كيف مرّت تجربة التعليم عن بعد في الجامعات الحكومية خلال جائحة كورونا؟

الأربعاء 03 حزيران 2020
تصوير جنى قزاز. 2017.

منتصف آذار الفائت، وضمن إجراءات مكافحة جائحة كورونا، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الانتقال لتطبيق نظام التعليم الإلكتروني، والتعلم عن بُعد، بعد أن علّقت الحكومة دوام الجامعات. 

بعد مرور ثلاثة أسابيع على البدء بتطبيق نظام التعلّم عن بعد، قال الناطق باسم الوزارة أن الوقت لا زال مبكرًا لتقييم التجربة الحديثة التي خاضها أكثر من 326 ألف طالب وطالبة لهذا الفصل. اليوم، وبعد مرور أكثر من شهرين على التجربة، قابلنا طلبة وأساتذة جامعيين، للتعرف منهم على مدى نجاح التجربة، وتفاصيل سير العملية التعليميّة.

بدايات مرتبكة

عام 2017 خاطبت وزارة التعليم العالي الجامعات الرسمية بضرورة بدء العمل على ملف التعليم الإلكتروني. وقتها أخضعت بعض الجامعات كادرَها التدريسي لدورات تأهيلية، بحسب الدكتور عبد الله الزعبي رئيس جامعة البلقاء، وتم البدء بتطبيق هذا النظام تحت تسمية التعليم المدمج، ولكن بنسبة لا تتجاوز 25% من المواد الدراسية. 

قبيل الأزمة الحالية، كثّفت بعض الجامعات من عملية تأهيل الكوادر التعليمية، بحسب الدكتور محمد الزيود عميد شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية. «قبل ما تبدأ الازمة بعشر أيام تقريبًا، لما استشعرنا إنه رح يكون في إغلاق (..) بدأنا في كل كلية في رفع سوية اللي ما عنده معرفة وعنده محدودية في المهارات»، عن طريق مركز تكنولوجيا المعلومات، وتم توجيه الكليات بسرعة الاستجابة للقرار وإعادة النظر في مقررات 25,300 شعبة لهذا الفصل.

في بداية التحوّل نحو التعلم عن بعد خلال الأزمة الحالية، «كان في توقف لإنه مش عارفين شو بده يصير»، يقول فخر، الطالب في قسم هندسة الميكانيك في الجامعة الأردنية. وكان سبب هذا التوقف شعورَ بعض الأساتذة أن العملية التعليمية من الممكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل جائحة كورونا، أي إلى التدريس في الحرم الجامعي، خاصة مع عدم صدور تعليمات من وزارة التعليم العالي تنظّم العملية وخصوصًا ما يتعلّق منها بالامتحانات.

«التخبط صار من التعليم العالي لمّا قالوا ما تعطوا امتحانات احتمال نرجع، لكن هاي جائحة وما بنقدر نظل نلوم وسلبيين ونعلق المشاكل على الناس»

يقول الدكتور غالب صويص نائب رئيس الجامعة الأردنية سابقًا، والمدرّس في قسم الهندسة المدنية: «التخبط صار من التعليم العالي لمّا قالوا ما تعطوا امتحانات احتمال نرجع، لكن هاي جائحة وما بنقدر نظل نلوم وسلبيين ونعلق المشاكل على الناس». لاحقًا مع استبعاد لجنة الأوبئة العودة القريبة، أعلن وزير التعليم العالي استمرار التعليم الإلكتروني عن بعد حتى نهاية التقويم الجامعي لكل جامعة، وعقد الامتحانات إلكترونيًا.

بدأت العملية التعليمية، وهنا اختلفت الطريقة التي استجاب بها الأساتذة لعوامل عدّة بينها مدى قدرتهم على التعامل مع التكنولوجيا بسهولة. بحسب سراج، طالب الإعلام في جامعة اليرموك، فإن أحد الأساتذة رفع المقرّر بصيغة إلكترونية (PDF)، «ومن يومها ما أخذنا ولا محاضرة»، حيث لا يتواصل الأستاذ مع الطلبة إلّا من أجل الواجبات والاختبارات القصيرة. أمّا أحمد، طالب السنة الثانية في كلية العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، فيرى أن الاستجابة اعتمدت على اجتهاد فردي لأعضاء الهيئة التدريسية: «في دكتور يعطينا محاضرات على جروب واتساب تسجيلات عشر دقايق مدتها، في مواد ثانية الدكتور ملتزم معنا ويعطينا على زووم».

أمّا بالنسبة للمواد المعتمدة على المختبرات، فقال عدد من الطلبة الذين قابلناهم أن التدريس تمّ فقط للشّق النظري من المادة. تقول ياقوت، طالبة الهندسة الكهربائية في جامعة اليرموك، إن المختبرات «ما كان في آلية معتمدة من القسم أو الكلية، إحنا قسمنا لغوها بالبداية، وقبل أسبوع رجعنا لها، ومع هيك كمان أسبوعين الفاينال عنا». 

في المقابل، يرى غالب صويص إن عملية التعلّم عن بعد قد اتسمت بقدر عالٍ من المرونة، وأن أغلبية الأساتذة قد بذلوا جهدًا كبيرًا في العملية، «اللي ما كان عنده معرفة [تقنية] أعطى عالواتساب». وبالنسبة له فقد كان يرفع مقاطع فيديو بحجم صغير على يوتيوب، «وكنت أحسبها بالميغا عشان أوفّر عالطلاب». وبالمحصّلة يرى أن كفاءة التعلّم زادت عمّا كانت عليه في القاعات الدراسية لعدّة اعتبارات أهمّها أن الطالب تتاح له فرصة العودة للمحاضرة في الوقت الذي يناسبه والتركيز دون العوامل المشتتة المعتادة.

البنية التحتية للمواقع الإلكترونية للجامعات الرسمية

بعد قرار مجلس التعليم العالي إلغاء جميع الامتحانات التي كان من المفترض عقدها في الجامعة، ومن ضمنها امتحانات منتصف الفصل، واستبدالها بالأعمال الفصلية والاختبارات القصيرة، حصل نوع من الارتباك، إذ حاول بعض أعضاء هيئة التدريس تدارك الأسبوعين الأولين من عدم التدريس فلجؤوا، بحسب أحمد، إلى تكثيف المتطلبات، «لمادة وحدة أنا صرت مقدم 15 واجب لهسا». وهو ما تؤكده دانية، طالبة سنة رابعة في تخصص الصيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، فتقول «صرنا بالأسبوع نوخذ سبع ثمن كويزات، بدل ما كنا ندرس يومين وثلاثة صار معنا نص يوم بس».

هذا التدارك السريع لمشكلة الامتحانات وضغط المقررات تسبب بأعطال في المواقع الإلكترونية للجامعات غير المهيأة أصلًا لمثل هذه الظروف، كما يرى الدكتور غالب صويص، «يعني سيرفر الجامعة مثلاً بالبداية كان يستوعب ألف شخص بس». ولذا ترافقت المتطلبات التعويضية الكثيرة بصعوبة تسليم الطلبة لها، كما تقول سفانة، طالبة التسويق في الجامعة الأردنية، عن بطء موقع الجامعة. «موقعنا جيد وأدواته جيدة، بس كثير بعلّق، بالامتحان من سؤال للثاني بوخذ أربع دقايق مرات»، تقول سفانة.

ولحلّ هذه المشكلة استأجرت الجامعة الأردنية، بحسب الدكتور محمد الزيود خوادم بدأت بتفعيلها منذ شهر «نستطيع الآن عمل امتحانات لسبعة آلاف طالب في ساعة واحدة، سابقًا كانت قدرة الجامعة ألفين»، وكذلك فعلت جامعة البلقاء التطبيقية التي أعلن رئيسها عن استئجار أربعة خوادم في وقت سابق.

إضافة إلى هذه المشاكل، شكا بعض الطلبة من ضعف الإنترنت في أماكن سكناهم وانقطاعه أحيانًا. يسكن أحمد في لواء ذيبان في مأدبا، ويقول إنه يعاني الأمرّين مع موقع الجامعة واشتراك الإنترنت المنزلي، ولذا لجأ في نهاية الأمر إلى إرسال المتطلبات عبر البريد الإلكتروني لأساتذته. 

للتعامل مع هذه المشكلة، أعلنت وزارة التعليم العالي عن توفير 1790 مركزًا مجانيًا لتقديم الامتحانات في مختلف المحافظات. إلّا أن طلاب قابلناهم أشاروا إلى أنّ هذا القرار لم يراعِ الامتحانات التي يكون موعدها بعد الساعة السابعة مساءً، وهو ما يعني عقدها خلال ساعات حظر التجوّل في المملكة. كما تساءلوا عن جودة الأجهزة المتوفرة، وجودة الإنترنت المتصل بها. ورغم أن الزيود أشار إلى أن الجامعة الأردنية ستعيد النظر في الامتحانات المسائية وإعادة جدولتها في أوقات صباحية أخرى، إلّا أن الجامعة أعلنت عن جدولٍ يتضمن امتحانات أيام الجمعة وامتحانات مسائية، وهو ما يعني عدم قدرة الطلبة المحتاجين لاستخدام هذه الأجهزة على الوصول إليها.

مشكلة أخرى، أشار إليها عدد من الطلبة الذين قابلناهم، وهي عدم انتظام مواعيد المحاضرات رغم إعلان وزارة التعليم العالي أن أوقات عمل أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية هو من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الساعة الثالثة عصرًا. تقول دانية: «ما كان في التزام، لدرجة في دكاترة بنزلوا محاضرات جمعة سبت، وكويزات جمعة سبت، دكاترة بنزلوا المحاضرة الساعة 10 بالليل، ودكاترة بنزلوا 3 محاضرات باليوم. مأساوي الوضع». فيغيب بالتالي الحيز بين الحياة الخاصة للطلاب، وحياتهم الجامعية. تقول سفانة «بالجامعة في وقت محدد للتعلم، وأنا بحدده لحالي، بالإلكتروني وقتك كله في عليك إشي تسلمه وتحضره وتجاوبه (..) وهذا الإشي بأثر على حياتك العائلية».

يرجع بعض الطلبة هذا الخلل في العلاقة بين الطالب والهيئة التدريسية إلى عدم تنظيم وزارة التعليم العالي للعلاقة بينهما، تقول سفانة: «المفروض حطوا كل حالة شو التصرف بخصوصها كخيار للدكتور وما يترك لتقدير الدكاترة». وبحسب عضو هيئة التدريس في الجامعة الأردنية منصور مطارنة فإن مردّ هذه المشكلة إلى عدم أخذ الوزارة بمشورة من هم في ميدان العملية التعليمية «للأسف حلقة التواصل بين مجلس التعليم العالي وأطراف المصلحة مفقودة (..) لماذا لم يكن هناك استطلاع أو تقييم قبل أي قرار، لازم تسمع رأي الطالب والأستاذ في الميدان». 

كيف تُقيّم التجربة؟

في الأسبوع الثالث للتجربة، طرحت وزارة التعليم العالي استطلاع رأي على منصاتها، وجاءت النتيجة بحسب وزير التعليم العالي أن نسبة الرضى العام بين الطلبة تتراوح بين 50% إلى 60%، وتعتبر درجة مقبولة كأول تجربة. يرى الدكتور الزيود أنه في الوقت الحالي يمكن الاكتفاء بقرارات مجلس العمداء في الجامعات، لكن مستقبلًا «لا بد من تعليمات تفصيلية، تنظم تفاصيل العمل اليومي والعلاقة بين الطالب وعضو هيئة التدريس»، لكن الناطق الإعلامي باسم وزارة التعليم العالي، مهند الخطيب، يرى أن العلاقة بين الطالب والمدرّس هي من شأن الجامعات تحديدًا.

أكثر من نصف الطلبة غير راضين عن جودة التعليم المقدم لهم عبر المنصات الإلكترونية.

في استطلاع أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الأردنية حول التعليم عن بعد في الجامعات الأردنية، خلُصت نتائجه إلى أن 60% من الطلبة يواجهون صعوبات وتحديات في الدخول إلى المنصات التعليمية، وأن 58% من الطلبة غير راضين عن المنصات التعليمية التي وفّرتها جامعاتهم لهم، كما يرى 66% من الطلبة أن المنصات التعليمية التي وفرتها الجامعات تعتمد على أسلوب التلقين، وأكثر من نصف الطلبة غير راضين عن جودة التعليم المقدم لهم عبر هذه المنصات.

خلال الفترة الماضية، ومع اقتراب مواعيد الامتحانات النهائية أطلقت مجموعة من طلبة الجامعات وسم (ناجح تلقائي) مطالبين بمراعاة الظروف الاستثنائية، وإعلان جميع الطلبة ناجحين. يقول مهند، طالب هندسة الشبكات في جامعة العلوم والتكنولوجيا: «لا بتوصلني معلومة، ولا مواقع زي العالم، ولا بنقدر نسأل الدكاترة، ولا تقييم صح. الظرف كله بتحسه غلط». يتفهم الدكتور غالب صويص هذه المطالبات ويرى أنها نابعة من ظروف نفسية قد لا يتم تقديرها كما يجب، وأنه حتى لو تم إقرار المطالب فإنها ليست بذات الأثر الكبير، فـ«الفصل 16 ساعة؛ لطالب هندسة بتمثل 10% ولطالب أعمال 15% ولطالب طب 5%، بغض النظر عن التجربة، لو نجح الطالب تلقائيًا مش راح تأثر، ولو غش رح يدفع ثمن شخصي غالي». لكن عميد شؤون الطلبة يرى أنها تُخلّ بهيبة العملية التعليمية ككل، أمّا وزير التعليم العالي فقد اعتبرها لا تراعي العدالة من حيث المبدأ، وعليه رفضته الوزارة ورؤساء الجامعات.

بعد إعلان التعليم العالي إتمام الفصل الدراسي عن بعد وإجراء امتحانات إلكترونية، بادرت بعض الجامعات بوضع شروط للامتحان النهائي كأن تقتصر مدته على ساعة وأن يتكون من 25 سؤالًا بأساسيات المادة، لكن هذا الأمر لم يكن عمليًا بسبب اختلاف خصوصية الأقسام والمواد، بالإضافة إلى استمرار الاختلالات التقنية ذاتها في بعض الامتحانات، كما حصل مع دانية التي لم يستطع دكتور المادة الدخول إلى الامتحان بنفسه في أول امتحان لها.

حل دائم أم بديل مؤقت؟

مع انتهاء الفصل الدراسي، اختلفت آراء الطلبة والأساتذة حول التجربة، يرى الدكتور غالب صويص أن من السلبيات التي أفرزتها التجربة عدم مثالية آلية التقييم وغياب تطوير شخصية الطالب بالتفاعل البشري، إلّا أنها أتاحت للطالب وصولًا أسهل للمعلومة، وهي تجربة يمكن  البناء عليها لاحقًا. ويتوقع أن يكون هناك توجه نحو دمج التعليم المباشر والتعليم عن بعد بصورة كبيرة: «باعتقادي أي تخصص رح نلاحظ 30% منه رح يصير أونلاين أو تعليم مدمج، والتقييم يصير مشترك بين الواقع وعن بعد».

أمّا عز الدين، طالب الرياضيات في الجامعة الأردنية، فيرى أن «العملية مش ماشية، هو قائم على التسليك، أنا مش شايفها ماشية بس مش شايف في بديل أفضل»، بينما يعتقد سراج أن هناك مشاكل بنيوية في طبيعة نظام التعليم عن بعد، «حضور الإنسان بأثر والتفاعل بأثّر، التعليم الإلكتروني ألغى [هاي] النقطة وخلاها هامشية».

لكن في الوقت نفسه، أشار عدد من الطلاب إلى إيجابيات خلقها نظام التعليم عن بعد، ومن بينها تمكين الطلبة من عقد نشاطات وفعاليات عبر الإنترنت، كانت ستحتاج أسابيع للموافقة عليها والتدقيق على مضمونها داخل أسوار الجامعة. تشير سفانة إلى أن مجموعة من الطلبة قد نظموا بطولة مناظرات عبر الإنترنت، واستضافوا فيها فرقًا من خارج الجامعة ومن خارج الأردن، من دون الحاجة لموافقات، «البطولة اللي عملناها أونلاين لو بدنا نعملها على الحقيقة بدنا موافقات من وزارة الداخلية لأصغر توقيع بالعمادة».

إيجابية أخرى أشارت لها ياقوت، وهي زيادة حجم المحتوى العلمي العربي على الإنترنت بشكل كبير، «كنا نروح نسمع شرح بلغات ثانية على اليوتيوب، هسه بنقدر ندرس على شرح دكاترتنا، ونثري المحتوى العربي فيه».

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.