي، تبين إصابة 14 أمريكيًا بالمرض بعد فحصهم وهم على متن سفينة سياحية في اليابان، برغم أنهم لم يشعروا بأي سوء. الفيروس المستجد قد يكون الأكثر خطورة لأنه لا يسبب، أحيانًا، أي أعراض على الإطلاق.

الفيروس المستجد قد يكون الأكثر خطورة لأنه لا يسبب، أحيانًا، أي أعراض على الإطلاق.

استجاب العالم لانتشار الفيروس بسرعةٍ وحشدٍ للموارد غير مسبوقين. فقد اكتُشف الفيروس الجديد بسرعة شديدة، إذ حدّد علماء صينيون تسلسل شريطه الوراثي (الجينوم) وشاركوه مع العالم في غضون أسابيع. وتشارك المجتمع العلمي العالمي البيانات الجينومية والسريرية بمعدلات غير مسبوقة، وتجري عملية تطوير لقاح على قدم وساق. وسنّت الحكومة الصينية تدابير احتواء صارمة، وأعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ على المستوى الدولي. حصل كل هذا في فترة أقصر بكثير من الوقت الذي استغرقه اكتشاف إنفلونزا الطيور في 1997. ومع ذلك، يستمر الفيروس بالانتشار.

يتردد أستاذ علم الأوبئة في هارفارد، مارك ليبستش، في اختيار كلماته، رغم اختصاصه في المجال. حيث بدأ مرتين، خلال محادثتنا، بقول شيء، ثم توقف ليقول: «في الواقع، دعني أبدأ من جديد». ولذا، من المفزع أن إحدى النقاط التي أراد إيصالها بشكل دقيق هي: «أعتقد أن النتيجة المرجحة هي أن الفيروس لن يكون قابلًا للاحتواء في النهاية».

أول الخطوات في مواجهة أي تفشٍ لفيروس هي الاحتواء. ولكن في حالة كورونا المستجد، يتلاشى احتمال منع انتشار الوباء (وهو طرح غير معقول أصلًا) مع مرور الأيام.  ابتداء من كانون الثاني، بدأت الصين بتطويق مناطق أوسع تدريجيًا، انطلاقًا من مدينة ووهان، وانتهاء بتطويق قرابة 100 مليون شخص. وحُظر الناس من مغادرة منازلهم، ووُبّخوا بطائرات مسيرة لو ضبطوا خارجها. ومع ذلك، سُجل وجودٌ للفيروس في 24 دولة حتى الآن.

يستمر تصعيد هذه الحملة، رغم اتضاح انعدام فاعلية هذه التدابير، مقارنةً بتكلفتها الاجتماعية والاقتصادية الفادحة على الأقل. إذ أعلنت الحكومة الصينية يوم الخميس الماضي، بفعل الضغط السياسي من أجل «إيقاف» الفيروس، أن مسؤولين في مقاطعة «هوبي» سيتفقدون المنازل واحدًا واحدًا، بغية فحص الأشخاص للكشف عن الحمى أو أي علامات للمرض، ثم إرسال جميع الحالات المحتملة إلى معسكرات الحجر الصحي. ولكنّ انتشار الفيروس قد يكون حتميًا، حتى ولو توفر حجرٌ مثالي. إذ إنّ فحص الأشخاص الذين يُظهرون علامات الإعياء الشديد هي استراتيجية غير مناسبة لأن الناس ينشرون الفيروس لغيرهم من دون الشعور بأي أعراض صحية تجبرهم على التزام بيوتهم.

يتوقع ليبسيتش إصابة 40% إلى 70% من الناس حول العالم بالفيروس في غضون العام المقبل. لكنه يوضح بشكل قاطع أن هذا لا يعني إصابتهم جميعًا بأمراض خطيرة، حيث قال إن «المرجح أن يصاب الكثير منهم بمرض طفيف، أو قد تكون العدوى غير مصحوبة بأي أعراض». أي كما هو الحال مع الإنفلونزا، التي غالبًا ما تهدد حياة كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض صحية مزمنة، وتمر أغلب حالاتها من دون رعاية صحية. (بشكل عام، لا يواجه حوالي 14% من المصابين بالأنفلونزا أي أعراض).

ليس ليبسيتش وحده من يعتقد أن هذا الفيروس سيستمر بالانتشار على نطاق واسع، فالإجماع الآخذ بالتشكل بين علماء الأوبئة هو أن النتيجة الأكثر ترجيحًا لهذا التفشي هي مرض موسمي جديد؛ أي فيروس كورونا «مزمن» خامس. وإذا اتبع الفيروس حذو الفيروسات الأربعة السابقة، التي لا يطور المصابون بها مناعة طويلة الأمد ضدها، وإذا ظلّ المرض شديدًا كما هو عليه الآن، فقد يتحول موسم «البرد والإنفلونزا» إلى «موسم البرد والإنفلونزا وكوفيد-19».

ليس معروفًا في هذه المرحلة عدد الأشخاص المصابين. وحتى يوم الأحد الماضي، كانت هناك 35 حالة مؤكدة في الولايات المتحدة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. لكن تقدير ليبسيتش «التقريبي جدًا جدًا» والمبني على «افتراضات عديدة متراكمة فوق بعضها» على حد قوله، كان أن 100 أو 200 أمريكي أُصيبوا بالفيروس. وهذا جلّ ما يتطلبه الفيروس ليتفشى على نطاق واسع في الولايات المتحدة. ويعتمد معدل الانتشار على مدى عدوى المرض في الحالات المعتدلة. يوم الجمعة الماضي [21 شباط]، وثّق علماء صينيون في تقرير نشروه في المجلة الطبية «جاما» (JAMA) وجود حالة واضحة لانتشار الفيروس من دون أعراض، لمريض كانت صورة الأشعة المقطعية (CT scan) لصدره طبيعية. وببرود، خلص الباحثون إلى أنه إذا لم تكن هذه النتيجة شاذة وغريبة، فإن «الوقاية من عدوى كورونا المستجد ستكون صعبة».

يتوقع ليبسيتش إصابة 40% إلى 70% من الناس حول العالم بالفيروس في غضون العام المقبل. لكنه يوضح بشكل قاطع أن هذا لا يعني إصابتهم جميعًا بأمراض خطيرة

حتى لو كانت تقديرات ليبستش لحجم الظاهرة خاطئة، فإن التشخيص العام لن يتغير على الأرجح. يقول ليببستش: «يصعب اكتشاف مئتي حالة من حالات الإصابة بمرض شبيه بالإنفلونزا خلال موسم الإنفلونزا، إن لم تكن تجري فحوصًا لذلك. ولكن سيكون من الجيد حقًا أن نعرف صحة ذلك من عدمه عاجلًا وليس آجلًا. والطريقة الوحيدة للتأكد هي بإجراء الفحوصات».

في البداية، نُصح الأطباء في الولايات المتحدة بعدم فحص الأشخاص إلا إذا زاروا الصين أو كانوا على اتصال مع شخص تم تشخيصه بالمرض. خلال الأسبوعين الماضيين، قال مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأمريكي منها إنه سيبدأ فحص الناس في خمس مدن أمريكية في محاولة لتقدير عدد المصابين فعلًا، لكن الفحوص لا تزال غير متوفرة على نطاق واسع. وقالت جمعية مختبرات الصحة العامة الأمريكية، يوم الجمعة الماضي، أن الولايات الوحيدة القادرة على فحص الأشخاص لهذا الفيروس هي كاليفورنيا ونبراسكا وإلينوي فقط.

تُصعّب قلة البيانات مسألة التشخيص. ويظهر القلق من استحالة احتواء المرض، ومن استمراره إلى أجل غير معلوم، جليًا في السباق العالمي لإيجاد لقاح مضاد له. إذ أن هذه إحدى اوضح الاستراتيجيات لإنقاذ الأرواح في السنوات المقبلة.

خلال الشهر الماضي، ارتفعت أسعار أسهم شركة أدوية صغيرة تحمل اسم إنوفيو (Inovio) بأكثر من الضعف بعدما انتشرت تقارير، خلال منتصف شهر كانون الثاني، عن اكتشاف الشركة لقاحًا لفيروس كورونا المستجد. وترددت هذه المزاعم في العديد من التقارير الصحفية رغم عدم صحتها من الناحية الفنية. فاللقاحات، حالها حال الأدوية الأخرى، تتطلب عملية فحص طويلة للتأكد من قدرتها على حماية الناس من المرض فعلًا، وبطريقة آمنة. ما فعلته هذه الشركة، وغيرها من شركات الأدوية، هو نسخ جزء صغير من الحمض النووي الريبوزي (RNA) الخاص بالفيروس، والذي يمكن أن يعمل ذات يوم كلقاح. وعلى الرغم من أنها خطوة أولى واعدة، إلا أن وصفها بـ «الاكتشاف» شبيه بالإعلان عن عملية جراحية جديدة بعد شحذ مبضع جراحي لا غير.

وبالرغم من أن تحليل المتتاليات الجينية بات سريعًا للغاية، إلا أنّ إنتاج اللقاحات فنٌ بقدر ما هو مسألة علمية. يستوجب إنتاج اللقاح إيجاد تسلسل فيروسي يسبّب، بشكل موثوق، ذاكرة مناعية وقائية ضد الفيروس، دون إثارة استجابة التهابية شديدة، قد تتسبب بدورها في ظهور أعراض المرض. (على الرغم من عدم قدرة لقاح الإنفلونزا على إصابة متلقيه بالإنفلونزا، يحذر مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن اللقاح قد يسبب «أعراضًا شبيهة بأعراض الإنفلونزا«). يتطلب الوصول إلى هذه النقطة المنشودة إجراء الفحوصات، عبر النماذج المخبرية وعلى الحيوانات أولًا، ثم على البشر في النهاية. فلا يمكن ببساطة إرسال مليارات الجينات الفيروسية حول العالم فور لحظة اكتشافها بهدف حقن الجميع بها.

ليست شركة التكنولوجيا الحيوية الصغيرة «إنوفيو» الوحيدة في مجالها التي تسعى لإنتاج تسلسل يحقق ذلك التوازن، فهناك «مودرنا» (Moderna)، و«كيورفاك» (CureVac)، و«نوفافاكس» (Novavax)، وغيرها. ويسعى باحثون أكاديميون أيضًا نحو الهدف ذاته، في جامعة «إمبريال كوليدج» في لندن، وكذلك علماء حكومات دول عديدة، بما في ذلك في معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة. في كانون الثاني الماضي، كتب أنثوني فوشي، رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وهو أحد معاهد الصحة الوطنية، في دورية «جاما» العلمية، أن الوكالة تعمل بسرعة تاريخية لإيجاد لقاح. انتقل الباحثون، خلال تفشي فيروس «سارس» في عام 2003، من تحديد التسلسل الجيني للفيروس، إلى المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاح، في غضون 20 شهرًا. وكتب فوشي أن فريقه أتم ذلك، عند بحثهم عن لقاحات لفيروسات أخرى، خلال ما يزيد قليلًا عن ثلاثة أشهر. أما بالنسبة لفيروس كورونا المستجد، فإنهم «يأملون في التحرك بسرعة أكبر».

خلال الأعوام الأخيرة، انتشرت كذلك نماذج مؤسسية جديدة تعد بتسريع تطوير اللقاحات، أحدها كان «التحالف من أجل التأهب للأوبئة» (CEPI)، والذي أُطلق لأول مرّة عام 2017، في النرويج، بهدف تمويل وتنسيق تطوير لقاحات جديدة. وتشتمل قائمة مؤسسيه على كل من حكومات النرويج والهند، وصندوق «ويلكم»، ومؤسسة «بيل ومليندا غيتس». وتتدفق أموال المجموعة حاليًا إلى «إنوفيو» وغيرها من الشركات الصغيرة الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، لدفع مديريها على المجازفة والانخراط في تطوير اللقاحات. ويشاطر الرئيس التنفيذي للمجموعة، ريتشارد هاتشيت، فوشي تصوره للجدول الزمني للعملية: ابتكار لقاح لكورونا المستجد جاهز للمراحل المبكرة من اختبارات السلامة في نيسان المقبل. وإذا سارت جميع الأمور على ما يرام، فقد تبدأ الاختبارات في أواخر الصيف للتأكد من قدرة اللقاح على منع المرض بفاعلية.

عمومًا، وإذا سارت كل الامور كما هو مطلوب، فإن هاتشيت يقدّر أن يستغرق الأمر ما بين 12 إلى 18 شهرًا قبل اعتبار المنتج الأوليّ فعالا وآمنا للاستخدام. وهذا الجدول الزمني «تسريع هائل للعملية مقارنة بتاريخ تطوير اللقاحات» وفقًا له، ولكنه أيضًا جدول طموح على نحو غير مسبوق، فقد أضاف أن «اقتراح جدول زمني كهذا في هذه المرحلة، بحد ذاته، أمرٌ ملهم للغاية».

وحتى لو تحقق هذا التقدير المثالي الذي سيستغرق عامًا، سيحتاج المنتج الجديد إلى التصنيع والتوزيع. وقال هاتشيت إنّ «إحدى الاعتبارات الهامة هو إمكانية توسيع هذه المقاربة لإنتاج ملايين أو حتى مليارات الجرعات خلال الأعوام القادمة». وإذا تفاقم إغلاق الحدود وانقطاع سلاسل الإمداد، خصوصًا في حالة الطوارئ القائمة، فقد يكون التوزيع والإنتاج صعبًا من الناحية اللوجستية المحضة.

ويبدو أن تفاؤل فوشي الأولي يتضاءل أيضًا؛ فقد قال الأسبوع الماضي إن عملية تطوير اللقاحات «صعبة ومُحبطة للغاية». فبالرغم من كل أوجه التقدم في العلوم الأساسية، لا يمكن أن تنتهي العملية بإنتاج لقاح فعلي دون إجراء اختبارات سريرية مكثفة، ما يتطلب تصنيع العديد من اللقاحات ومراقبة نتائجها بدقة على المصابين. وقد تكلّف العملية في نهاية الأمر مئات الملايين من الدولارات، وهي أموال لا تملكها المعاهد الوطنية للصحة ولا الشركات الناشئة ولا الجامعات، كما أنها لا تملك أيضًا مرافق وتكنولوجيا الإنتاج اللازمة لتصنيع اللقاح وتوزيعه على نطاق واسع.

وجدت شركات الأدوية عمومًا أن الاستثمار في الأدوية التي تُستخدم يوميًا لعلاج أو منع تطور الحالات المزمنة مربح أكثر.

لطالما كان إنتاج اللقاحات مرهونًا بالاستثمار من إحدى شركات الأدوية العالمية العملاقة المعدودة. في معهد «آسبن» الأسبوع الماضي، عبّر فوشي عن أسفه لعدم «تقدم» أي جهة للالتزام بصناعة اللقاح. وقال «إن الشركات التي تملك المهارات اللازمة التي تمكنها من صناعة اللقاح، لن تتأهب للعمل عند حاجتنا إليها». وحتى لو فعلت ذلك، فإن إنتاج منتج جديد مثل هذا قد يعني خسائر فادحة بالنسبة لها، خاصة إذا تلاشى الطلب عليه، أو إذا اختار الناس، لأسباب معقدة، عدم استخدام المنتج.

إن إنتاج اللقاحات عملية صعبة للغاية، ومرتفعة التكلفة، وذات مخاطر عالية، إلى حد أنه في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت شركات الأدوية في تحمل تكاليف قانونية جراء الأضرار المزعومة التي سببتها اللقاحات للمرضى، قررت شركات كثيرة التوقف عن صناعتها ببساطة. وبهدف تحفيز صناعة الأدوية على الاستمرار في إنتاج هذه المنتجات الحيوية، عرضت الحكومة الأميركية تعويض أي شخص يدعي إصابته بضرر جراء أخذ إحدى اللقاحات، ويستمر ذلك حتى يومنا هذا. ومع ذلك، فقد وجدت شركات الأدوية عمومًا أن الاستثمار في الأدوية التي تُستخدم يوميًا لعلاج أو منع تطور الحالات المزمنة مربح أكثر. وقد تُشكل فيروسات كورونا تحديًا خاصًا لهذه الشركات، لأنها في جوهرها، حالها حال فيروسات الإنفلونزا، تحتوي على سلاسل أحادية من الحمض النووي الريبوزي. ومن المرجح حدوث طفرة في هذه الفئة الفيروسية، ما يعني أن اللقاحات قد تحتاج إلى تطوير مستمر، كما هو الحال مع الإنفلونزا.

يخبرني جاسون شوارتز، الأستاذ المساعد في كلية ييل للصحة العامة، والذي يدرّس سياسات اللقاحات، أنّه «إذا علّقنا كل آمالنا على اللقاح كحلٍّ للفيروس، فنحن في ورطة». إن أفضل سيناريو ممكن، برأيه، هو تطوير هذا اللقاح بعد فوات الأوان، وفي وقت متأخر إلى حد أنه لن يحدث فرقًا في حالة التفشي الحالية. وتكمن المشكلة الحقيقية في أن الاستعداد لهذا التفشي كان يجب أن يحدث خلال العقد الماضي، منذ انتشار سارس. «لو لم نهمل برنامج بحوث لقاح سارس، لامتلكنا كمًّا أكثر بكثير من هذا العمل التأسيسي الذي كان بإمكاننا تطبيقه على هذا الفيروس الجديد ذي الصلة الوثيقة به»، يقول شوارتز. ولكن، كما هو الحال مع فيروس إيبولا، فقد تبخر التمويل الحكومي وتطوير صناعة الأدوية بمجرد انقشاع الإحساس بالأزمة. «انتهى المطاف ببعض الأبحاث المبكرة موضوعة على الرفوف بسبب انتهاء ذلك التفشي قبل أن يتحتم تطوير لقاح بشكل عاجل».

أورد موقع «بوليتيكو»، يوم السبت الماضي، أن البيت الأبيض يستعد لطلب تمويل طارئ مقداره مليار دولار من الكونغرس، بغرض التصدي لفيروس كورونا المستجد. وسيأتي هذا الطلب، في حال تحققه، في الشهر ذاته الذي أصدر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقترحًا جديدًا للميزانية من شأنه أن يخفض من العناصر الأساسية للتأهب للأوبئة، كتخفيض تمويل مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والمعاهد الوطنية للصحة والمعونات الخارجية.

هذه الاستثمارات الحكومية طويلة الأجل مهمة لأن إنتاج اللقاحات، والأدوية المضادة للفيروسات، وغيرها من الأدوات الحيوية، يتطلب عقودًا من الاستثمار الجاد، حتى عندما يتراجع الطلب عليها. وغالبًا ما تعاني الاقتصادات الرأسمالية في تطوير منتج لا يوجد طلب فوري عليه، وفي توزيع المنتجات على المناطق التي تحتاج إليها. ويثنى على «التحالف من أجل التأهب للأوبئة» باعتباره نموذجًا واعدًا لتحفيز تطوير اللقاحات قبل بدء حالات الطوارئ، ولكن ثمة متشككين في المجموعة أيضًا. فقد كتبت منظمة «أطباء بلا حدود»، العام الماضي، رسالة مفتوحة لاذعة، قائلة إن النموذج لم يضمن التوزيع العادل أو القدرة على تحمل التكاليف. وحدّث التحالف لاحقًا سياساته في سبيل إعطاء الوصول العادل أولوية أكبر. وأطلعني مستشار الابتكار الطبي وتسهيل الوصول في «أطباء بلا حدود»، مانويل مارتن، الأسبوع الماضي أنه بات يشعر بتفاؤل حذر، قائلًا إن «التحالف من أجل التأهب للأوبئة واعدٌ للغاية، ونأمل حقًا أن ينجح في إنتاج لقاح جديد». ومع ذلك، ينتظر هو وزملاؤه «متابعة كيف سيطبق التحالف التزاماته على الصعيد العملي».

لا تنحصر أهمية هذه الاعتبارات في العمل الخيري الإنساني فحسب، ولكنها مهمة لكونها سياسة فعالة. فإيصال اللقاحات وغيرها من الموارد إلى الأماكن الأشد حاجة لها هو أمر ضروري لمنع انتشار المرض على نطاق واسع. خلال تفشي إنفلونزا «H1N1» عام 2009، على سبيل المثال، تعرضت المكسيك لضربة شديدة. لكنّ أستراليا، التي لم تتعرض لذلك، منعت صادرات صناعة الأدوية حتى استيفاء طلب الحكومة الأسترالية من اللقاحات. كلّما أمعن العالم في الانغلاق وعقلية الحفاظ الذاتي، بات من الصعب تقييم المخاطر بشكل رصين وتوزيع الأدوات بفاعلية؛ من اللقاحات وأقنعة التنفس إلى الغذاء وصابون تنظيف اليدين.

باتت كلّ من إيطاليا وإيران وكوريا الجنوبية من بين الدول التي أبلغت عن أعداد تتزايد بوتيرة سريعة من الإصابات بفيروس كورونا المستجد. وقد استجابت العديد من الدول للفيروس بمحاولات الاحتواء، على الرغم من الفعالية المشكوك فيها والأضرار الكامنة في حملة العزل الصينية غير المسبوقة تاريخيًا. وفي حين أن بعض تدابير الاحتواء مناسبة، إلا أن حظر السفر على نطاق واسع وإغلاق المدن وتكديس الموارد ليست حلولًا واقعية لتفشي مرضٍ سيستمر لأعوام. بالإضافة إلى أن جميع هذه التدابير تنطوي على مخاطر خاصة بها. في نهاية المطاف، ستتطلب بعض الاستجابات للوباء فتح الحدود، وليس إغلاقها. وفي مرحلة ما، سيتوجب التخلي عن أمل أن تتفادى أي منطقة آثار كورونا المستجد، ويجب اعتبار المرض مشكلة الجميع.

*ذكرت هذه المقالة أن كلًّا من فيروسات كورونا وفيروسات الإنفلونزا تحتوي على شرائط أحادية من الحمض النووي الريبوزي فحسب. ولكنّ، فيروسات الإنفلونزا قد تحتوي على شرائح متعددة من الشرائط الأحادية للحمض النووي الريبوزي.