كيف يبدو التقصي الوبائي وهل ما زال ممكنًا في ظل «الانتشار المجتمعي»؟

الجمعة 18 أيلول 2020
تصميم ندى جفال.

في السابع من أيلول الجاري، سجلت محافظة الكرك أول إصابة بفيروس كورونا، لسيدة في العقد الخامس من عمرها، تقطن في منطقة غور الصافي، بعد إجراء فحص لها في مستشفى الكرك، ليتوالى بعدها تسجيل الإصابات في المحافظة حتى أصبح غور الصافي أحد البؤر الوبائية في المملكة. 

بدأت فرق التقصي الوبائي بفحص المخالطين للسيدة، البالغ عددهم 22 شخصًا، وجميعهم كانت نتائج عيناتهم إيجابية، وفق حديث مدير مديرية صحة الكرك، أيمن الطراونة. ولم يكن في منطقة غور الصافي غير خمسة فرق تقصٍّ وبائي، كل فريق مكون من ثلاثة أشخاص. حينها، قررت مجموعة من الأطباء في مديرية صحة الكرك التوجه مباشرة إلى المنطقة بشكل تطوعي لمساعدة الأطباء هناك، ليرتفع عدد فرق التقصي الوبائي إلى 12 فريقًا.

في اليوم التالي، الثامن من أيلول، توجه طبيب الأسنان، عمران الضمور، برفقة 17 طبيبًا من قصبة الكرك، إلى غور الصافي، ليبدأوا عملية التقصي عن مخالطين المصابين، ليكتشفوا لاحقًا أن جهود التقصي بحاجة إلى تنظيم أكبر، ليتولى الطبيب معاوية العضايلة المهمة، من خلال توزيع المهام بين الأطباء.

يقول الطبيب الضمور لـ«حبر» إن العمل يبدأ منذ الساعة الثامنة صباحًا، من خلال توزيع المهام بين الأطباء، الذين كانوا يستخدمون مركباتهم الخاصة في التنقل، إلى أن تم تأمينهم بخمس حافلات عقب زيارة وزير الصحة سعد جابر إلى الكرك. فيما تبرع لهم مواطنون باللباس الواقي على مدار يومين، لعدم توفرها لدى مديرية الصحة، لتعاود الوزارة تأمينها لهم مجددًا.

يستمر عمل عمران وزملائه لأكثر من 14 ساعة، مع تزايد الإصابات في المنطقة. وأصبح تركيزهم الآن على المخالطين من الدرجة الأولى، بعد توقف التقصي الوبائي العشوائي. هذا العمل بدا له أشبه بالمستحيل، مع ارتفاع درجات الحرارة في الغور، والمخالطة الكبيرة بين الأهالي، وتأخر نتائج لعينات في بعض الأحيان لأكثر من أربعة أيام.

مهمة فرق التقصي الوبائي

يرى عضو اللجنة الوطنية للأوبئة، وائل الهياجنة أن مهمة التقصي الوبائي في مرحلة الانتشار المجتمعي هي اكتشاف الحالات المصابة فقط، وليست منع انتشار المرض، لأن في ذلك صعوبة بالغة لا يمكن تحقيقها.

ويوضح الهياجنة لـ «حبر»، أن المطلوب من فرق التقصي التركيز على المخالطين، في البؤر الوبائية التي من الممكن أن تكون فيها خطورة عالية، والتي يتفشى فيها المرض بشكل كبير، من خلال أخذ عينات دورية لمدة ثلاثة أسابيع، مؤكدًا أن التقصي العشوائي أصبح ذا أهمية قليلة مقارنة مع المراحل السابقة.

بدوره، أكد وزير الصحة سعد جابر، في تصريحات تلفزيونية، أن الأردن في بداية مرحلة الانتشار المجتمعي (التفشي)، بفيروس كورونا المستجد. وبحسب تقرير إرشادي لمنظمة الصحة العالمية، ففي المرحلة الرابعة من الوباء (الانتشار المجتمعي)، يصعب تحديد مصدر العدوى، في ظل وجود إصابات بمواقع جغرافية واسعة.

يبلغ عدد أفرقة التقصي الوبائي الكامل في المملكة اليوم 178 فريقًا، بمجموع 360 شخصًا، نصفهم أطباء والنصف الآخر من الكوادر الطبية المساندة.

ويتحدث التقرير عن صعوبة عمل فرق التقصي الوبائي عندما يكون انتقال العدوى مكثفًا، ولكن يجب تنفيذه بنفس القدرة، مع التركيز على المخالطين، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، والأماكن المغلقة عالية الخطورة (المهاجع، والمؤسسات، ودور الرعاية طويلة الأجل).  

ويؤكد مسؤول ملف كورونا في وزارة الصحة، عدنان إسحاق أن فرق التقصي الوبائي في الفترة الحالية تركز على المخالطين بشكل أساسي، إضافة إلى التقصي وأخذ عينات في البؤر الوبائية والمناطق الخطرة، مثل المستشفيات والأسواق والمؤسسات التي تشهد اكتظاظ كبير، والمخيمات التي سُجل بها إصابات.

ويضيف إسحاق لـ«حبر» أن عمل التقصي سيستمر رغم الضغط الكبير، وذلك لمعرفة المصابين وحجرهم وعزل المنازل التي سجلت بها إصابات، حتى يتم ضمان تسجيل إصابات بعدد محدد وثابت لا يرتفع بل قد ينخفض، كما حدث في الأيام الماضية، إذ سجلت المملكة أكثر من 250 إصابة في يوم واحد، وبعدها انخفضت الإصابات إلى نحو 170 إصابة.

وحول استجابة فرق التقصي للحالة الوبائية، يقول إسحق إنه مع بداية شهر أيلول اعتمدت الوزارة على إرسال دعم طبي ومساندة إلى المناطق التي تشهد ازديادًا في تسجيل الإصابات، أو المناطق التي يوجد بها نقص في أفرقة التقصي. 

حاجة متزايدة لفرق إضافية

في الساعة الثانية ظهرًا من الثامن والعشرين من آب، يتجه الطبيب محمد مجدي، من فريق التقصي الوبائي، إلى لواء سحاب، برفقة زميل له، لمتابعة مخالطين مصابين في أربع عمارات سكنية. يبدأ بتجهيز المخالط لأخذ العينة، يدخل الأنبوب البلاستيكي، الذي يصل طوله سبعة سنتيمترات، في أنف الشخص، ويحركه قليلًا في أنفه لمدة 15-20 ثانية، ليخرج الأنبوب الذي علقت به العينة، ويضع العينة في مادة الوسط الزرعي وتغلق العلبة، ثم إلى الثلاجة التي معهما. وتستغرق عملية سحب العينة من دقيقتين إلى ثلاثة دقائق، لكل شخص.

أعضاء فرق التقصي الوبائي في الميدان. الصور عن طريق أطباء في الفريق.

يبلغ عدد أفرقة التقصي الوبائي الكامل في المملكة اليوم 178 فريقًا، بمجموع 360 شخصًا، نصفهم أطباء والنصف الآخر من الكوادر الطبية المساندة (الممرضون، والمسعفون، وفنيو الأشعة، وموظفو السجلات الطبية.. إلخ). ويتكون كل فريق ثنائي من شخصين (طبيب، وكادر طبي مساند)، وتضم بعض الفرق ثلاثة أشخاص (طبيب أنف وأذن وحنجرة أو طبيب وبائيات، وشخصين من الكوادر الطبية المساندة).

وينقسم عمل فريق التقصي عمومًا إلى قسمين، الأول تقصي مخالطي المصابين، والثاني للتقصي العشوائي، إضافة إلى فريق التقصي داخل الفنادق للقادمين من الخارجين. غير أن التركيز في المرحلة الحالية على المخالطين، بحسب حديث إسحاق.

ويقول إسحاق لـ«حبر» إنه يتم تبديل الأطباء، بشكل دوري كل ثلاثة أشهر، بحيث يتم استبدال الأطباء بأطباء جدد، كما أن عدد الفرق متغير حسب الظرف الوبائي.

ويختص عمل فريق التقصي للمخالطين، بسحب عينات لمخالطي المصاب المحيطين به، وأي شخص جلس معه لمدة تزيد عن ربع ساعة وبمسافة تقل عن متر، وفق تعريف منظمة الصحة العالمية، إذ تسحب ثلاث عينات لهم، على مدار ثلاثة أسابيع. فيما يعمل فريق التقصي العشوائي على سحب عينات بكثرة للمحيط الأكبر للمصاب في منطقة سكنه وعمله وتنقله، ويتم الاستفسار من المصاب حول نقاط تواجده وتنقله، وأخذ كافة المعلومات حول مكان تواجده خلال آخر 14 يومًا من إصابته، سواء في العمل أو زياراته الاجتماعية. ويكون ذلك من خلال أفراد التقصي الوبائي فقط.

قدرة المختبرات المركزية لوزارة الصحة لا تتجاوز سبعة ألف فحص يوميًا، فيما تعتمد في بقية الفحوصات على مختبرات أخرى.

يتحدث أطباء من فرق التقصي الوبائي عن تذبذب أعداد الأطباء الذين يعملون ضمن الفرق، إذ يقل مجموعهم ليصل إلى 80 طبيبًا في بعض الأوقات، جراء مطالبة الوزارة بعودتهم إلى أقسامهم في المستشفيات الحكومية، مما يزيد العبء على البقية العاملين في الفرق.

ومع تزايد أعداد الإصابات في الأردن، يتزايد عمل فريق المخالطين، خاصة مع توسع دائرتهم. إذ أن بعض المصابين بحاجة إلى ثلاثة فرق لمتابعة مخالطيهم، كما تحدث الطبيب في فريق التقصي الوبائي، محمد مجدي. ويتفق أعضاء في فريق لتقصي المخالطين على ضرورة زيادة كوادر فريق التقصي الوبائي، ما بين 30 و50 فريقًا، وفقًا للحالة الوبائية الحالية؛ وهو ما طالبوا الوزارة به نهاية نيسان الماضي، ليتم رفدهم بـ140 طبيبًا منتصف أيار الماضي، إلا أنهم أعيدوا إلى أقسامهم في بداية شهر تموز، لنقص الكوادر في المستشفيات. لكن الوزارة عاودت رفد فرق تقصي المخالطين بكوادر جديدة وصلت إلى 60 شخصًا بداية آب.

وحول ذلك، يتحدث إسحاق عن نقص في الكوادر الصحية في أقسام عديدة داخل المستشفيات الحكومية، لذلك تضطر الوزارة أحيانًا لإجراء تنقلات لملء الشواغر، ويمكن أن يعود جزء من الأطباء إلى فرق التقصي عند الحاجة، مشيرًا إلى أن الوزارة تفكر بتوفير 40 فريقًا إضافيًا في الفترة المقبلة.

قدرات المختبرات المركزية

ينوه إسحاق إلى أن رفع أعداد فرق التقصي الوبائي مرتبط بقدرة المختبرات المركزية على فحص العينات القادمة من الفرق، مقدرًا قدرة المختبرات على إظهار ما بين 12 – 15 ألف نتيجة عينة يوميًا. غير أن عضو لجنة الأوبئة السابق، عزمي محافظة، يشكك في صحة الأرقام السابقة، متوقعًا ألا تتجاوز قدرتها على كشف نتائج خمسة آلاف عينة يوميًا، وفقًا لقدرة المختبر المركزي المعروفة في القطاع الطبي.

ويكشف مصدر طبي في وزارة الصحة، طلب عدم ذكر اسمه، أن قدرة المختبرات المركزية للوزارة لا تتجاوز سبعة ألف فحص يوميًا، فيما تعتمد في بقية الفحوصات (ما بين ستة إلى ثمانية آلاف فحص) على مختبرات الجامعة الأردنية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، والخدمات الطبية العسكرية، والمختبرات الخاصة.

ويوجد في المختبرات المركزية، حسب ما كشفه مصدر آخر في الوزارة، نوعان من أجهزة فحص العينات مخصصة لفحص فيروس كورونا (Real-Time PCR)؛ النوع الأول هو جهاز الـPCR العادي، ويتوفر منه 13 جهازًا داخل المختبرات المركزية، ويستغرق عمله لحين ظهور نتائج العينات أربع إلى ست ساعات، ويوجد منه عدة أجهزة بقدرات فحصية مختلفة؛ الضخمة منها تأخذ 50 عينة كل ست ساعات في وقت واحد كحد أقصى، ومتوسطة الحجم تأخذ 24 عينة، والحجم الصغير يأخذ 12 عينة، في آن واحد.

أما النوع الثاني، فهو جهاز Gene Xpert، ويتوفر منه 58 جهازًا، ويستغرق عمله نحو 45 دقيقة حتى يظهر نتائج العينات. ويحتاج الجهاز كواشف تشخيصية مخبرية، لكنها غير موجودة بكثرة في الأردن. ويأخذ من عينتين إلى 12 عينة، في كل ساعة.

العمل لساعات متأخرة 

مع نهاية شهر آب الماضي، انتقل طبيب الوبائيات، محمد الفاعوري، من العمل في فرق التقصي الوبائي في الوزارة إلى مديرية صحة البلقاء، مع تفاقم الوضع الوبائي في المحافظة، وتزايد الإصابات واتساع الرقع الوبائية بالمدينة، مؤكدًا زيادة ضغط العمل مع دخول المملكة في مرحلة الانتشار المجتمعي من وباء كورونا المستجد.

يشير الفاعوري في حديثه مع «حبر» إلى أن التركيز في عمل التقصي الوبائي أصبح على أخذ عينات من المخالطين المباشرين للمصابين. غير أن فرق التقصي في المحافظة لم تعد تستطيع أخذ عينات من جميع المخالطين بالسرعة الكافية، فقد تتأخر إلى 24 ساعة، بسبب الضغط الكبير على الأطباء ونقص الكوادر. إذ يوجد 30 فريقًا في البلقاء، بعضهم متطوع، يغادر عمله في المركز الصحي أو المستشفى ليلتحق بزملائه.

لا تنكر وزارة الصحة وجود إنهاك للنظام الصحي بشكل كامل، كما فريق التقصي الوبائي.

ويتحدث الطبيب، عن الإجهاد الكبير الذي يتعرض له الأطباء في فرق التقصي الوبائي، مع استمرار العمل دون وجود عطل، مما يزيد الإرهاق لدى الكوادر الطبية، خاصة وأنه قد يخرج فريق تقصي ثنائي، في ساعات متأخرة لتقصي المخالطين لأحد المصابين.

يعمل أطباء فريق التقصي ما بين سبع وعشر ساعات يوميًا. ولا يخفي الأطباء التعب الذي رافق الفرق جميعها منذ بداية الأزمة، إذ أنهم لم يحصلوا على إجازاتهم طيلة الفترة الماضية. ولا تنكر وزارة الصحة وجود إنهاك للنظام الصحي بشكل كامل، كما فريق التقصي الوبائي، بحسب تصريحات إسحاق.

ينتقد عزمي محافظة الضغط الواقع على فريق التقصي الوبائي، خلال الفترة الماضية، متوقعًا عدم فعالية عمل الفرق، في حال استمرار الضغط كما السابق. ويشير إلى عدم دقة أرقام وزارة الصحة حول أعداد الفرق الضرورية لاحتواء الوضع، قائلًا إنه ومع تزايد تسجيل إصابات جديدة في الأردن ووجود آلاف المخالطين، يفترض على الوزارة أن تزيد من قدرتها إلى نحو 200 فريق تقصي على أقل تقدير، مع زيادة الفحوصات، لتستطيع احتواء إي إصابات مجهولة المصدر، وذلك يجب أن يتم خلال 24 ساعة فقط.

يوضّح إسحاق أن أعداد فرق التقصي بالفترة الحالية جيدة (178 فريقًا)، لكن من المتوقع رفعها في حال استمرار تسجيل إصابات بشكل أكبر.

وبحسب الطبيب عمرو العملة، طبيب مقيم انف وأذن وحنجرة ومن فريق التقصي الوبائي، فقد تراكمت الخبرة لدى الكوادر الطبية في وزارة الصحة، وزادت نسبة من يستطيعون سحب عينات، والتعامل مع المخالطين والمصابين، كما زادت مع الوقت سرعة الإنجاز في عمليات الاستقصاء، بمختلف مراحلها.

لكن أطباء في فرق التقصي الوبائي تحدثوا كذلك عن تغير في تعامل بعض المواطنين (من مصابين أو مخالطين) بصورة ملحوظة. إذ أنهم كانوا يزورون منازل في عمارات معزولة بساعات متأخرة بداية الأزمة، وكان التعامل أسهل وأسرع، قبل تزايد الإصابات. غير أن تفاعل المواطنين قل معهم، وأصبح لديهم تهرب في بعض الأحيان.

تم إنتاج هذا التقرير ضمن مشروع «عيون» للصحافة المحلية.