الحق الدستوري في الرعاية الصحية: لمَ يجب أن نتمتع به، ولمَ نحن محرومون منه؟

الخميس 09 تموز 2020
تصميم ندى جفّال.

شهد العصر الحديث تقدمًا هائلًا في التكنولوجيا الطبية، وأصبح بالإمكان معالجة الكثير من الأمراض التي لم يتوفر لها علاجٌ في السابق. ترافق ذلك مع توسع في المرافق الصحية ومختلف أنواع الإجراءات والعمليات الجراحية، إضافة إلى الكثير من الأصناف الجديدة من الأدوية. في المقابل، صاحبَ هذا التقدم ارتفاعٌ هائلٌ في تكاليف الرعاية الصحية، ما يعني أن بعض هذه الخدمات لا تقدّم لمن لا يملك ثمنها.

كان لارتفاع تكلفة العلاج نتائج سلبية أخلاقيًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا؛ فالكلفة المرتفعة للحصول على العلاج تحرم الفقراء من الاستفادة من كل هذا التقدم، كما أنها تساهم في تعطيل عملية الإنتاج في حال عدم معالجة العمال المرضى، وتُلحِق الفقر بمتوسطي الدخل، وهي سبب في تسهيل انتقال الأمراض من الذين لن يتلقوا العلاج لغيرهم من السكان.

لمجابهة ارتفاع أسعار تكاليف الرعاية الصحية ظهرت أنواع مختلفة من التأمين الصحي، بينها التأمين الخاص بالأفراد القادرين، وتأمين العمال من قبل أصحاب العمل، وتأمين الجنود والموظفين الحكوميين، والأطفال وطلاب المدارس، والفقراء الذين يتلقون مساعدات حكومية، والأمهات والمسنين. ولحق ذلك تحمّل الحكومات كلفة علاج بعض الأمراض السارية والأوبئة لمنع انتشارها، والأمراض العقلية للحدّ من تأثيراتها السلبية على المجتمع.

لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمجابهة عبء المرض والمحافظة على صحة المواطنين حتى في الدول المتقدمة؛ إذ بقيت نسبة كبيرة من المواطنين غير قادرة على الحصول على رعاية صحية لائقة تمكنهم من مجابهة الأمراض، بسبب ارتفاع تكلفة هذه الرعاية، وبدأت تُطرح وتُرفض مسألة التمييز في الرعاية الصحية، ولم يبق أمام العالم إلا الاعتراف بالرعاية الصحية بوصفها حقًا من حقوق الإنسان الأساسية.

مع ظهور دراسات تثبت أن المرض وغياب الصحة مرتبطان بأسباب اجتماعية واقتصادية، إضافة إلى الأسباب العضوية والجرثوميّة وغيرها، تبنّت منظمة الصحة العالمية مفهوم المحددات الاجتماعية للمرض، حيث حددت الفقر والاستبعاد الاجتماعي والأمية والبطالة والعجز ومشاكل الأمومة والطفولة وفقدان الأمن الوظيفي ونقص السكن وتدني النُظم الصحية وشبكات الأمان الاجتماعي كأسباب اجتماعية تؤدي إلى اعتلال الصحة؛ ما يعني أن المجتمع مسؤول عن تقديم الرعاية الصحية للأمراض التي ساهم في ظهورها وانتشارها.

هذا ما كرّسته ووضّحته أزمة فيروس كورونا المستجد، إذا إن العديد من الأمثلة حول العالم توضح كيف أن خطر الإصابة بـ«كوفيد-19» أعلى بالنسبة للفئات الأكثر تأثرًا بهذه المحددات الاجتماعية. فضلًا عن ذلك، فقد وضّحت الأزمة أن التعامل مع جائحة بهذا الحجم، نشأت بسبب ظروف بيئية واقتصادية خلقتها العولمة، لا يمكن أن ينجح دون توسيع أطر الرعاية الصحية المجانية بوصفها حقًا.

الحق في الرعاية الصحية في المواثيق الدولية

يؤرخ الاعتراف بمفهوم حقوق الإنسان مع الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن عام 1789، في أعقاب الثورة الفرنسية، الذي اهتم بشكل خاص بمبادئ الحرية والمساواة. وجاء الاعتراف بالجيل الثاني من هذه الحقوق التي اهتمت بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمواطن والأجنبي مع تأسيس المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

بدأ الاعتراف والتصريح بحق البشر في الرعاية الصحية في المواثيق الدولية ضمن دستور منظمة الصحة العالمية الذي صدر في عام 1946، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1948. وسرعان ما أعلنت منظمة العمل الدولية عن حق العمّال في هذه الرعاية من خلال اتفاقية المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي رقم 102 لسنة 1952. وعادت هيئة الأمم المتحدة لتضمين هذا الحق في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966. وصدر إعلان ألما-آتا «الصحة للجميع» عام 1978، الذي تم تأكيده بشعار «الصحة للجميع الآن»، الصادر عن حركة صحة الشعوب التي اجتمعت في بنغلادش عام 2000 بحضور 1453 مشاركًا من 92 دولة. وأخيرًا، برز التصريح بهذا الحق عام 2000 في الإعلان عن أهداف التطور الألفي المستدامة حيث اعتبر الحق بالصحة شرطًا وضرورة لمكافحة الفقر وتفعيل النمو الاقتصادي.

وفي مواثيق هذه المنظّمات ظهر الحق بالرعاية الصحية، وأصبح الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية من الحقوق الأساسية التي لا غنى عنها، وصار هذا الحق مكمّلًا لغيره من حقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها كل فرد، وعلى دول العالم الالتزام بضمان هذا الحق. ولا يشمل هذا الحق العلاج فقط، إذ اعتبرت منظمة الصحة العالمية أن الصحة عبارة عن مفهوم شامل، «وهي حالة من الرفاهية الجسدية والعقلية والاجتماعية كاملة وليس مجرد غياب المرض أو العجز». وبالتالي فإن الحق في الرعاية الصحية المتضمّن في المواثيق الدولية يشمل عددًا من المبادئ، بينها حصول كل فرد من أفراد المجتمع على قدر متساوٍ من الخدمات الصحية، وتهيئة بيئة عمل صحية وآمنة له، والعيش في ظل بيئة صحية خالية من الأمراض، وتوفير القدر الكافي من شروط الصحة مثل الغذاء الكافي والمسكن ومياه الشرب الجيدة.

الحق في الرعاية الصحية في دساتير دول العالم والدول العربية

أثّرت الاتفاقيات الدولية التي نصت على الحق بالرعاية الصحية على دساتير العديد من الدول، وبالتالي صرّحت دساتير 115 دولة في العالم بحق مواطنيها بالصحة والرعاية الصحية. ومن الملاحظ أن الدساتير التي تم وضعها قبل الحرب العالمية الثانية لم يتضمن معظمها ذكر هذا الحق في نصوصها مثل دستور الولايات المتحدة وبريطانيا، كما يلاحظ تزايد عدد الدول التي تعترف دساتيرها بالحق بالصحة مع التعديلات الحديثة على هذه الدساتير.

تعدّدت أشكال ضمان الحق بالرعاية الصحية في دساتير دول العالم. فبعضها اكتفى بحق المواطن بالرعاية الصحية (موزمبيق)، وبعضها ذهب لأبعد من ذلك وألزم الدولة تقديمَ هذه الرعاية لمواطنيها (الأوروغواي)، بل أن بعضها ألزم الدولة بتحسين صحة مواطنيها (هولندا)، كما حدّدت بعض الدساتير وسائل تمويل وتقديم وتنظيم الرعاية الصحية مثل دساتير الدول الاشتراكية.

أمّا بالنسبة للدول العربية، فلم يظهر الحق في الرعاية الصحية في دساتيرها بعد الاستقلال مباشرة، وإنما ظهر في مرحلة تالية على ذلك، حيث جاءت الموجة الأولى في الجمهوريات العربية؛ مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان واليمن، ولحقتها بعد فترة طويلة الممالك العربية وخاصة بعد ثورات الميادين العربية وكان آخرها المملكة المغربية. ولم يظهر هذا الحق في الدستور اللبناني الذي وضع أثناء الانتداب الفرنسي بسبب عدم إجراء تغييرات عليه باستثناء التغييرات الحاصلة في اتفاق الطائف.

الدستور الأردني والحق في الرعاية الصحية

يشكّل الدستور الأردني استثناءً لجميع الدساتير العربية، وهو من الدساتير القليلة في العالم التي تخلو من النص على حق المواطن بالصحة وخدمات الرعاية الصحية، رغم التعديلات المتلاحقة التي لحقت به.

منح دستور 1952 للأردنيين الحق في التعليم في المرحلة الأساسية والحق في العمل، ولم يأتِ على ذكر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، وأهمل تمامًا حق الأردني في الصحة والرعاية الصحية. لكن الدستور من جهة ثانية ألزم الدولة بحماية العمل بأن تضع له تشريعًا، وهو قانون العمل، يقوم على مبادئ متعددة منها تعويض العمّال في حالة المرض حيث حصل العاملون في كثير من المنشآت الكبيرة على تأمين صحي لهم ولعائلاتهم، والذي كان يفترض أن يتوسع ليشمل كل عمّال الأردن على شكل تأمين صحي وتأمين إعالة أثناء المرض مع إنشاء الضمان الاجتماعي.

عرف الدستور الأردني العديد من التعديلات، والتي كانت في الأعوام 1958، 1960، 1965، 1973، 1974، 1976، 1984، 2011 ، 2014 و2016. ولم تأتِ كل هذا التعديلات (باستثناء تعديل 2011) بأية إضافة لحقوق الأردنيين الاقتصادية والاجتماعية. ورغم توقيع الأردن على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عام 1972 والتي صادق عليها عام 1975، لكنه لم يعرضها على مجلس الأمة لجعلها واجبة التنفيذ.

جاء تعديل الدستور في عام 2011 استجابةً للضغوط الشعبية، وفي أجواء انتفاضات الميادين العربية، حيث شمل هذا التعديل إضافة واجب الدولة في حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة، وبناءً عليه جرى شمول الأطفال والمسنين بالتأمين الصحي المدني مجانًا.

نص تعديل 2011 للدستور الأردني بإضافة الفقرة 5 للمادة 6 من الدستور:
يحمي القانون الأمومة والطفولة والشيخوخة ويرعى النشء وذوي الإعاقات ويحميهم من الإساءة والاستغلال.

حقق تعديل الدستور الأردني لعام 2011 نقلة نوعية في حقوق الأردنيين الاقتصادية والاجتماعية، لكن هذا التعديل لم يرقَ إلى المستوى الذي يتمتع به مواطنو العالم والدول العربية، حيث لم يمنح الجميع الحق بالرعاية الصحية. ويبدو أن الاحتجاجات الجماهيرية في الأردن لم تكن كافية لإقناع النظام بضرورة حصول الأردنيين جميعًا على هذا الحق.[1]

الآثار المترتبة على العهود الدولية والنص الدستوري

لا يعتمد تطبيق الحق بالرعاية الصحية على الموارد المتاحة للدولة ووضعها الاقتصادي فقط، فالكثير من الدول الفقيرة عملت على الالتزام بتطبيقه قبل الدول الأغنى. تطبيق هذا الحق يتطلب أولًا توزيع الموارد المتاحة بشكلٍ متساوٍ وعادل على المواطنين دون تمييز بين مواطن وآخر. وقد حصل الأردن، عبر السنوات، على مساعدات مالية من المجتمع الدولي، لتحسين واقع الخدمات الطبية، وقد مكّنت هذه المساعدات، إلى جانب عوامل أخرى، من تحسين قدرة الأردن على تقديم الخدمات الصحية.

لكن تطبيق هذه الحقوق غير ممكن إذا لم يتضمن الدستور ذكرها صراحةً كحق للمواطن. فقد شهدت الدول التي نص دستورها على احترام حق الرعاية الصحية لمواطنيها تحسنًا في توزيع الخدمات الصحية على كل السكان دون تمييز، وتكفي المقارنة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة لتبيان أثر هذا الإعلان الدستوري. فالمواطنون الأوروبيون يتمتعون بأنظمة رعاية صحية عادلة وموزعة على جميع السكان دون تمييز. أمّا في الولايات المتحدة فقد فشلت كل محاولات إدخال هذا الحق للدستور، وظلّ التمييز الواضح بين الأمريكيين في مجال الرعاية الصحية، ولذا فشلت جميع محاولات تطبيق التأمين الصحي الشامل رغم الحملات الضخمة التي سعت لتطبيقه.

يمكن التأكد من أهمية الإعلان الدستوري عن الحق في الرعاية الصحية من انعكاس آثار تغيير الدستور الأردني على واقع الرعاية في الأردن. فقد اقتصر التأمين الصحي في الأردن على شمول موظفي الدولة فقط وحُرِم منه بقية المواطنين الأردنيين، ثم توسّع ليشمل الفئات الفقيرة جدًا والتي يشملها نظام المعونة الوطنية، وتم لاحقًا تخصيص مكرمة ملكية لمعالجة المرضى الذين يتقدمون بطلب ذلك من الديوان الملكي. ولا غرابة في ذلك في ظل وجود دولة ريعية تشتري الولاء بالخدمات التي يفترض أن تكون حقًا للجميع.

تكمن أهمية منح الحق الدستوري بالرعاية الصحية للمواطن الأردني في تحقيق مبدأ مهم للمواطنة وهو إنهاء حالة التمييز بين المواطنين الأردنيين في مجال تلقي الرعاية الصحية.

لكن هذا الواقع قد تغير بعد الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت الأردن والعواصم العربية، وتعديل الدستور تحت ضغط الشارع في عام 2011، وإلزام الدولة بحماية الطفولة والشيخوخة، وتبع ذلك توسيع مظلة التأمين الصحي المدني ليشمل الأطفال تحت سن الخامسة، ولاحقًا لكبار السن.

تكمن أهمية منح الحق الدستوري بالرعاية الصحية للمواطن الأردني في تحقيق مبدأ مهم للمواطنة وهو إنهاء حالة التمييز بين المواطنين الأردنيين في مجال تلقي الرعاية الصحية ووضع أسس جديدة تقوم على العدالة والمساواة بين المواطنين. فالوضع الحالي في غياب نص دستوري بحق المواطن في الرعاية الصحية، يُقسّم الأردنيين إلى فئات متمايزة؛ أولًا قلة من المواطنين تتمتع بخدمات رعاية صحية مجانية خمس نجوم على نفقة الدولة أو على نفقة المنشآت التي تعمل فيها، وثانيًا فئة أخرى قادرة على شراء الخدمات الصحية المتميزة وغالية الكلفة، وثالثًا فئة كبيرة من المواطنين شُمِلت بالتأمين الصحي الحكومي الذي يعاني من تدني مستوى الخدمات الصحية بسبب عدم تخصيص الموارد الكافية لوزارة الصحة، وأخيرًا فئة كبيرة قد تصل إلى ثلث الأردنيين، ولا تتمتع بأي نوع من التأمين الصحي، ومعظم أفرادها لا يملكون المال الكافي للحصول على الرعاية الصحية اللائقة بسبب ارتفاع تكاليفها.

من يقف وراء حرمان الأردنيين من حقهم في الرعاية الصحية؟

قبل سبعينيات القرن الماضي، لم يشهد الأردن ارتفاعًا كبيرًا في كلفة المعالجة الطبية، حيث أن الجزء الأكبر من خدمات الرعاية الصحية كانت تُقدّم من القطاع العام، وحيث اشتغل معظم الأطباء في وزارة الصحة التي قدمت خدماتها بالتعاون مع الخدمات الطبية الملكية ووكالة الغوث لجميع المواطنين الأردنيين مؤمّنين وغير مؤمّنين بكلفة يستطيع تحمّلها معظم الأردنيين، حتى من الشرائح الأكثر فقرًا.

شهد الربع الأخير من القرن العشرين، بدايات معاناة الاقتصاد الأردني، والتي وصلت ذروتها عام 1989. كما شهدت هذه الفترة بدايات سيطرة النموذج النيوليبرالي على النهج الاقتصادي للدولة الأردنية، والتحول من نظام اقتصاد ريعي إلى اقتصاد يعتمد على السوق ويحدّ من التدخل الحكومي، بما يشمله هذا من خصخصة ورفعٍ للقيود عن الاستثمارات.

كما شهد الربع الأخير من القرن الماضي تحوّلات كبيرة في مجال الرعاية الصحية، تمثلت في تزايد عدد الأطباء وبناء مدينة الحسين الطبية وإنشاء كلية الطب في الجامعة الأردنية، وهي فترة صاحبها ارتفاع متسارع في تكلفة الرعاية الصحية مع تطور القطاع الخاص الذي أصبح مهيْمنًا في مجال الرعاية الصحية، ويستحوذ على أكثر من 60% من أطباء الأردن. ورافق ذلك تراجع لدور وزارة الصحة حيث استحوذت القطاعات الأخرى على أنماط العلاج المتطور والتكنولوجيا الحديثة. مما أثر سلبًا على قدرة الكثير من الأردنيين في الحصول على رعاية صحية لائقة في ظل هذا الارتفاع المتواصل للكلفة.

من انعكاسات هذا النهج على القطاع الصحي، أن النمو الاقتصادي بات الهمّ الأول للحكومات المتعاقبة، فأهملت بالتالي مبادئ العدالة الاجتماعية والتضامن بين المواطنين. وتحوّل الانتباه بعيدًا عن المحددات الاجتماعية الصحية إلى التركيز على مسؤولية الأفراد عن صحتهم. وتم تشجيع الاستثمار في مرافق العلاج المتقدمة جدًا والأكثر ربحية بعيدًا عن أنشطة الوقاية والرعاية والعلاج الأقل ربحية. وانتعشت لفترة وجيزة السياحة العلاجية في بداية الألفيات، مما دعا إلى التوسع في بناء المستشفيات الحديثة في القطاع الخاص.

في القطاع الصحي، يركّز النهج النيوليبرالي على المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وليس على العدالة، ويتعامل مع المريض كمستهلك وليس كصاحب حق.

في القطاع الصحي، يركّز النهج النيوليبرالي على المساواة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وليس على العدالة، ويتعامل مع المريض كمستهلك وليس كصاحب حق، ويعتمد على السوق وتشجيع المشاريع الخاصة. وفيه تسود مصطلحات تخفيضات الإنفاق وخفض العجز وتقليص الجهاز الحكومي، وتشجيع التنافسية، وشراء الخدمات من القطاع الخاص، والاعتمادية والمسؤولية الطبية والسياحة العلاجية، وتنتشر لدى تطبيقه تعابير مثل أننا مجبرون على اتخاذ خيارات صعبة، وضرورات مؤسفة وتضحيات مبررة من أجل الحصول على نمو اقتصادي مرتفع.

صاحبت هذا النهج أصواتٌ احتجت على الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية التي تدعمها الدولة وتشرف عليها، وتم اتهامها بأنها أصبحت فخًا للفقر ومؤسسًا له لأنها تقلل من اعتماد الشخص على نفسه. وتم كذلك اتهام خدمات الدولة، وتحديدًا وزارة الصحة بأنها تفتقر إلى الكفاءة وتعاني من الهدر في الموارد، ولا تنال رضا المستهلك، في حين أن القطاع الخاص أكثر فعالية وصداقةً للمستهلك.

تزايدَ إهمال وزارة الصحة لصالح القطاعات الأخرى وخصوصًا القطاع الخاص حيث تم تحويل بعض موارد الوزارة لهذا القطاع لعلاج الفئات العليا من موظفي الدولة. وظهرت أشكال متعددة جزئية لخصخصة الرعاية الصحية العلاجية المتقدمة وحرمان وزارة الصحة التي صار عليها أن تكتفي بالخدمات الوقائية والصحة العامة في نهاية المطاف.

في مواجهة فشل هذه السياسات وضد أوجه القصور المتتالية في توفير رعاية صحية لائقة وعادلة لكل الأردنيين تعالت أصوات الاحتجاج، ولم تعد المكرمات الملكية بالعلاج، أو شمول حالات السرطان بالعلاج على نفقة الدولة كافية لتحسين الصورة. وارتفعت الأصوات المطالبة بتطبيق التأمين الصحي الشامل من كل فئات المجتمع الأردني، والتي شارك بها الملك عبدالله شخصيًا. واليوم صار من المُلح العمل على توفير رعاية صحية لائقة للأردنيين غير القادرين على تحمّل كلفتها المرتفعة، خاصة في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الحالية.

لكن تعديل الدستور لمنح الأردنيين هذا الحق شهد مقاومةً شرسةً من كل الفئات التي استفادت ماديًا من هذه التغييرات وحصلت على ثروات هائلة، مدعومة من القائمين على النموذج النيوليبرالي الحاكم في الأردن. وقد اكتفت هذه الفئة بقبول شمول الأطفال والمسنين بالتأمين الصحي دون التمكين لهم بالحصول على رعاية صحية لائقة بنفس المستوى الذي يتلقاه الأغنياء أو الذين يتمتعون بتأمين صحي عالي المستوى. وفي الوقت نفسه، ستعمل هذه الفئات على الاستفادة من الأصوات المطالبة برعاية صحية لائقة للأردنيين لإحداث تغيير جديد في مفهوم التأمين الصحي الشامل يجرّده من مضمونه، ويحمّل المواطنين الأردنيين جزءًا كبيرًا من كلفة العلاج لا تستطيع الفئات الفقيرة تحمّله، وستؤدي إلى استمرار وتعاظم التمييز بين المواطنين الأردنيين بحيث تحصل قلة منهم على خدمات صحية متميزة، فيما يحصل بقية الشعب على خدمات صحية غير لائقة أو لا يحصلون عليها بتاتًا.

لذا لا بد من رفع الصوت عاليًا، والإصرار لتمكين الأردنيين، جميعًا، من الحصول على رعاية صحية لائقة من خلال تعديل الدستور، وتطبيق هذا التعديل على أرض الواقع.

  • الهوامش

    [1] في العام 2011 قدم كاتب هذا المقال للسيّد طاهر المصري رئيس لجنة الحوار الوطني وعضو لجنة تعديل الدستور ورقة عن ضرورة تضمين الحق في الرعاية الصحية في التعديل الدستوري المرتقب، وقد أيد المصري هذا المقترح ووعد بتنفيذه، لكن التعديل الدستوري لم يشمل الحق في الرعاية الصحية للمواطن الأردني، واكتفى بمنحها للأطفال والمسنين.

    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان Universal Declaration Of Human Rights UDHR 

    اعتمدت الأمم المتحدة في عام 1948 الحق في الصحة ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعتبر أن التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة هو من الحقوق الأساسية لكل انسان، وهو ليس امتياز يدخر للأشخاص الذين يملكون القوة أو المال أو المرتبة الاجتماعية.

    نصت المادة(25) من الميثاق:

    1. «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولاسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية، وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش الناجمة عن ظروف خارجة عن إرادته».
    2. «للامومة والطفولة الحق في تلقي مساعدة ورعاية خاصة. بما فيه حق كل الأطفال بالتنعم بنفس الحماية الاجتماعية».

    اتفاقية المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي رقم 102 لسنة 1952

    صدرت عن منظمة العمل الدولية وأقرتها الدول الأعضاء في منظمة الضمان الاجتماعي الدولية ( ومنها الأردن) والأمم المتحدة. حيث تكفل كل دولة عضو تسري فيها الاتفاقية توفير الحد الأدنى من التأمينات الاجتماعية التالية للأشخاص المشمولين بالضمان: 1. تأمين الرعاية الصحية للأشخاص المشمولين إذا كانت حالتهم تقتضي رعاية طبية من النوع الوقائي أو العلاجي، وبحيث تشمل الحالات المغطاة أي حالة مرضية أيا كان سببها، كذلك الحمل والولادة وآثارهما. 2. بل ذهبت هذه الاتفاقية لأبعد من ذلك حيث اعتبرت الإعانة المالية أثناء المرض في حال توقف العمال عن الكسب بسبب المرض. . وذكرت بعدها التأمينات الأخرى: 3. البطالة 4.الشيخوخة 5.العجز 6. الوفاة 7.إصابات العمل 8. الأمومة 9.المنح العائلية.    

    العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966 ICESCR International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights.

    نصت المادة (12) من هذا العهد على:

    1. «تقر الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بحق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية».
    2. «الخطوات التي يجب اتخاذها من قبل الدول للوصول إلى إحقاق كامل لهذا الحق يجب أن تشمل تلك الضرورية من أجل: أ- توفير المتطلبات الضرورية للحد من… وفيات الرضع وللنمو الصحي للأطفال؛ ب- تحسين جميع أوجه حفظ الصحة البيئية والصناعية؛ ج- الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية وغيرها، ومعالجتها ومكافحتها؛ د- خلق الظروف التي من شأنها أن تضمن للجميع الخدمات الطبية والعناية الطبية في حال وقوع المرض.»

    منظمة الصحة العالمية World Health Organization WHO 

    اعترفت منظمة الصحة العالمية WHO بالحق الإنساني بالصحة في ميثاقها الذي نص على: «إن التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو المعتقد السياسي أو الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية».

    إعلان ألما-آتا Alma Ata Declaration

    صدر عن المؤتمر الدولي للرعاية الصحية الأولية في عام 1978، رفع شعار الصحة للجميع في عام 2000، وكانت لهجة الإعلان قوية وصريحة جاء فيها: «نعبر عن الحاجة الماسة لعمل كل الحكومات وكل العاملين بالصحة والتنمية والمجتمع الدولي في سبيل حماية وتعزيز صحة كل الناس في العالم؛ إن الصحة تعني العافية الجسدية والعقلية والاجتماعية وليست مجرد الخلو من الأمراض، وهي حق أصلي للإنسان يجب أن ترعاه القطاعات الاجتماعية والاقتصادية بالاشتراك مع القطاع الصحي، وليس من المقبول سياسياً واجتماعياً واقتصادياً اختلال ميزان العدالة الصحية بين الناس، وبالأخص بين الدول المتطورة والنامية، وكما أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية مهمة لتحقيق الصحة للجميع، فتعزيز الصحة ضروري أيضاً لصيانة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويملك الناس حق المشاركة الفردية والجماعية في تخطيط وتنفيذ برامج الرعاية الصحية، وتقع على الحكومات مسؤولية رعاية صحة شعوبها عبر إجراءات صحية واجتماعية كافية لتحقيق هذا الهدف«

    ميثاق صحة الشعوب People Health Charter

    صدر هذا الميثاق عن حركة صحة الشعوب في عام 2000 في بنغلادش وهي حركة غير حكومية متنامية تضم 1453 مشاركا من 92 دولة ، ورفعت شعار «الصحة للجميع الآن» حيث تضمن ميثاق صحة الشعوب: «تمثل الصحة انعكاساً لالتزام اي مجتمع بالمساواة والعدالة، وينبغي أن تسود الصحة وحقوق الانسان الأخرى على الاعتبارات الاقتصادية والسياسية».

    أهداف التطور الألفي المستدامة Millennium Development Goals

    تبنى المجتمع الدولي عام 2000 توصيات برلين والتي تضمنت أن «الصحة والضمان الاجتماعي هما حق للانسان. وهما وسيلتان وشرطان ضروريان لمواجهة الفقر، وتفعيل النمو والتطور الاقتصادي. وقد انعكست الأهمية القصوى لمواجهة الصحة والفقر بأهداف التطور الألفي MDG والتي تبناها المجتمع الدولي عام 2000 والتي تضمنت:تخفيض مستوى الفقر المدقع إلى النصفMDG1 وتخفيض وفيات الأطفال MDG4 وتحسين صحة الأمهات MDG5 ومحاربة الايدز والملاريا MDG6. مما يتطلب تطبيق التغطية الشاملة في انظمة الصحة الوطنية من اجل الحصول على تحسين الصحة، وتقديم الخدمات الوقائية والعلاجية والتأهيلية الأساسية والضرورية والمتساوية للجميع».

    يبين الجدول التالي النص الدستوري ورقم المادة الواردة في الدستور التي تتناول الحق بالصحة والخدمات الصحية للدول العربية:

     

    مصر

    2014

    المادة (18): لكل مواطن الحق فى الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التى تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافى العادل. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض

    الكويت

    1962

    المادة (11): تكفل الدولة المعونة للمواطنين في حالة الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل كما توفر لهم خدمات التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية.

    المادة (15): تعنى الدولة بالصحة العامة ووسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة.

    سوريا

    1970

    مشروع الدستور الجديد

    المادة (46): 1-تكفل الدولة كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليتم والشيخوخة. 2-تحمي الدولة صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداوي.

    المادة (28) 1. لدى كل مواطن الحق في حماية صحته والحصول على المساعدة الطبية في المؤسسات الحكومية والمحلية. 2. تتخذ الدولة التدابير المطلوبة من أجل تطوير كل أنواع العناية بالصحة على أساس أنواع الملكية المختلفة وتضمن الرفاهية الصحية.

    البحرين

    2002

    المادة (8): لكل مواطن الحق في الرعاية الصحية وتعنى الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية.

    الإمارات

    1971

    المادة (16): يشمل المجتمع برعايته الطفولة والأمومة ويحمي القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين عن رعاية أنفسهم لسبب من الأسباب كالمرض أو العجز أو الشيخوخة أو البطالة الإجبارية، ويتولى مساعدتهم وتأهيلهم لصالحهم وصالح المجتمع، وتنظم قوانين المساعدات العامة والتأمينات الاجتماعية هذه الأمور.

    المادة (19): يكفل المجتمع للمواطنين الرعاية الصحية ووسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة ويشجع على انشاء المستشفيات والمستوصفات ودور العلاج العامة والخاصة.

    السعودية

    1992

    النظام الأساسي للحكم : المادة (31): تعنى الدولة بالصحة العامة… وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن.

    اليمن

    1991

    المادة (55): الرعاية الصحية حق لجميع المواطنين، وتكفل الدولة هذا الحق بإنشاء مختلف المستشفيات والمؤسسات الصحية والتوسع فيها، وينظم القانون مهنة الطب والتوسع في الخدمات الصحية المجانية ونشر الوعي الصحي بين المواطنين.

    العراق

    2005

    المادة (31): لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعنى الدولة بالصحة العامة وتكفل وسائل الوقاية والعلاج بإنشاء مختلف أنواع المستشفيات والمؤسسات الصحية.

    المغرب

    2011

    تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية.

    لبنان

    1926

    الاردن

    السودان

    2005

    المادة (19): تطور الدولة الصحة العامة وتضمن الرعاية الصحية الأولية لكافة المواطنين.

    الجزائر

    1996

    المادة (54): الرعاية الصحية حق للمواطنين. تتكفل الدولة بالوقاية من الأمراض الوبائية والمعدية وبمكافحتها.

    تونس

    2014

    الفصل (38): الصحة حق لكل إنسان. تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن، وتوفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.

    قطر

    2004

    المادة (23): تعنى الدولة بالصحة العامة وتوفر وسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة وفقًا للقانون.

    الدستور الأردني

    نصت المادة 6 فقرة 3 من الدستور الأردني

    تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين. وتم حصر هذين الحقين في المادتين 20 و23 من الدستور على الشكل التالي: 

    المادة (20) : التعليم الأساسي إلزامي للأردنيين وهو مجاني في مدارس الحكومة.

    المادة (23): العمل حق لجميع المواطنين وعلى الدولة أن توفره للأردنيين بتوجيه الإقتصاد الوطني والنهوض به.

    المادة 23 الفقرة 2-3 : «تقرير تعويض خاص للعمال المعيلين، وفي أحوال التسريح والمرض والعجز والطوارئ الناشئة عن العمل».