كيف غزت «الشعيرية سريعة التحضير» موائدنا؟

الإثنين 12 تشرين الأول 2020

ظهرت الشعيرية سريعة التحضير لأول مرة في اليابان عام 1958، كنتاج مقامرةً جريئة لريادي أعمال تايواني يدعى «موموفوكو أندو»، معتمدًا على حاجة السوق ونقص الغذاء بسبب مشاكل الاقتصاد الياباني في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل إغراق البلاد، التي طالما اعتمدت على الأرز تقليديًا، بالدقيق الأمريكي.

اليوم، تقدر كمية الاستهلاك العالمية من هذا المنتج بأكثر من 100 مليار وجبة سنويًا، تتوزع في جميع أنحاء العالم، مع توقعات بازدياد هذا الرقم. إضافةً إلى ذلك، يعد هذا القطاع واحدًا من القطاعات الأقل تضررًا بعد جائحة فيروس كورونا المستجد وفقًا لبعض التقارير، مع تزايد الطلب في بعض المناطق. فكيف استطاعت هذه الوجبة أن تحقق هذا الانتشار؟ وعلام يدلنا هذا اليوم؟

يفيد النظر إلى الشعيرية سريعة التحضير ضمن سياقها الراهن، فنحن أمام منتجٍ فوري ورخيص وسهل التحضير والتصنيع؛ منتج يمكن أن يكون خضارًا أو لحمًا أو أي شيء آخر سواه، دون أن يكون كذلك فعلًا في الوقت ذاته، ويمكن يصبح ببعض الإضافات طبقًا ملائمًا وصديقًا لـ «ثقافة» أي منطقة تستهلكه. تبدو هذه الوصفة مشتركةً مع القطاعات الناجحة الأخرى، كمواقع التواصل الاجتماعي أو البورنوغرافيا؛ مجرد دغدغة رقيقة للمخيلة تجمع تحت مظلّتها الفقراء، والمتضررين اقتصاديًا، والعاملين لأوقات طويلة، والطلبة، وغيرهم.  

يرسم كتاب «سرديات الشعيرية: الصعود العالمي للغذاء الصناعي في القرن الحادي والعشرين»[1] خطوط التشابه بين هذا الاجتياح، وذاك الذي خبره العالم مع السكّر أو الكوكاكولا. إذ يعدد مؤلفوه الخصائص التي تجعل من الشعيرية المصنعة رابطًا بين طلاب المدارس حول العالم، ونزلاء السجون في الولايات المتحدة الأمريكية -حيث يعد هذا المنتج سلعة شديدة التبادل كالسجائر مثلًا-، والمبرمجين، وسواهم من العاملين في الاقتصاد الجديد، الذين تجذبهم فورية تحضيرها أثناء ساعات عملهم الطويلة، وتجعل هذا المنتج يدخل ضمن الكثير من خطط التنمية والقضاء على الفقر والجوع في الدول النامية.

 تمد الشعيرية المصنّعة العمال منخفضي الأجور والفقراء بما يبقيهم أحياءً، لتشكل مع الشاي والقهوة والشوكولا «قاتلات الجوع البروليتارية».

ويبدو الحفاظ على الوضع القائم أبرز هذه الخصائص، وهي خاصية تتشاركها الشعيرية المصنّعة مع كل المنتجات السابقة، التي تمد العمال منخفضي الأجور والفقراء بما يبقيهم أحياءً، لتشكل مع الشاي والقهوة والشوكولا «قاتلات الجوع البروليتارية»ـ وفقًا لعالم الأنثروبولوجيا سيدني مينتز، الذي بحث في عمله «الحلاوة والسلطة: موقع السكر في التاريخ الحديث»[2] في أصول اجتياح السكر للأسواق.

عالميًا، لم ترتبط الشعيرية بعلامةٍ تجارية محددة، على عكس ماكدونالدز أو كوكا كولا، كما أن الجهد النقدي حولها لا يقارن بذاك الذي يحيط بباقي المنتجات، لا من حيث المواد المكونة لها أو آثارها او ظروف العمال الذين ينتجونها، وهو ما يسهّل على هذا المنتج تمدده العالمي. 

إلا أن نقطة التميّز الأهم تكمن في قدرتها الفائقة على بناء علاقةٍ ذات اتجاهين مع المستهلكين كما يقول كتاب «سرديات الشعيرية»، ليدخل المنتج بحسب هذه العلاقة ضمن تفاصيل حياتهم ويلازمهم منذ الصغر حتى طقوس دفن الموتى، وليُعدِّل في الوقت ذاته من تركيبه وخصائصه بما يلائم هؤلاء المستهلكين. إن متانة العلاقة السابقة تسمح للمنتج بالتأثير على توقعات المستهلكين اليومية وأنشطتهم، أو «الهابيتوس» كما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. 

يقول أحد سكان بابوا غينيا الجديدة، ممن قابلهم مؤلفو الكتاب أثناء إجراء البحث، أن «الأمل لم يكن ليوجد لولا الشعيرية سريعة التحضير، التي لا أستطيع أن أعيش دونها». 

لم تدخل الشعيرية بابوا غينيا الجديدة إلا حوالي عام 1980، حين بدأ بعض المستوردين بجلبها. إلا أن غزوها الحقيقي لسوق هذا المجتمعٍ النامي بدأ مع شركة نستله، التي لا زالت حتى اليوم تسيطر على 80% من السوق المحلي للشعيرية سريعة التحضير. 

تزامن ذلك مع النقلة التي مرت بها البلاد، حين قبلت بـ«التغييرات البنيوية» التي طرحها صندوق النقد الدولي لقاء تقديم مساعدته. وارتكزت هذه التغييرات بشكلٍ رئيس على إضعاف التدخل الحكومي وتحويله إلى مسؤوليات فردية، وظلت التنمية هدفًا قابلًا للتحقيق، إنما عبر اقتصاد السوق.

مع خروج الحكومة، أُفسح الطريق للشركات والقطاع الخاص. وكانت نستله واحدةً من هذه الشركات، التي اعتمدت سياسة تسويقية تستهدف «قاعدة الهرم»، وهي الطبقة الأفقر في المجتمع التي تحاول الشركات، عبر استهدافها بمنتج شديد الرواج ومنخفض السعر، أن تحقق مكاسب اقتصادية لها واجتماعية لهذه الطبقة، كما تدعي. علاوة على ذلك، تعمل هذه السياسة على إقناع أفراد هذه الطبقة بتغير واقعهم عبر ربطه بخياراتهم الاستهلاكية، خصيصًا حين تكون هذه المنتجات عابرة للطبقات وتخلق بالتالي شعورًا من الوحدة، مذكرةً إيانا بهوس الفنان الأمريكي آندي وارهول بالكوكاكولا التي يحصل الجميع عليها ذاتها، أيًا كانوا.

ترافقت هذه السياسة النيوليبرالية مع حملات شرسة شنّتها الشركة، سواء لإدراج صنفها من الشعيرية ضمن العادات الاجتماعية في بابوا غينيا الجديدة، أو عبر تصويرها كخيارٍ صحي ينتج أفرادًا صحيين في المستقبل، يحصلون على أعمال، محققين تنمية شاملة للمجتمع.

لا تجعل الخصائص السابقة من الشعيرية سريعة التحضير مجرد خيارٍ على الطاولة والرف لذوي الدخل المحدود، بل تدفع به إلى مجال الغذاء الإغاثي أيضًا الذي تتعاون فيه منظمات الإغاثة وشركات تصنيع الشعيرية سريعة التحضير لإمداد المحتاجين أو المتضررين من الكوارث الطبيعية بوجبات تبقيهم أحياءً في بلدان عدة كالولايات المتحدة الأمريكية والهند والفيليبين وغواتيمالا والعراق وإيران، في مسار شبيه إلى حدٍ ما بذاك الذي اتبعته نستله بادئ الأمر.  

طفلان صينيان يحضران الشعيرية في مخيم مؤقت في مقاطعة يونان الجنوبية الغربية، ضم نازحين إثر زلال مدمر. 7 آب 2014. أ ف ب.

«الإندومي»، كما نعرفها في المنطقة

يعرف معظم أبناء المنطقة العربية الشعيرية سريعة التحضير بالـ«إندومي»، نسبةً إلى الشركة الإندونيسية التي نجحت في إحكامٍ السيطرة على سوق منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، منذ دخولها نهاية القرن الماضي بعض الدول كمصر والمملكة العربية السعودية التي تعد، على سبيل المثال، من الدول الأكثر استهلاكًا لهذا المنتج.

ويذكر معظمنا كيف تعرّف على «الإندومي» التي دخلت المنازل معتمدةً على إعلانات تلفزيونية كان أبطالها من الشخصيات الكرتونية. ربّما بدا حينها المنتج مخصصًا للأطفال كجمهورٍ مستهدف، إلا أنه شبّ معهم ولم يكن مجرد نقطة مارّة في مرحلة عمرية غابرة. يمكن لذهنيةٍ مغرقةٍ في التسطيح أن تعزو الأمر برمته إلى «شباب اليوم» أو «عدم النضج»، وبينما تكشف الإجابة السابقة عن افتقارها إلى أي جهد حقيقي في البحث، إلا أنها تدلّنا إلى مكانٍ آخر يقدم جزءً من الإجابة.

عام 2017، نشرت مجلة «Scientific American» مقالة عن تأخر مرحلة المراهقة اليوم وامتدادها حتى سن الخامسة والعشرين، وأرفقت استنتاجها الجريء هذا بمجموعة من الأسباب تجعل من «النضج» أمرًا عسيرًا بحق. إذ يبدو الشباب اليوم الفئة الأكثر تضررًا من الاقتصاد العالمي بشكله الحالي، ما يعني أن مفاهيم كالاستقلال والأسرة والمسكن باتت أبعد عن متناول اليد (إذا ما سلّمنا بأنها محددات رئيسة للبلوغ)، وأن عوامل جديدة دخلت إلى المعادلة كالسوشال ميديا والانفجار المعرفي.

يتوقع أن تشكل أجيال الألفية قرابة 75% من الأيدي العاملة عالميًا بحلول عام 2025، وهم يتشاركون الآن بعض الخصائص غير الاختيارية، كالعمل لساعاتٍ أطول، والعيش في عالم الإيجار.

لا شك أن الدراسة ركزت على الشباب في العالم الأول بشكلٍ رئيس، ما يجعل قبول الحجة في منطقتنا أمرًا صعبًا بعض الشيء، إلا أن عوامل أخرى قد تؤدي إلى النتيجة ذاتها، إذ تُقدر إحصائيات البنك الدولي نسبة البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بـ 9.8%، وهي من النسب المرتفعة عالميًا. كما أن الخروج من دائرة الأسرة لا زال، بحكم التقاليد، أمرًا أكثر صعوبة. في هذا السياق، يصبح من السهل لنا أن نتفحص الروابط بين مفهومٍ كـ«العمر الذهني» وتمثيلاته المادية التي ستشمل كل شيءٍ، ابتداء بالمظهر وانتهاءً بالطعام، فنحن ما نأكله كما يقال.

وبينما يُستعمل مصطلح «جيل الإندومي» للتسفيه أحيانًا، إلا أن أجيال الألفية تستطيع النظر إلى المصطلح كمكتسب؛ ربما يكون مكتسبًا لم يطالب به أفراد هذا الجيل لكنهم استحقوه في نهاية الأمر. إذ يتوقع لهم أن يشكلوا قرابة 75% من الأيدي العاملة عالميًا بحلول عام 2025، وهم يتشاركون الآن بعض الخصائص غير الاختيارية، كالعمل لساعاتٍ أطول، والعيش في عالم الإيجار، إثر ارتفاع عالمي في أسعار العقارات، ويتوزع معظمهم في دولٍ فتية ونامية. 

ليس من قبيل الصدفة أن يشكّل هؤلاء الأفراد المستهلكين الأكبر لهذه السلعة، التي يمكن أن نلاحظ كونها مجرد جزئية أخرى ضمن صورة أكبر عن العالم الذي تُقبل عليه هذه الشريحة وتجد فيها بالكاد ما يكفيها، ما يدفعها للجوء إلى البدائل والحلول «المؤقتة»، كما يتُرجَم عبر قطع أثاث «إيكيا» المتماثلة، التي تقل تكلفة شراء بعضها عن تكلفة نقلها. 

ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تقدم مؤشرات دقيقة لفهم ظاهرة ما، إلا أن تفحص الطريقة التي تحضر بها الإندومي عند المستخدمين الشباب العرب يؤكد متانة العلاقة ولعب هذا المنتج دور الرمز لأفراد هذا الجيل، سواء عبر السخرية الذاتية من وضعهم الحالي، أو صراعهم مع الأجيال السابقة، أو تحديهم لبعض الأدوار المنوطة إليهم تقليديًا.

لا توفر الصحافة العربية الكثير حول هذا النقاش أو ما هو أبعد من الجدل حول ربط استهلاك هذا المنتج بالإصابة بمرض السرطان، أو دحض هذا الربط. إلا أن ارتباط الشعيرية سريعة التحضير بمحددين كالوضع الاقتصادي الصعب والأجيال الأصغر سنًا يمكن تتبعهما. إذ تنشر مجلة الشبكة العراقية، على سبيل المثال، عنوان: «الإندومي…أكلة الفقراء»، ورغم أنها تكتفي بالوقوف عند سعر المنتج الزهيد والاضطرار لاختياره، إلا أن الصلّة تتضح. أما صحيفة الوطن المصرية فتكتفي، خلال تعدادها للفنانين الذين عاشوا حياة من الفقر، بذكر أن الممثل والمغني محمود الليثي اضطر في مراحل من حياته للاكتفاء بهذه الوجبة، وكأن ذكر هذه الكلمات كفيل بإيضاح الصورة القاسية للقارئ، الذي يستهلك هو الآخر هذا المنتج.

ترسم جولة لصحيفة السوداني على عدد من مدارس أم درمان صورةً شبيهة، حيث يبدو استهلاك الإندومي عند الطلبة ثاني أفضل خيار بعد عدم تناول أي شيء على الإطلاق كما يقول الأطفال هناك. ينطبق الأمر ذاته على نزلاء مدارس الإيواء في قطاع غزة، كما يورد تقرير في جريدة الصباح الفلسطينية.

في سورية، تغيّر نمط استهلاك «إندومي» بعد الحرب ومع التضاؤل التدريجي لقدرة الفرد الشرائية. إذ كانت هذه الوجبة مرتبطة بحياة العزوبية، أو تُرى كوجبة خفيفة يفضلها الشباب، وتدخل ضمن قسم «الخرجية» أو المصروف للأصغر سنًا، ولا نراها على موائد الأسر أو الأجيال الأكبر سنًا بشكلٍ عام. ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وعجز الكثيرين بالتالي عن توفير القدر الملائم منها، تحوّلت الشعيرية سريعة التحضير إلى سلعة تباع بكميات كبيرة وتقدم كوجبات رئيسية. ففي بلد يبلغ متوسط مرتب الموظف فيه قرابة 30 دولار، ويقدر متوسط حاجة أسرة بأضعاف ذلك المبلغ وتصل فيه أسعار كيلو بعض أنواع اللحوم إلى قرابة ربع هذا الراتب أحيانًا، يصبح البديل بنكهة الدجاج منطقيًا، حين يبلغ سعر العلبة الواحدة قرابة 14 سنتًا، ما يضعها جنبًا إلى جنب مع بعض الخضار الموسمية من حيث القدرة على شرائها.

ويؤكد ذلك المرور على بعض مراكز البيع والمحال التجارية، التي يؤكد العاملون فيها ازدياد الطلب من جهة وتغير نمط الاستهلاك، وهوية المشترين من جهة أخرى.

يصل مؤلفو الكتاب في نهايته إلى قناعة بأن إيقاف هذا الاجتياح أمر مستحيل، في عالمٍ يتوقع أن يصل عدد سكانه إلى تسعة مليارات نسمة قريبًا، حيث سيجد الأوفر حظًا بينهم الكثير من خيارات الغذاء لينتقوا منها، بينما يعتمد الآخرون على كل مهاراتهم للحصول على وجبة رخيصة تكفيهم. وتقترح ديبورا غيويرتز، إحدى مؤلفي الكتاب، حلًا تصالحيًا قائمًا على تغيير تركيب الشعيرية سريعة للتحضير، لتحتوي على صوديوم ودسم أقل، وألياف أكثر. 

لا تنفصل طريقة النظر إلى هذا الحل عن طريقة النظر إلى المستقبل ذاته وإلى البدائل والأمل، كما يقول المواطن الغيني حين يربطه بالشعيريةويحيلنا تصريحه البسيط إلى السؤال القديم ذاته؛ هل يمكن تصور مستقبلٍ أفضل أكثر عدالة أم علينا القبول بالواقع كما هو؟

في الحقيقة، شملت بعض التصورات الراديكالية الطعام، إذ يورد المؤرخ الأمريكي راسل جاكوبي، في كتابه «نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة»،[3] ما قيل عن الفيلسوف الفرنسي شارل فورييه وحلمه بكوكب متحرر يمكن لأفقر الفقراء فيه أن يتناولوا خمس وجبات من الطعام في اليوم، ويختاروا ما يفضلونه من أصناف الحساء والخبز والنبيذ. إن كانت هذه «الخيالات» تبدو في حد ذاتها سخيفة أو بعيدة عن التطبيق، فإن ما يلفت راسل نظرنا إليه فعلًا هو الروح اليوتوبية والجريئة، التي تبدو اليوم غائبة ومستبدلة بخطابٍ أكثر براغماتية ومعني بالإصلاحات الصغيرة والحلول المؤقتة لمشاكل عالمنا الحاضر.

  • الهوامش

    [1] Deborah Gewertz, Frederick K. Errington, and Tatsuro Fujikura, The Noodle Narratives: The Global Rise of Industrial Food into the Twenty-First Century. University of California Press: 2013.

    [2] Sidney W. Mintz: Sweetness and Power: The Place of Sugar in Modern History. Penguin Books: 1986.

    [3]  راسل جاكوبي، نهاية اليوتوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة، ت. فاروق عبد القادر، سلسلة عالم المعرفة. المركز الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 2001.