في اليوم العالمي للتمريض: هل تدفع الجائحة لتحسين أوضاع الممرضين والممرضات في الأردن؟

تصميم بيان حبيب.

في اليوم العالمي للتمريض: هل تدفع الجائحة لتحسين أوضاع الممرضين والممرضات في الأردن؟

الثلاثاء 12 أيار 2020

في وقت يشهد فيه العالم جائحة أوقفت مسار الحياة الطبيعي في غالبية الدول، تطل منظمة الصحة العالمية بدراسة عن واقع التمريض والقبالة لعام 2020 تقول فيها إن الحاجة للممرضين في ازدياد خاصة في ظل مواجهة فيروس كورونا المستجد، إذ تظهر أرقام المنظمة أن هناك نقصًا عالميًا يقدر بنحو ستة ملايين ممرض وممرضة، و89% من هذا النقص في البلدان منخفضة الدخل وبلدان الشريحة الدنيا من الدخل المتوسط، بما يعادل 5.3 مليون ممرض وممرضة.

تفيد إحصائيات نشرتها المنظمة (التي خصصت عام 2020 سنة دولية لكادر التمريض والقبالة) بتوفر ما يزيد عن 22 ألف ممرضة وممرض قانوني (أي حاصل على شهادة البكالوريوس) في الأردن، و5574 تمريض مشارك (دبلوم)، بواقع 28 ممرضًا لكل 10 آلاف مواطن، في حين ينقل منتدى الاستراتيجيات الأردني في تقرير له أن النسبة العالمية لسنة 2017 تقدر بنحو 37 لكل 10 آلاف. ويزيد عدد العاملين في مجال التمريض عالميًا عن 27 مليون شخص. كما خصص يوم 12 أيار من كل عام كيوم عالمي للتمريض.

تظهر أرقام نقابة الممرضين الأردنيين أن أكثر من 36 ألف ممرض وممرضة وقابلة قانونية ينتسبون إليها، بينهم حوالي 20 ألف ممرض وممرضة قانونيين يعملون في الأردن، وفق النقيب خالد الربابعة. 

ومع أن الأردن لا يفتقر إلى كوادر تمريضية، بحسب الربابعة إلا أن النقص يتمثل في تعيينات يحتاجها القطاع العام. «ما عنا نقص في التمريض في الأردن، ممكن في نقص بالتعيينات بالقطاع العام لكن بشكل عام لو وزير الصحة يطلب الآن ألف ممرض بنعطي ألف، في أكثر من ألف مش معينيين بدوروا على شغل».

كما أنه، رغم توفر أعداد كافية من الممرضين العامين، يقول منتدى الاستراتيجيات الأردني في تقريره الصادر عام 2019 إن هناك نقصًا في الممرضين المختصين «ممرضو عناية حثيثة، غسيل كلى، إنعاش، عمليات، إلخ»، ويوضح الربابعة الذي لم يذكر عدد الممرضين المختصين الذين يحتاجهم الأردن أن التمريض على مستوى العالم ينتقل حاليًا من مرحلة تعيين ممرض عام إلى ممرض مختص، «إذا قلنا إنه بدنا كل اللي بداوموا في القسم يكونوا مختصين بصير في عندنا حاجة، أما إذا قلنا إذا كانوا 4 بداوموا في الشفت بقسم معين وبدنا واحد ممرض مختص يكون مسؤول عنهم ببطل في نقص، إحنا نطمح إنه كلهم يصيروا مختصين».

وتوجهت حبر لوزارة الصحة بالسؤال حول وجود نقص في تعيين الممرضين والممرضات في القطاع العام، دون الحصول على ردّ.

يظهر بند موازنة وزارة الصحة لسنة 2020 أن التقدير الأولي لموظفي الوزارة من الممرضين والممرضات والقابلات القانونيّات بلغ 10985 في 2020، و10825 في عام 2019. أما أحدث بيانات مفصلة حول توزيع الممرضين فتعود لعام 2018، وجاءت على النحو الآتي.

صنف ديوان الخدمة المدنية تخصص التمريض للذكور والإناث لمرحلتي البكالوريوس والدبلوم ضمن التخصصات المشبعة لسنة 2018/2019، أي أن نسبة التعيين فيها ضعيفة، إذ بلغ عدد الخريجين الجامعيين الذين تقدموا بطلبات توظيف في ديوان الخدمة المدنية لتخصص التمريض ذكورًا وإناثًا حتى نهاية 2018 نحو 5 آلاف، عيّن منهم 738 واستنكف عن التعيين 595. أما حملة درجة الدبلوم الشامل فقد تقدم في نفس العام 2388، عيّن منهم 137 واستنكف 55.

لكن رئيس جمعية المستشفيات الخاصة الدكتور فوزي الحموري قال لحبر إن القطاع الخاص يوظّف نحو 6 آلاف ممرضة وممرض قانوني، ويلفت في ذات الوقت إلى أن هذا العدد كافٍ، إلا أن مشكلة القطاع الخاص تتمثل في رفض الممرضات الأردنيات للعمل ليلًا في أقسام تحتاج لممرضات مثل قسم النسائية والتوليد، في حين تمنع نقابة الممرضين منذ ما يقارب العام عمل ممرضات أجنبيات في القطاع لتوفير فرص عمل للأردنيين.

كما انتقد منتدى الاستراتيجيات الأردني عدم وجود قاعدة بيانات موحدة توفر أرقام دقيقة عن أعداد الممرضين في الأردن، لافتًا إلى أن الأرقام المتوفرة غير متطابقة وتختلف بحسب الجهة المزودة لها.

يشير فوزي الحموري إلى أن مصاعب يواجهها القطاع الخاص تتعلق بعدم كفاية التدريب العملي للممرضين والممرضات في جامعاتهم، وانتقالهم بعد حصولهم على الخبرة الكافية للعمل خارج الأردن. ولا يتوفر لدى نقابة الممرضين أو جمعية المستشفيات الخاصة نسبة للممرضين الأردنيين العاملين في الخارج.

الدكتور هاني النوافلة أمين عام المجلس التمريضي الأردني، الذي تأسس عام 2002 كمؤسسة حكومية ذات استقلال إداري ومالي ويعنى بتنظيم مهنة التمريض في الأردن وتطوير المهنة، يرى أن هناك نقصًا في مواقع تدريب الممرضين والممرضات في المستشفيات والمراكز الصحية، سببه أعداد الطلبة الكبير، ما يستدعي تفعيل مختبرات الكليات كبديل، خاصة مختبرات المحاكاة. ويفضل النوافلة أن يكون مشرفو التدريب في كليات التمريض من حملة شهادة الماجستير وأصحاب الاختصاص، ويفضل من الحاصلين على (مختص متقدم) لامتلاكهم خبرة عملية متميزة. وأكد أهمية أن يمنح التمريض الفرصة في تحقيق ذاتهم من خلال المواقع الإدارية وتمكينهم من المساهمة في إدارة المؤسسات والمراكز الصحية خاصة للمختص المتقدم.

يخرّج الأردن سنويًا نحو 1500 ممرض وممرضة و200 قابلة. يتوافر في الأردن 15 برنامجًا لتدريس بكالوريوس التمريض في الجامعات الأردنية و18 برنامجًا للماجستير وواحد للدكتوراه في الجامعة الأردنية، بحسب معلومات المجلس التمريضي الأردني الذي يعمل على تأسيس مركز وطني لتدريب كوادر تمريضية وصحية بالمحاكاة بحيث يبدأ أعماله في الأشهر القليلة القادمة.

ولم تجب وزارة الصحة على أسئلة حبر حول البطالة بين الممرضين وكفاية أعدادهم في المستشفيات الحكومية وهجرة بعضهم لدول أخرى، لكن وزير الصحة سعد جابر قال في تصريح لقناة المملكة في سياق الحديث عن قدرة البلاد على مواجهة فيروس كورونا «نحن في الأردن لم نحتاج طبيب ولا ممرض ولا جبنا حدا من برا عنا كوادرنا دربناها»، وهناك قدرة على تصدير كفاءاتنا الطبية لمساندة الدول المحتاجة، بحسبه.

منذ بدأ الأردن بإجراءات مشددة لمواجهة فيروس كورونا المستجد في منتصف آذار الماضي أعلن المجلس التمريضي الأردني عن حاجته لممرضين متطوعين، فتقدم للتطوع 30 طالب تمريض في السنة الرابعة من طلبة الجامعة الأردنية و76 ممرضًا قانونيًا، بهدف تخفيف الضغط عن الممرضين في المستشفيات التي تستقبل المصابين بفيروس كورونا وأبرزها مستشفى الأمير حمزة في عمّان، كما يقول النوافلة الذي يؤكد أن هذه الخطوة لا تعني قلة الأعداد في المستشفى.

«رواتب لا تتناسب مع ضغط العمل»

تقول الممرضة روان (27 عامًا) التي تعمل في قسم الخداج في مستشفى حكومي في عمّان، إنها تتقاضى نحو 600 دينار شهريًا بعد أن استمرت في العمل في ذات المشفى لمدة خمس سنوات، إضافة إلى حوافز تصل إلى 200 دينار كل ثلاثة أشهر. بحسبها قد يرى البعض هذا الراتب جيد مقارنة بقطاعات أخرى، لكنه قليل مقارنة بالجهد الذي يتحمله الممرضون والممرضات الذين يعملون بنظام «الشفتات» ليلًا نهارًا مما يعزلهم عن حياتهم الاجتماعية، ومع ذلك تفضل روان عملها كممرضة في القطاع الحكومي عن ظروف القطاع الخاص حيث تقاضت زميلات لها في مستشفيات خاصة 300 دينار شهريًا في السابق، وأحيانًا تأخرت إدارة المستشفيات التي عملن فيها بتسليم رواتبهنّ، وهو ما دفعهنّ فور توفر فرصة لهنّ للانتقال للعمل في مستشفيات حكومية.

تشدد منظمة الصحة العالمية على أهمية جذب الممرضين والممرضات للاستمرار في العمل وتوظيف كوادر صغيرة في السن للحد من النقص العالمي لافتة إلى أن رواتب الممرضين والممرضات المنخفضة وساعات العمل الطويلة وضغوط العمل في بعض الدول من الأسباب المؤدية لتخليهم عن المهنة أو هجرتهم من دولهم إلى دول توفر فرصًا أفضل بالنسبة لهم. وتبلغ متوسط تكلفة الممرض أو الممرضة سنويًا في الأردن حوالي 6600 دينار بحسب دراسة صدرت حديثًا عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

وبحسب ما أوردته صحف العام الماضي فإن راتب الممرض أو الممرضة الإجمالي في القطاع الحكومي عند بدء التعيين يبلغ نحو 450 دينارًا شهريًا، ولم يتسن الحصول على رقم تعتمده المستشفيات الخاصة كراتب للممرضين عند بدء التعيين، لكن الحد الأدنى لأجور العاملين في الأردن هو 220 دينارًا، ومن المقرر أن يرتفع إلى 260 دينارًا للأردنيين في عام 2021. 

بعد الجائحة قررت الحكومة وقف العمل بالزيادة المقررة لموظفي الجهازين الحكومي والعسكري، وطال القرار العاملين في التمريض

محمد الحموري (33 عامًا) ممرض عمل قبل انتشار وباء كورونا في قسم العناية القلبية الحثيثة في مستشفى الملك المؤسس عبدالله الجامعي في محافظة إربد، لكن بعد بدء الجائحة واستقبال المستشفى لأعداد من المصابين بالفيروس نقل للعمل في قسم العزل للحالات الصعبة، هذا القسم الذي استحدثته إدارة المستشفى واختارت قسم الحروق مكانًا له ليتم العزل فيه، نظرًا لتوفر غرف خاصة -غير مشتركة- لكلّ مريض.

الحموري يعمل في مهنة التمريض منذ ثمانية أعوام، أربعة منها في القطاع الخاص، ويتقاضى حاليًا راتبًا يبلغ نحو 650 دينارًا شهريًا، متزوج من ممرضة تعمل في مستشفى رحمة للأطفال في إربد، لديه طفل وينتظر قدوم مولود آخر. يقول إن ساعات العمل الطويلة التي قد تتجاوز 17 ساعة أحيانًا ليست هاجسه في الوقت الراهن، ورغم كل احتياطات السلامة التي يتبعها إلا أن قلقًا ينتابه باستمرار من نقل فيروس كورونا إلى زوجته الحامل وطفله. «أصعب إشي ممكن تشعر فيه إنه لما تروح عالبيت وييجيك شعور غريب إنك خايف تنقل الفايروس لمرتك أو ابنك، بتحس إنه الدنيا كلها فوق راسك وبتصير تتهيألك أشياء، عندك حامل وولد صغير بتخاف تكون مصاب بالكورونا».

انتقل الحموري من العمل في القطاع الخاص للقطاع الحكومي رغم تقدم رتبته الوظيفية لدرجة ممرض رئيسي في مستشفى خاص في عمّان بسبب العامل المادي، إذ لم يصل راتبه بعد نحو أربع سنوات من الخبرة إلى 500 دينار.

بعد الجائحة قررت الحكومة وقف العمل بالزيادة المقررة لموظفي الجهازين الحكومي والعسكري، وطال القرار العاملين في التمريض وهو ما أكده حموري الذي خصم من راتبه الزيادة المقررة بواقع 50 دينارًا، كما خفضت حوافز أخرى يحصل عليها من 60 دينارًا إلى 48 دينارًا. 

صدر كتاب مشترك اطلعت عليه «حبر» عن نقابة الممرضين ونقابات الأطباء، أطباء الأسنان والصيادلة الشهر الماضي، طالب باستثناء الكوادر الطبية من القرار، «الكوادر الصحية كانت مستثناة من قرار العطلة الرسمية، وأثبتت من اليوم الأول من جائحة كورونا أنها كانت الدرع الواقي للوطن، وتحملت السهر والتعب، ومنهم من لم يدخلوا منازلهم منذ 40 يومًا..».

الممرض حموري الذي درس التمريض في كلية مجتمع ثم حصل على البكالوريوس في ذات التخصص من جامعة العلوم والتكنولوجيا ويكمل فيها حاليًا دراسة الماجستير في إدارة خدمات صحية تمريضية، يوضح أنه اختار دراسة هذا التخصص في عام 2005 حين كان الطلب شديدًا على الممرضين الذكور في دول الخليج وكندا والولايات المتحدة، لكن بعد تخرجه تبين أنه بحاجة للخبرة، وبعد كل هذه السنوات ما زال الحلم قائمًا بتحسين وضعه المادي.

النقابة ما زالت تتابع شكاوى من ممرضين وممرضات على ستة مستشفيات خاصة تتأخر في دفع الرواتب منذ أشهر وذلك حتى قبل أزمة كورونا

يعلق الربابعة أن النقابة ما زالت تتابع شكاوى من ممرضين وممرضات على ستة مستشفيات خاصة تتأخر في دفع الرواتب منذ أشهر وذلك حتى قبل أزمة كورونا، في وقت أكد فيه أن النقابة ستسعى بعد استقرار الأوضاع في البلاد بالاتفاق مع الجهات المعنية، لتحديد حد أدنى لرواتب العاملين في قطاع التمريض، ليكون 550 دينارًا للعاملين في العاصمة و450 دينارًا للعاملين في المحافظات. وفي عام 2013 سعت نقابة الممرضين الأردنيين لأن يبلغ الحد الأدنى لأجر الممرض والممرضة الشهري 870 دينارًا الأمر الذي لم يطبق على أرض الواقع.

يصنف في الأردن من يدرس بكالوريوس التمريض كممرض قانوني، وينتسب لنقابة الممرضين الأردنيين، أما من يدرس في كلية مجتمع ويحصل على الدبلوم الشامل فيصنف كممرض مشارك، بينما توقف اعتماد أي ممرض مساعد منذ حوالي عام 2010 بعد تحويل مدارس تمريض تابعة لوزارة الصحة إلى كليات مجتمع، وفق نقيب الممرضين خالد الربابعة. ويلفت الممرض حموري إلى أن مساعد الممرض يكون من لا يحمل شهادة الدبلوم الشامل وحاصل على شهادات ودورات تأهيلية. لكن لا يقبل حاليًا باستثناء الموظفين القدامى اختصاص مساعد التمريض، كما يوضح الربابعة.

عن بدايات التمريض في الأردن

قبل نحو 33 عامًا لم يختر أبو عبدالله (51 عامًا) دراسة التمريض لشغفه بالتخصص، بل لأن هذا ما توفر له في ظل ظروف عائلته الصعبة التي سكنت في محافظة إربد حينها، حيث تقاضى والده العسكري راتبًا يبلغ نحو 70 دينارًا شهريًا بوجود 10 أشقاء لديه. لذا بعد أن أنهى المرحلة الثانوية انتسب لمدرسة الخدمات الطبية الملكية في عمّان قبل أن تتحول إلى كلية في عام 1992، ودرس تخصص التمريض بمنحة من الجيش، إضافة لراتب بلغ 72 دينارًا ساهمت في مساندة عائلته مدة 18 شهرًا. 

بعد تخرجه يتذكر أبو عبدالله فرحته بأول علاوة تلقاها لحصوله على شهادة تؤهله للعمل كمساعد ممرض وبدأ عمله في مستشفى الملكة علياء العسكري براتب 79 دينارًا عام 1989 «كان ماضينا صعب من ناحية ماديّة، كنّا عايشين بقرية، رب الأسرة الي عنده 12 نفر وراتبه 70 ليرة كيف بده يدرس ولاده (…) الجيش بدرسنا وبعطينا راتب 72 ليرة ولما تتخرج بصير 79 علاوة الشهادة، كان لا يمكن يرمجوك أو يخلوك تترك الشغل لانه محتاجين ممرضين كانوا بهذيك الفترة».

ومع أن أبا عبدالله حصل على راتب 100 دينار بعد عام 1990 وتقاعد براتب 243 دينارًا إلا أنه لا يندم على دراسة التمريض، لكن لو عاد فيه الزمان يقول «برجع ادرس تمريض بس بكالوريوس..» لتحسين وضعه المادي. يعمل أبوعبدالله منذ تقاعده عام 2006 من مستشفى الملكة علياء العسكري، في مستشفى فلسطين براتب 500 دينار، متزوج ولديه 5 أبناء اثنان منهما في الجامعة، يدرس ابنه تخصص الفيزياء بينما تدرس ابنته الطب البشري في الجامعة الأردنية.

حتى عام 1953 لم يكن هناك أي كلية تدرس التمريض في الأردن، في ذلك العام افتتحت مدرسة التمريض الأردنية في عمّان لتدريب الممرضات القانونيات، قبل ذلك التاريخ يتذكر وزير الصحة الأسبق الدكتور زيد حمزة باعتباره شاهدًا على البدايات -وهو من مواليد عام 1932-، أن المستشفيات لم تكن منتشرة في الأردن وانتشرت عوضًا عنها مصحّات بسيطة عرفت باسم «الصحية زي عيادة كبيرة لمديرية الصحة تابعة لوزارة الداخلية»، وتأسست وزارة الصحة كوزارة مستقلة عام 1950.

يقول الدكتور حمزة الحاصل على بكالوريوس في الطب من مصر، أن إنشاء مدرسة التمريض في منطقة الأشرفية تمّ بمساعدة برنامج أميركي خصصته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية للدول النامية، حمل اسم «النقطة الرابعة»، «أنا أجيت كانت المدرسة مبنية جيت اشتغلت طبيب بوزارة الصحة سنة 1956 والمدرسة مبلشة تعلم».

يروي الوزير الأسبق حمزة أن بدايات بناء المدرسة، التي درّس فيها بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في الطب عام 1956، ترافقت مع بناءين آخرين، أحدهما خصص كمستشفى للولادة والآخر بنته جمعية مكافحة السل كمستشفى للأمراض الصدرية، على أرض مساحتها 120-150 دونمًا، قبل أن تتملكها لاحقًا وزارة الصحة لتوسيع المستشفيات «كانت هذه المدرسة جميلة في منطقة الأشرفية بعمّان وشكلت مع البناءين نواة لمستشفى البشير الموجود حاليًا».

نقلت مدرسة التمريض اليوم من الأشرفية إلى طريق ياجوز حيث تحمل اسم كلية رفيدة الأسلمية للتمريض والقبالة، وفق حمزة افتتحت في فترة الخمسينيات كذلك طبيبة بريطانية مدرسة لتعليم القبالة في مبنى صغير، تملكتها لاحقًا وزارة الصحة «هاي نفعتنا بموضوع الأمومة والطفولة كجزء من الرعاية الصحية الأولية».

بحسب حمزة فإن غالبية الأردنيين لم يرغبوا في ذلك الزمان بأن تمتهن بناتهن التمريض، فابتعثت الحكومة «من خيرة بنات العائلات الأردنية (للجامعة الأميركية في بيروت) تشجيعا للمجتمع الأردني الي كان أيامها متحفظ إنه كيف البنت تروح تدرس تمريض أو تشتغل مع رجال!». يذكر حمزة من هذه العائلات حجازي وطبارة وحدادين. ويشير إلى أنه عمل مع ستة منهن في التدريس بمدرسة التمريض التي خرّجت ممرضات فقط، فلم يكن رائجًا وجود ممرضين ذكور في الأردن، وكان يطلق على من يعمل من الذكور في مهنة التمريض اسم «تمرجي». ولعدم توفر مدرسة للذكور في الخمسينيات لم يشترط لمن يعمل منهم الحصول على مؤهل علمي وكان يكتفى بتدريبهم في المستشفى.

في عام 1962 أنشئت كلية الأميرة منى للتمريض في الخدمات الطبية الملكية في عمّان ودرست فتيات من حملة الثانوية العامة «التوجيهي» تخصص التمريض بإشراف ممرضات متقاعدات من الجيش البريطاني كما يشير تقرير مجلس التمريض الأردني، أصبحت الكلية تمنح درجة البكالوريوس في التمريض عام 1998 حين ألحقت بالجناح العسكري لجامعة مؤتة، وتدرس اليوم إضافة للبكالوريوس برنامج الماجستير في تمريض الأطفال والدبلوم العالي في التمريض والقبالة.

وفي عام 1972 أنشئت كلية التمريض في الجامعة الأردنية، وفي ذلك العام تأسست أيضًا نقابة للممرضين والممرضات والقابلات القانونيات، ترأستها في أول مرة وعلى مدار أربعة أعوام فكتوريا كرادشة، وتلتها في رئاسة النقابة أنيسة هواش لمدة عامين، وفي عام 1984 افتتحت كلية التمريض في جامعة العلوم والتكنولوجيا في محافظة إربد.

تولى حمزة في عام 1985 وزارة الصحة في حكومة زيد الرفاعي وخلال توليه للحقيبة الوزارية أنشأ كما يقول معهدًا أيضًا في منطقة الأشرفية في عام 1987، يختص بتخريج معلمات في التمريض للمساهمة في التدريس بكليات التمريض في الأردن، وعملت فيه مدرسات أردنيات ومن جنسيات أخرى ممن حملن شهادة الماجستير والدكتوراه.

وبرغم كل التغييرات يلفت حمزة إلى أن التمريض عانى من قصور في عدد الممرضات المؤهلات، فأثناء توليه الحقيبة الوزارية يقول إن الوزارة اضطرت لتعيين ممرضات من جنسيات أجنبية، ويذكر استقباله لوفد مكون من 30 ممرضة من بولندا.

تمنح اليوم ست جامعات حكومية درجة البكالوريوس في التمريض، إضافة لجامعة البلقاء التطبيقية التي تمنح درجة الدبلوم في التمريض عبر سبع كليات، كما تدرس ثماني جامعات خاصة التمريض، بحسب رصد حبر لبيانات وزارة التعليم العالي. وبلغ عدد طلبة التمريض لسنة 2017/2018 في الجامعات الحكومية والخاصة 4832، 75% منهم يدرسون في الجامعات الحكومية بحسب تقرير للمجلس الصحي الأعلى. ومن أبرز الكليات التي تدرس التمريض كلية رفيدة الأسلمية في ياجوز وكلية نسيبة المازنية في إربد، وهما كليتان حكوميتان تتبعان لوزارة الصحة، وكلية الخدمات الطبية الملكية للمهن المساعدة وتتبع للقوات المسلحة الأردنية.

نظرة المجتمع: ما قبل كورونا ليس كما بعدها 

يتفق ممرضون التقتهم حبر على أن نظرة المجتمع للعاملين في قطاع التمريض تغيرت نحو الأفضل بعد أزمة كورونا، وهو ما تشرحه الممرضة روان، التي أصبحت تتمسك بعملها رغم الضغوط ورغم اضطرارها للقيام بمهام ليست من اختصاصها، مثل مهام التنظيف «بفترة من الفترات كثير كرهت شغلي بس بعد أزمة كورونا حمدت الله إني طلعت ممرضة، عرفت أهميتي كممرضة وإني عنصر مهم والمجتمع ما بقدر يستغني عني بهيك ظروف…الناس ما كانت عارفة أهميتنا كانت دايما تتمسخر من التمريض وتحط الحق عالتمريض بس بهاي الأزمة الناس عالأقل صارت تحترمنا».

ويرى أبو عبدالله أن «ثقافة العيب» المتعلقة بمهنة التمريض للذكور «راحت، زمان كانوا ينتقدوا إذا شب دارس تمريض لإنه المجتمع كان متعود إنه التمريض للبنت لكن الظروف المادية حاليًا حطت حد لهاظ الإشي».

وفي تقدير الوزير الأسبق حمزة فإن مهنة التمريض مهنة شاقة ومتعبة وقليلة التقدير في المجتمع، بعكس بريطانيا على سبيل المثال التي اختص فيها حمزة أنف، أذن وحنجرة، إذ يرى أن للممرضة في تلك البلاد احترامًا ونفوذًا يكون أحيانًا أهم من نفوذ الطبيب. ومع ذلك يرى الوزير الأسبق أن نظرة المجتمع تغيرت للأفضل حيال مهنة التمريض في ظل حاجة الناس لفرص عمل. 

«قبل الكورونا مش زي بعد الكورونا، الناس قبل ما كانوا يعرفوا إنه المستشفى ما بقوم غير عالممرضين.. كان في نظرة سلبية تجاه الممرض وأحيانا فوقية، الناس صارت تعرف إنه الممرض إشي كثير مهم حاليًا، الأمن الصحي زيه زي الأمن الغذائي»، يعلق الممرض حموري. ويضيف أنه أصبح هناك تسليط للضوء على الممرضين والممرضات بينما كانت لقاءات الإعلام وحتى المسؤولين في السابق تتركز مع الأطباء والاختصاصيين، «الكورونا كان فيه فايدة إلنا الحمد لله، صاروا الناس يعرفوا إنه شغلنا متعب». 

تصنف المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي مهنة الممرضين العاملين في غرف الجراحة والتعقيم والعناية الحثيثة على أنها مهن خطرة بحسب ما أفاد الناطق باسم المؤسسة موسى الصبيحي، في حين تطالب نقابة الممرضين بإدارج كل المهنة دون استثناء ضمن المهن الخطرة، وهو ما طلبه المجلس التمريضي من الضمان كذلك، بحسب النوافلة. وتعني خطورة المهنة إمكانية حصول العامل فيها على راتب تقاعد مبكر عند سن 45، على ألا تقل مدة الاشتراك في مؤسسة الضمان الاجتماعي عن 15 عامًا للإناث و18 عامًا للذكور.

«بعد ما إجا الوباء صرنا نسمع الله يعطيكم العافية وحسوا الناس بصعوبة شغلنا، زمان ما كانوا يعرفوا إنه 18 ساعة أحيانًا بنشتغل ما بصحلنا نشرب كاسة مي، في ضغط بالشغل وضغط نفسي خاصة لما مريض يتوفى قدامك»، يختم محمد حموري.