أزمة لا مثيل لها: استدامة الحياة الرأسمالية في ظل الجائحة

الجمعة 01 أيار 2020
ملصق نسوي أنتج في بريطانيا خلال السبعينيات، ويقول «الرأسمالية تعتمد أيضًا على العمل المنزلي».

نشر هذا المقال بالإنجليزية في مدونة Developing Economics في 20 نيسان 2020 بعنوان «A crisis like no other: social reproduction and the regeneration of capitalist life during the COVID-19 pandemic».

العودة إلى العمل

مع تعمّق الأزمة الصحية التي خلقها «كوفيد-19»، يتضح يومًا بعد يوم أن انهيار الإنتاج العالمي على المدى القصير سيتجاوز على الأغلب كل كساد سابق في السنوات الـ150 الأخيرة، أي في تاريخ الرأسمالية برمته. بتقدير منظمة العمل الدولية، ستؤدي الأزمة لفقدان 195 مليون وظيفة. لذا، وبعد أن استغرقت وسائل الإعلام في مناقشة جائحة «كوفيد-19» من منطلق وبائي، بات الاهتمام الإعلامي اليوم منصبًا أكثر فأكثر على إعادة تشغيل المحرك الاقتصادي العالمي. قد نكون ما زلنا نرثي موتانا، لكن الوقت قد حان، على ما يبدو، للحديث عن قدرتنا على ضمان النجاة الاقتصادية، التي تقوم، في ظل الرأسمالية، على الإنتاج والعمل.

في المملكة المتحدة، حيث أكتب هذا المقال، باتت «عودة بريطانيا للعمل» شعار الحكومة الجديد، حتى وإن كان رئيسها نفسه ما يزال يتعافى من الفيروس. ومع تحول الجائحة بوضوح من خطر صحي عالمي إلى خطر اقتصادي عالمي، بات العديد من النقاشات حول العالم يدور حول مخاوف مشابهة. مع ذلك، ليست «عودة العالم للعمل»، مع الالتزام بالتباعد الاجتماعي، أمرًا هينًا، فالرأسمالية العالمية تقوم على التفاعلات الاجتماعية. في الحقيقة، فقد سعى طورها المعولم إلى محو التباعد الاجتماعي، ليس بين العاملين فحسب، بل بين الدول، والأسواق، والسلع، والمستهلكين. لكن في الوقت الحاضر، فإن الطريقة التي نُستخدَم بها لإعادة توليد الحياة في ظل الرأسمالية قادرةٌ على قتلنا حرفيًا. هذه ليست مسألة هامشية في فهم المأزق الذي خلقته أزمة «كوفيد-19»، بل يجب أن تكون نقطة البداية فيه. فقبل أن تتحول إلى أزمة إنتاج، خلقت الجائحة الحالية أزمة إعادة إنتاج اجتماعي[1] [أي أزمة في أنشطة الإنجاب والرعاية والعمل المنزلي]. وكما تقول تيثي باتاتشاريا، فقد أثبتت الجائحة مركزية أنشطة صناعة الحياة في استدامة الرأسمالية، كما أظهرت قيمة الرعاية، واللامساواة الصارخة فيها بين مختلف المجتمعات والأفراد. إنها، بلا شك، أزمة إعادة إنتاج اجتماعي لا مثيل لها.

الجائحة كأزمة إعادة إنتاج اجتماعي

ترصد المنظّرة النسوية نانسي فريزر كيف أن الرأسمالية، في مختلف أطوارها، لطالما اعتمدت في بقائها على أنظمة مختلفة لإعادة الإنتاج الاجتماعي؛ أي على مجموعات من العلاقات والمؤسسات الإنجابية والرعائية[2] القادرة على توليد الحياة الرأسمالية وتجديدها، على اختلاف لحظاتها التاريخية. فعلى سبيل المثال، في كثير من العالم الغربي، شهدت المرحلة النيوليبرالية العالمية صعود نظام إعادة إنتاج اجتماعي مُسلّع وقائم على السوق،[3] رغم أن التهديد الذي يمثله ذلك للحياة، كما أظهرت الجائحة بوضوح، يتفاوت بشدة بحسب النظام الصحي الوطني المطبق، إذ توجد فروقات كبيرة بين النظام الصحي المخصخص في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، والأنظمة القائمة على التمويل الحكومي في بلدان أوروبية كإيطاليا وألمانيا وفرنسا. لم يكن صعود النظام النيوليبرالي لإعادة الإنتاج الاجتماعي وتوطده أساسيًا لتطوير نموذج الإنتاج النيوليبرالي برمته فحسب (بما شمله ذلك من دخول أعداد هائلة من النساء إلى أسواق العمل، على سبيل المثال)، بل كان شريكًا في خلق هذا النموذج. بالتالي، فالأزمة الحالية ليست «مجرد» أزمة إنتاج، بل هي أزمة أعمق بكثير في إعادة الإنتاج الاجتماعي.

لطالما ولّدت الأزمات الرأسمالية أنظمة جديدة للإنتاج الاجتماعي، لكن هذه أزمة فريدة؛ فمن أجل حماية الحياة، علينا -عمليًا- أن نقوّض قاعدتها الاقتصادية، في حين لا يلوح في الأفق بعد أيّ بديل. لهذا السبب، فإن دعوات «إعادة الناس للعمل» تعجز عن أن توضح كيف يمكن لذلك أن يحدث. ولفرادة هذه الأزمة ثلاثة أبعاد على الأقل: تعذّر الاستغلال، وتداخل العمل المأجور والوقت الإنجابي-الرعائي، وواقع الموت واسع النطاق وسياساته.

تعذّر الاستغلال

بدايةً، إن الأزمة الراهنة تحول دون تواصل الاستغلال الرأسمالي على نطاق واسع. والشعار سيء السمعة، الرائج في ظل الرأسمالية، الذي يقول «أن تُستغَلّ خيرٌ من ألا تُستغَلّ»، لم يكن أشد منطقية مما هو عليه الآن. فحين يؤمّن معظم سكان الأرض قُوتهم ببيع قوة عملهم، فإن تعذّر هذه العملية يهدّد الحياة ذاتها، حتى وإن لم يطلها «كوفيد-19». فضلًا عن ذلك، فقد تمكّن رأس المال في أزمات سابقة من تعميم الخسائر الاقتصادية بإلقائها على كاهل العمال، أو الدولة، أو كليهما. هذا ما حدث خلال أزمة 2008، حين أنقذت الحكومات الوطنية -عمليًا- البنوك الغربية، فيما تُرك العمال -في شمال العالم وجنوبه- ليدفعوا وحدهم ثمن الانكماش الاقتصادي؛ إن كانوا محظوظين، عبر دفع ضرائب أعلى مقابل تدني الأجور الحقيقية والتخفيض الحاد للخدمات العامة، وإن كانوا أقل حظًا، بفقدان وظائفهم بالكامل أو ربما بيوتهم (المرهونة رهنًا عقاريًا ثانويًا).[4]

لقد أثبتت الجائحة قطعيًا مركزية العمل البشري في إنتاج القيمة بكل أشكالها.

أمّا في الأزمة الحالية، لم يستطع رأس المال بعد تحويل أزمته لأزمة عمل. فآلاف المصانع مغلقة كليًا، وقد توقف إنتاج معظم السلع والخدمات غير الأساسية في دول عديدة، وطُلب من أصحاب العمل والعمال -معًا- أن ينسحبوا من السوق ويعودوا إلى بيوتهم، حرفيًا. لم يسبق في تاريخ الرأسمالية أن شهدنا أزمةً لم تبدأ بتدمير أية موارد، مادية أو ماليًة؛ إذ لم تقع حربٌ، ولا انهيار أوليّ في أسواق المال، رغم أنها تتأثر الآن بالطبع. ومع ذلك، فقد بدا الانهيار الاقتصادي طاغيًا؛ هذا ما يحدث حين نزيح الاستغلال [مؤقتًا] من نظام عالمي يعتاش عليه. لقد أثبتت الجائحة قطعيًا مركزية العمل البشري في إنتاج القيمة بكل أشكالها. وكما تقول سيلفيا فيديريتشي، فإن الجسد البشري وقوة العمل الكامنة فيه أعظمُ آلة «اخترعتها» الرأسمالية.

المفارقة هي أن رأس المال، في عجزه عن استغلال أزمة إعادة الإنتاج الاجتماعي الحالية وتجاوزها، بات يحوّل عملية إعادة الإنتاج الاجتماعي نفسها إلى سلعة جديدة وفرصة سياسية للبحث عن مصادر جديدة للربح والإجماع الانتخابي. ففي بريطانيا، يبدو أن إنتاج أجهزة التنفس الضرورية بشدة قد أخّرته محاولات الحكومة لانتقاء المنتجين الذين سترسو عليهم عطاءات الشراء. أما في الولايات المتحدة، فإن ترويج ترامب لعقار الهيدروكسي-كلوروكوين كعلاج فعّال لـ«كوفيد-19»، رغم ضآلة الدلائل العلمية، يهدف إلى إرضاء العامة سريعًا بفتح الاقتصاد مجددًا. هذه اللعبة الاقتصادية والسياسية تعمل ضد الجهود الساعية لإنقاذ الحياة والتي يبذلها العاملون في الأنشطة الإنجابية والرعائية، خاصة في القطاع الصحي، الذين يفتقدون معدات واقية هم في أمس الحاجة إليها حول العالم؛ في بريطانيا والولايات المتحدة، وإيطاليا، وإيران، والهند، وغيرها.

تداخل العمل المأجور والوقت الإنجابي-الرعائي

البعد الثاني في فرادة هذه الأزمة هو الخلط المفروض بين العمل المأجور والوقت الإنجابي-الرعائي. في الحقيقة، فإن هذا التداخل هو سمة قائمة بالفعل في قطاعات العمل غير الرسمي في مساحات واسعة من جنوب العالم، حيث كثيرًا ما تجري في بيوت الناس مجموعة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية التي تُعرض في الأسواق المحلية وحتى العالمية. إلا أن تسارع هذا التداخل وتضخمه ليشمل نسبة هائلة من سكان الكوكب، في ظل الإغلاقات التي فرضها «كوفيد-19»، هو أمرٌ غير مسبوق. فقد زادت هذه الإغلاقات في تعرية اللامساواة الاجتماعية-الاقتصادية الصارخة التي يخلقها العالم الرأسمالي الذي نعيش فيه. في الواقع، في الوقت الذي يقال فيه لنا جميعًا -مرارًا وتكرارًا- أن نبقى في البيت، فإن أول وأوضح شكل من أشكال هذه اللامساواة المتنامية هو تأثرُّ مَن لا بيتَ لهم على الإطلاق، أو مَن ليست بيوتهم سهلة المنال. إذ تظهر الصور الدراماتيكية للمشردين الأمريكيين المتباعدين اجتماعيًا على أرضيات مواقف السيارات في لاس فيجاس، أو لملايين العمال المهاجرين في الهند وهم يمشون عائدين إلى قراهم بسبب إيقاف النقل العام وطردهم من القرى الصناعية، أن رسالة «ابقَ في البيت» ليست لها المفاعيل ذاتها في كل مكان على الإطلاق.

وحتى مَن يفترض أنهم محظوظون بما يكفي لامتلاكهم بيتًا يعودون إليه، قد يواجهون تحديات متفاوتة للغاية. فبينما تبالغ وسائل الإعلام الغربية في تغطية انهماك الطبقة الوسطى بمحاولة الجمع بين العمل المأجور وتدريس الأطفال في المنزل -وأنا نفسي كأكاديمية أنعم بالامتيازات أقع ضمن هذه الفئة- فإن الكثيرين باتوا بلا وظائف. آخرون قد يكونون عالقين في بيئات منزلية خطيرة، فقد قفزت معدلات العنف الأسري عالميًا خلال الجائحة، أو قد يكونون ببساطة يقطنون بيوتًا شديدة الصغر، حيث التحدي الحقيقي هو البقاء، لا التوازن بين العمل المأجور والعمل المنزلي.

ليس مفاجئًا أن تتفاوت تجارب الحظر بشدة، طبقيًا وجندريًا وعرقيًا، بما يشهد على أننا لسنا معًا في هذه المحنة. في الحقيقة، من النادر أن نكون معًا في ظل الرأسمالية، فالحظر بحد ذاته ممكنٌ فقط لأنه إقصائي. ففيما نحن محبوسون في البيوت، عاجزين عن أن نزرع غذاءنا أو نوفّر لأنفسنا حاجاتنا الأساسية، يعود الفضل في استمرارنا في العيش لعمّال المستودعات، والبريد، والتوصيل، والمزارعين، وعمال سلاسل التوريد الغذائي. كثير من هؤلاء العمال الأساسيين لا يتلقون الحد الأدنى للأجور، ومع ذلك، هم من يضمن بقاءنا في ظل الإغلاقات.

مأساة الموت واسع النطاق وسياساته

الدليل الثالث على اختلاف هذه الأزمة عن كل ما شهدنا من قبل، ولعله الدليل الأشد وقعًا وفظاعة، هو الموت ومعدلاته وسياساته. إنها أزمة إعادة إنتاج اجتماعي فريدة في كونها -حرفيًا- مسألة حياة أو موت. صحيحٌ أن الرأسمالية العالمية لطالما أدارت ظهرها لحياة الأغلبية العاملة، فكثيرًا ما أجبر العبيد السود على العمل حتى الموت، وقُصّرت أعمار العمال الصناعيين الذين أصيبوا بأمراض عدة، إلا أن هذه أول جائحة عالمية نعيشها في عصر الرأسمالية المعولمة يبدو فيها أن الفناء واسع النطاق يطول الناس على اختلاف طبقاتهم (فرغم التقاطعات، إلا أن جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، التي كانت أشد فتكًا بكثير، وقعت في عالم أقل تشابكًا بكثير وأقل تطورًا من الناحية الطبية). ألم يصب بوريس جونسون بالمرض؟ إلا أن معدلات الوفاة المرتفعة لم تمحُ بشاعة الفجوة الطبقية في الصحة. فسياسات الموت[5] الرأسمالي خلال الجائحة تحدد من سيعيش ومن سيموت. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يفوق احتمال موت السود بـ«كوفيد-19» احتمال موت غيرهم به بكثير؛ فهم أفقر من غيرهم من سكان الولايات المتحدة، وصحتهم أسوأ، وإصابتهم بالسكري أو ضغط الدم أو القلب -وكلها اعتلالات خطيرة- أعلى احتمالًا، وفرصة أن تصرفهم المستشفيات لعدم امتلاكهم تأمينًا صحيًا خاصًا أكبر.

كان النقاش الدائر حول الظروف الصحية الموجودة مسبقًا [والتي ترفع احتمالية الوفاة بـ«كوفيد-19»] بحد ذاته نقاشًا إقصائيًا ومتحيزًا ضد ذوي الإعاقة وكبار السن. فنظام الرعاية النيوليبرالي لا يفهم الحق في الحياة إلا من باب بقاء الأفضل والأكثر «جدارة». تقدم معدلات الوفاة المرتفعة بين كبار السن على أنها حتمية، نظرًا للظروف الصحية الموجودة مسبقًا لديهم، لا على أنها نتيجة لتأثيرات الفيروس. لكن إن دهست سيارة مسنًّا أثناء عبوره الشارع، فإن موته ليس نتيجة كبر سنّه، حتى وإن عبر الشارع ببطء. المسألة تكمن في أن نقص أجهزة التنفس وأسرة المستشفيات، القادرة على إنقاذ الحياة، قد خلق سياسات هوبزية[6] في العديد من الدول. في بريطانيا، وصل الأمر ببعض الأطباء إلى حد اقتراح إصدار أوامر بعدم إنعاش ذوي التوحد ممن هم في سن العمل، أو الأطفال المرضى. في فوضى التشبث بالحياة، يصبح «الإنسان ذئب أخيه الإنسان».

حول العالم، يوازي هذا التفاوت في الوصول إلى الرعاية الصحية استفحالٌ للأشكال القائمة من اللامساواة. ففي أنحاء عدة في جنوب العالم، تشير الأدلة على أن الجوع وضيق الأحوال هو ما يهدد حياة الآلاف، لا الجائحة نفسها. بالنسبة لملايين العمال الهنود في الاقتصاد غير الرسمي، سيكون تحصيل القوت في ظل الجائحة أمرًا مستحيلًا. كما أن الجائحة كرّست أيضًا التمييز الذي يفرضه نظام الطبقات، حيث هوجمت بيوت الداليت [المنبوذين] لزعم عدم التزامهم بنصائح الحكومة الهندية، حتى وإن لم تكن هذه النصائح ضمن قوانين الحظر. في كينيا، يمكن لإغلاق الأسواق غير الرسمية أن يتسبب في فقر واسع، مع تعرض مخزون الغذاء للتلف. كما أثيرت مخاوف حول معيشة المعتمدين على العمل غير الرسمي في أمريكا اللاتينية، حيث تتمثل المفارقة في أن أمراء تجارة المخدرات المحليين والعصابات الإجرامية باتوا هم من يضمنون توفر الخدمات الأساسية في العشوائيات، ويفرضون كذلك حظرًا محليًا لتخفيض معدلات الوفاة بين فقرائهم «هم».

عالم جديد أم كابوس جديد؟

في المحصلة، فإن تعذّر الاستغلال، وانهيار الفصل بين وقت العمل المأجور والوقت الإنجابي-الرعائي، ومأساة الموت واسع النطاق وسياساته الإقصائية، اجتمعت لتخلق أزمة إعادة إنتاج لم يرَ تاريخ الرأسمالية الحديث لها مثيلًا. ليس ثمة نهاية في الأفق، ولا يمكننا تخيل خاتمة عظيمة. تقول أرونداتي روي إن الجوائح تجبرنا على إعادة التفكير في العالم، فهي بوابة بين عالم قديم وعصر جديد سيليه. هل سنتعلم؟ هل سنتغير؟ هل سيكون نظام إعادة الإنتاج الاجتماعي الجديد الذي ستتبناه الرأسمالية أنسب لاستدامة الحياة في ظل الأزمات؟ قد يأمل المرء ذلك. إلا أن النقاشات الدائرة حاليًا حول سبل الخروج من الحظر -بناءً على «مناعة القطيع» وإصدار شهادات مناعة تتيح لأصحابها السفر- تنذر بشؤم بمستقبلٍ مبني على أشكال أشد عدوانيةً من قبل من تسليع الخصائص الإنجابية والرعائية للأفراد والمجتمعات، مما قد يفتح الباب أمام شكل جديد من اللامساواة الاجتماعية-الاقتصادية بناء على «رأس المال المناعي».


 

* أليساندرا ميتزادري هي باحثة نسوية في الاقتصاد السياسي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، حيث تحاضر في دراسات التنمية. تركز أبحاثها وتدريسها على سلاسل السلع العالمية، والعمل غير الرسمي، ومعايير العمل العالمية والعبودية الحديثة، والمقاربات النسوية للتنمية وإعادة الإنتاج الاجتماعي، والاقتصاد السياسي للهند. ألفت كتابيْ «نظام المصنع-المسلخ: الأجساد العاملة، والاستغلال، والألبسة المصنوعة في الهند» (2017)، و«ماركس في الميدان» (محررة) (يصدر في تشرين الأول 2020).

[1] يقصد بإعادة الإنتاج الاجتماعي (Social Reproduction) جميع «الأنشطة والتصرّفات والسلوكيات والمشاعر والمسؤوليات والعلاقات التي تساهم مباشرةً في الحفاظ على الحياة يوميًا وجِيليًّا»، وفق الباحثة النسوية الإيطالية سارا فارس، أي كل ما يعمل على توليد واستدامة حياة البشر، وخاصة عبر إنجابهم ورعايتهم وضمان توفر احتياجاتهم الأساسية الجسدية والنفسية. ونظرًا إلى أن هذه الأنشطة تلقى تاريخيًا على عاتق النساء، وما تزال، فقد كانت إعادة الإنتاج الاجتماعي موضوعًا أساسيًا لدى الكثير من الباحثات النسويات.

تتعدد المقاربات النسوية لأنظمة إعادة الإنتاج الاجتماعي، لكن ما سمي بـ«نظرية إعادة الإنتاج الاجتماعي» كانت محورية لدى النسويات الماركسيات تحديدًا، نظرًا إلى أن هذه النظرية تستند أساسًا إلى النظرية الماركسية لتراكم رأس المال وتكمّلها، في نظرهن، من حيث هي تضع اضطهاد النساء في قلب عملية إنتاج فائض القيمة، وتجعل هذا الاضطهاد شرطًا أساسيًا لاستدامة الاستغلال الرأسمالي. وبحسب النسوية الماركسية ليز فوغل، فإن «إعادة الإنتاج الاجتماعي هي، قبل كلّ شيء، إعادةُ إنتاجٍ لقوة العمل والمجتمع الطبقي». المترجمة.

[2] تمت ترجمة مفهوم «Social Reproduction» بطريقتين مختلفتين في النص. فحين يشار إليه كنظام أو عملية شاملة، استُخدم تعبير «إعادة الإنتاج الاجتماعي». أما حين يشار إليه كصفة للعمل أو العلاقات أو المؤسسات، فقد استُخدم توصيف «الإنجابي والرعائي»، لتوضيح طبيعة الأنشطة المقصودة، والتي تشمل الحمل والولادة، والرعاية، خاصة رعاية الأطفال وكبار السن، والرعاية الصحية، والأعمال المنزلية بما فيها الجنس، وجميع الأنشطة التي تمكن العمال من مواصلة العمل، جسديًا ونفسيًا. المترجمة.

[3] أي أن الأنشطة الإنجابية-الرعائية في المرحلة النيوليبرالية تحولت إلى سلع يتم تداولها في السوق، كما يحدث، مثلًا، في خدمات رعاية الأطفال والتنظيف التي تقدمها العاملات المنزليات المهاجرات، أو في خدمات الرعاية التي تقدم في دور المسنين أو ذوي الإعاقة، أو في الرعاية الصحية المخصخصة حول العالم. المترجمة.

[4] الرهن العقاري الثانوي (Subprime Mortgage) هو قرض منزلي يُمنح لمن يملك تاريخًا ائتمانيًا ضعيفًا يرفع احتمالية تعثره في السداد، مما يجعل هذه القروض عالية المخاطر بالنسبة للمقرضين. وكان تعثر هذه القروض على نطاق هائل أحد أهم أسباب الأزمة المالية العالمية عام 2008. المترجمة.

[5] يقصد بسياسات الموت (Necropolitics) السياسات التي تحكم الموت كعملية متفاوتة، والتي يتحدد بناءً عليها من سيموت ومن سيعيش، ومن يستحق موته الرثاء ومن لا يجد موته طريقه لصفحة الوفيات. ويشمل المفهوم جميع «الأشكال المعاصرة لإخضاع الحياة لسلطة الموت»، بحسب الفيلسوف أشيل مبيمبي، وهو أول من صاغ المصطلح، استنادًا إلى حد كبير إلى مفهوم السياسات الحيوية (Biopolitics) لدى ميشيل فوكو. المترجمة.

[6] نسبةً إلى الفيلسوف والمنظر السياسي الإنجليزي توماس هوبز (1588 – 1679)، الذي انطلق في تصوره للحكم من فكرة أن ما يسميه «الحالة الطبيعية»، حيث لا دولة ولا حكومة، هي حالة من «حرب الجميع ضد الجميع». لذا، يربط اسمه عادةً بالافتراض القائل إن الإنسان مفطور على معاداة غيره والنظر إليهم كتهديد محتمل. المترجمة.