رأي

«الإجماعات العشائرية» ظاهرة كرستها قوانين الانتخاب

الجمعة 02 تشرين الأول 2020
صندوق انتخاب خلال انتخابات عشائرية من العام 2016. تصوير دانة جبريل

خلال الفترة الماضية، حضر عنوان «الاجتماعات العشائرية الانتخابية» بشكل لافت، بسبب ما اعتبر استثناءً لتلك الاجتماعات من تعليمات منع الاجتماعات العامة المطبقة حاليًا في سياق إجراءات مكافحة وباء كورونا. وسبق أن صدرَ كلام صريح يجيز عقد هذه الاجتماعات، مع مراعاة الشروط الصحية، وسارعت وسائل الإعلام والنشطاء إلى نشره، وهو ما أعطى انطباعًا بوجود رضا رسمي، أو ربما تَبَنٍّ رسمي، لهذا الشكل من النشاط الانتخابي.

فيما سبق، كانت مثل هذه الاجتماعات تُعقد بقدر أقل من النقاش العام، باعتبارها شأنًا «أهليًا» خاصًا، ولم يسبق أن كانت هناك حاجة لأخذ رأي مسبق من الحكومة أو الجهات الرسمية، رغم أن هذه الاجتماعات كانت عادة تُنَظّم ويُدعى لها من خلال إعلانات عامة مدفوعة الأجر في الصحف، بل كانت نتائجها تُعلن كذلك بالطريقة ذاتها، كما قد تُعلن -عند اللزوم- إعلانات أخرى مقابلة، تهدف إلى التشكيك بها والاحتجاج على نتائجها لكونها غير ممثلة لإجماع العشيرة.

الغاية الرئيسية لأي انتخابات نيابية هي الفوز بأكبر عدد من المقاعد، لذا فإن السلوك الانتخابي الطبيعي هو أن يبحث الناخبون، أفرادًا وجماعات، عن أكبر عدد من العوامل التي يمكن أن تحقق لهم الفوز بمقعد نيابي، «مطوّعين» القوانين والتعليمات بما يخدم ذلك الهدف. لذا ستنطلق المقالة من فكرة أن السلوك الانتخابي يلحق بالقوانين والتعليمات والأنظمة ويتأثر بها، ويتحدد وفقًا للتصور العام الذي تضعه الدولة للمجلس النيابي.

يستند هذا التحليل إلى نتائج ثلاثة بحوث ميدانية أجريتها في ثلاثة مواسم انتخابية، في الأعوام 2003، 2007، 2013، ثم إلى متابعات غير منظمة للظاهرة في الموسميْن الحالي والسابق عام 2016. استهدفت جميع هذه البحوث والمتابعات التعرف على آليات فرز المرشحين، أو ما يمكن تسميته «الانتخابات الأولية» في الأردن. وفي هذا السياق، سنتطرق لمسألة الاجتماعات أو «الإجماعات» أو «الانتخابات الداخلية» للعشائر أو المناطق أو دوائر الانتماء الأخرى، أي باعتبارها تشكل جانبًا من جوانب الانتخابات الأولية، التي يتحدد من خلالها المرشحون.

العشيرة في الانتخابات

تُعَدّ العشيرة واحدة من حقائق الاجتماع السياسي الأردني، ويمتد ذلك إلى مجمل تاريخ البلد، لكن تبدلًا حصل في «هرمية» دوائر الانتماء من حيث أولوياتها، فقد مر زمن كانت فيه دوائر الانتماء الفرعية، ومنها العشيرة، تتطلع نحو الدائرة الوطنية الأوسع، وتعترف الأولى بأنها تأتي بعد الثانية في الأهمية، أو تتوارى الدوائر الضيقة مفسحة المجال للدائرة الأوسع.

برز هذا آخر مرة في انتخابات عام 1989، عندما حضرت العشائر في اللحظة الأولى للنشاط الانتخابي، ثم سعت فورًا ولغايات انتخابية، وفق اشتراطات القانون آنذاك، إلى النظر خارجها نحو أوسع دائرة مفيدة انتخابيًا. لكن في المقابل، شهدت العقود الأخيرة حركة معاكسة، وصار مرشح العشيرة يسعى إلى ضبط أصواته المفترضة وعدم السماح باختراقها، فتحولت الانتخابات إلى مواسم ابتعاد عن الدائرة الأوسع الوطنية نحو الدائرة الأضيق.

لقد كان قانون الصوت الواحد هو الأداة الرئيسية في هذا الميل «الما-دون-وطني» التجزيئي. ورغم كل ما قيل عن القانون الحالي، الذي بدأ تطبيقه منذ انتخابات 2016، من أنه أنهى الصوت الواحد، لكنّه في الواقع لم يفعل سوى التمويه على بقاء الصوت الواحد. كيف؟

ما يحصل هو أن القوائم تؤسّس على مستوى الدوائر الانتخابية وفق صيغتها التي حددها القانون، وتُبنى على مرشح رئيسي قوي واحد، يُشكل «قائمته» من أعضاء يقبلون شراكته، ولكنهم يعرفون سلفًا أنه ليس من مصلحته التصويت لهم، فهم حلفاء شكلًا في جزء وحيد من العملية ينتهي بتشكيل القائمة، بينما هم في الواقع خصوم، إذ تنشأ بعد تشكيل القائمة فورًا معادلة طريفة كالتالي: من مصلحة كل مرشحي القائمة أن يجمعوا الأصوات لقائمتهم، ولكن في الوقت ذاته يكون من مصلحة كل مرشح أن يجمع الأصوات لصالحه ويحجبها عن شركائه في القائمة (منافسيه في الواقع) لأنه بعد تأمين أصوات القائمة يكون المقعد من نصيب الأعلى أصواتًا داخلها، ومن الصعب عمليًا أن تحصل أي قائمة على أكثر من مقعد، وذلك باستثناء الدوائر التي تشمل مقاعد للمسيحيين أو الشركس والشيشان. في هذه الحال قد يكون التحالف حقيقيًا بين اثنين: المرشح القوي ومرشح الكوتا (وبهذه الطريقة فقط نالت بعض الكتل مقعدين في انتخابات عام 2016، بينما برز مرشح وحيد في كل قائمة تلاه مرشحون بأصوات أقل منه بشكل ملحوظ).

لعل المتابعين لاحظوا مؤخرًا أن أخبار الترشيح تنشر على طريقة: «فلان يُشكّل قائمته» أو «فلان يبحث عن قائمة»، وفي كثير من الأحيان يتكفل المرشح الرئيسي بتمويل القائمة وحملتها الانتخابية، ومن هنا انتشر مفهوم «الحشوة» ليشير إلى المرشحين المساندين أو المكملين للمرشح الأساسي، الذين يدركون سلفًا طبيعة مهمتهم.

هذه الظاهرة برزت مع الصوت الواحد، الذي سرعان ما اكتشفت السلطات الرسمية أنه سلاح «مناسب» انتخابيًا للأهداف التي اختارتها وخاصة هدف منع تشكل طرف قوي مؤثر بمفرده، ولهذا فقد تحوّل إلى ثقافة انتخابية طاغية، فاعتُمد في انتخابات البلديات ومجالس الطلبة وحصلت مطالبات بتطبيقه حتى في النقابات. وتجدر الإشارة إلى دقة التوجيه الذي تلقاه «مُخترع» هذا القانون عام 1993: نريد قانونًا لا يتيح لمجموعة معينة أن تشكل قوة ضاغطة كبيرة مؤثرة.[1] كان الهدف المباشر شبه المعلن حينها هو الحركة الإسلامية غير أن مفاعيل القانون امتدت إلى باقي تفاصيل الحياة السياسية في البلد.

في دراسة[2] أجريتها حول تغيّر الحركة الانتخابية للناخبين وتأثرها بتبدّلات القوانين الانتخابية بين عامي 1964 وحتى 2012، تناولت لواءي الرمثا وبني كنانة كحالة دراسية تبين عمق هذا التأثر. في آخر انتخابات قبل التعطيل الطويل للحياة النيابية والتي جرت عام 1964، كان اللواءان المذكوران، جزءًا من دائرة تشمل كل الشمال الأردني ابتداءً من الأغوار وصولًا إلى مناطق البادية الشمالية الشرقية، مرورًا بإربد والمفرق وجرش وعجلون، وكان يقال إن على المرشح أن يتحرك من «الغور حتى الإجفور».[3] في هذا الميدان الواسع، كانت فكرة «مرشح العشيرة» تغيب وتتوارى لأهداف انتخابية.

وفي عام 1989، كان اللواءان دائرة واحدة بثلاثة مقاعد، وثلاثة أصوات للناخب، وانخرطت القوى الاجتماعية بما فيها العشائر بالبحث عن أوسع العلاقات داخل اللواءين معًا، وهو ما كان يعني تغييب تمثيل العشيرة أو القرية أو المنطقة الفرعية.

عندما طبق قانون الصوت الواحد في انتخابات 1993 تفسّخ مجتمع اللواءين انتخابيًا، أو اضطرت الأطراف إلى عقد اتفاقات أو تنظيم «دَوْر» للترشيح، وبدأ الحشد يتركز حول الإخلاص لمرشح العشيرة أو جزء من العشيرة (في حالة العشائر الكبرى) أو القرية.

في الانتخابات التالية توالت عمليات التفسيخ، وتجلّت في انتخابات 2010 عندما طبقت فكرة «الدوائر الوهمية» تحت عنوان «صوت واحد للدائرة الواحدة»، حيث يقوم المرشحون بتحديد رقم الدائرة التي يترشح كل منهم فيها، وفي التطبيق يتقاسم المرشحون الأقوياء الدوائر الانتخابية الافتراضية. كان نصيب كل لواءٍ مقعدين، تقاسمهما مرشحان قويان في كل لواء.

في انتخابات 2016، حصل في اللواءين ما حصل في باقي أنحاء البلد، إذا تشكلت قوائم برؤوس كبيرة وأعضاء متواضعي القوة التصويتية.

تشير تفاصيل هذه الحالة الدراسية، وهي متماثلة مع أغلب المواقع الأخرى، أن الناخبين كانوا مستجيبين بالضرورة لمتطلبات وشروط القانون وتبدلاته. وإذا اتفقنا على أن دائرة الانتماء الوطنية الأوسع، هي أكثر تقدمًا من الدوائر الفرعية الأدنى، فيما يتعلق بالانتخابات النيابية، فإننا نستنتج بسهولة أن مسؤولية «التراجع» تقع تمامًا على صاحب القرار بمختلف مستويات.

ما الذي يحصل في الانتخابات الداخلية للعشائر؟

أولًا، علينا الانتباه إلى أن الظاهرة تجاوزت العشيرة كرابطة قرابة، وفي حالة العشائر الكبيرة، توصلت العشائر إلى تقسيم داخلي يتيح الفرص للأطراف المكونة لها، وفي مواقع أخرى، لعبت رابطة المنطقة دور العشيرة، فشكلت بعض القرى تحالفًا في وجه مركز اللواء أو المحافظة، أو تحالفت العشائر الصغيرة بوجه العشائر الكبرى، بعدما تبنت الأخيرة علنًا فكرة «مقعد العشيرة» واعتبرته حقًا لها.

ولعل الظاهرة الأبرز تمثلّت فيما يمكن تسميته «صناعة عشيرة»، وتجلى ذلك بالأساس في بعض المدن وعند المواطنين ذوي الأصول الفلسطينية. ففي فلسطين وخاصة في المدن الكبيرة وحولها، كانت ظاهرة «بيوت الزعامة» بارزة أكثر من ظاهرة العشيرة، باستثناء مناطق جنوب فلسطين.

ما يحصل عادة هو التالي: في حال وجود عشيرة كبيرة معروفة، كحالة أهالي مناطق الخليل وبئر السبع، يجري تكرار الظاهرة العشائرية بصورتها الاعتيادية، من حيث عقد الاجتماعات، والانتخاب أو التوافق الداخلي، وفي عدد من الحالات عزز المرشحون حضورهم بعرائض موقعة من وجهائهم وأقربائهم في فلسطين. أمّا في حال دائرة الانتماء للمنطقة الأصلية، فقد سعى النشطاء إلى تأسيس دائرة انتماء «شبه قرابيّة»، وفي بعض الأحيان جرى توثيقها كاسم رسمي وحرص المرشحون على وضعه على إعلاناتهم وعلى أسمائهم المعتمدة.

هنا أيضًا يمكن بسهولة الاستنتاج بأن قانون الصوت الواحد هو الذي قاد وبشكل واضح، إلى تأسيس أو استرجاع دائرة الانتماء الأضيق، التي كانت قد غابت أو هي غائبة أصلًا عن الجماعة المعنية.

مرّ 27 عامًا من عمر الظاهرة، التي هي الابن الشرعي للصوت الواحد، وخلال هذا الزمن الطويل، طوّرت الظاهرة نفسها، وشكلت تقاليد خاصة بها. وفي حالات كثيرة نقلت العشائر المفاهيم الحديثة إلى نشاطها، فصارت في العشائر «لجنة مركزية» للانتخاب، و«مكتب تنفيذي» أو «مجلس أعلى»، ونظمت المجريات بشكل دقيق وصارم في بعض الحالات.

على سبيل المثال، في مجموعة قرى تقع غرب عجلون، يسعى مواطنوها إلى الفوز بمقعد بوجه عشائر كبيرة في المحافظة تحتكر المقاعد عادة. وقد توصل زعماء تلك القرى إلى صيغة منضبطة تقوم على تأسيس هيئة انتخابية تتشكل من ممثلين بعدد متساو لكل قرية بغض النظر عن عدد سكانها، فيتم اختيار 35 ممثلًا لكل قرية، بحيث يبلغ مجموع الهيئة الناخبة 140 عضوًا، يعقدون اجتماعًا عامًا يُدعى إليه كل المواطنين، وتجلس الهيئة الناخبة في مواقع خاصة، ويدلي أعضاؤها بأصواتهم بعد الاستماع إلى كلمات المرشحين، ويستمر الاجتماع حتى ظهور النتائج التي تنتهي بمسيرة سيارات ينبغي مشاركة كل الأطراف بها تعزيزًا لوحدة المنطقة.

في أغلب العشائر التي تشهد انتخابات عشائرية، يشارك الناخبون الذكور فقط، ولكن حصل في بعض الحالات أن شاركت الناخبات، على سبيل المثال: الروسان في سما الروسان، والبطاينة في إربد لمرة واحدة، وتجمع عشائر الشيشان في صويلح.

من اللافت أن الأحزاب السياسية، الكبيرة والصغيرة، وجدت نفسها مرغمة على العمل وفق هذه الظاهرة، فعلى المرشح الحزبي الجاد أن يسعى لإجماع عشيرته، وقد شهدت حالات طُلب فيها علنًا من المرشح الحزبي ان يعلن صفته في الانتخابات الداخلية وأن يفصح عن أولوياته إن كانت للحزب أم للعشيرة وفي حالات أخرى، يطلب الحزبيون من أحزابهم أن يكون التبني الحزبي سريًا أو مؤجلًا لما بعد الانتخابات.

يمارس الناس نشاطهم الانتخابي العشائري هذا بمنتهى النشاط، وتكون المعركة الحقيقية أكثر جدية عند هذا المستوى، وخاصة في الحالات التي يكون فيها الإجماع العشائري أو المناطقي يعني حسم النتيجة سلفًا.

في الأسابيع الأخيرة، حظيت الظاهرة بنقاش، انصب أغلبه على مهاجمتها باعتبارها خللًا اجتماعيًا سياسيًا متأصلًا أو ذا منبع اجتماعي متأصل. في الواقع، يحتاج الأمر لكثير من التدقيق؛ فالعشيرة، هي فعلًا مكون ثقافي اجتماعي، لكن الميل لاعتبار العشيرة مرجعًا نهائيًا ووحيدًا هو أمر صنعته القوانين والقرارات المركزية العليا والتوجهات الكبرى للدولة، وهي التي تسمح بتغييره.

  • الهوامش
    1) كان كاتب هذا المقال شاهدًا على ذكر هذا السبب لاختراع القانون خلال جلسة نقاشية في الجامعة الأردنية.
    2) راجع\ي الدراسة كاملة في كتاب: «الموشح في مسالك الناخب والمرشح»، أحمد أبو خليل.
    3) إجفور أو H4 هو الاسم السابق للرويشد.