قطاع الخدمات الصحية المساندة: «بؤر عمل سوداء»

الأحد 15 أيلول 2019
سايمون جارات. جيتي إيمجز.

اثنا عشر ألف شخص، من الذكور والإناث، يعملون في قطاع الخدمات الصحية المساندة، وهو قطاع يشمل مهن التنظيف والمراسلة والنقل والإطعام والصباغة والبستنة. يتوزّع هذا الرقم على المؤسسات الحكومية والخاصة، فيعمل في هذا القطاع داخل مؤسسات وزارة الصحة 6736 شخصًا، غالبيتهم عمّال نظافة، ويتوزّعون على 21 شركة. ويتعرّض العاملون في هذا القطاع، كما سنعرض في هذا التقرير، لانتهاكات متواصلة لحقوقهم العمّالية الأساسية.

منذ العام 2000، تعمل أم آية، التي تبلغ من العمر خمسين عامًا، وتعيش في مدينة الرصيفة، في مجال الخدمات الصحية المساندة، لتساعد عائلتها المكوّنة من ستة أفراد على توفير متطلبات الحياة الأساسية، وقد تنقّلت خلال هذه السنوات بين أربع شركات، عملت جميعها في مستشفى الأمير فيصل في الرصيفة. وخلال هذه السنوات كلّها، لم يزد أجرها عن الحد الأدنى للأجور، والذي يبلغ حاليًا، 220 دينارًا. وبسبب عدم منحها حقّها بالإجازات السنوية والمرضية تقول «إذا عطلت يوم بِنخصم عليّ 18 دينار وأحيانًا أكثر»، وعلى مدى سنوات عملها تقول إنها لم توقع يومًا عقد عمل. 

عن هذا القطاع، يقول أحمد عوض، مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، إنه «من قطاعات البؤر السوداء في الأردن» التي تتكثف فيها الانتهاكات، وتفتقر للتنظيم الفعّال. كما يقول إن معظم العاملين في هذا القطاع لا تزيد رواتبهم عن الحد الأدنى للأجور، بغض النظر عن السنوات التي يقضونها في العمل، بل ويتقاضى بعضهم رواتب تقلّ عن الحد الأدنى للأجور، ويجبرون على العمل لساعات طويلة، بالإضافة لعدم توفير أدوات الصحة والسلامة الشخصية وتدريبهم وإلزامهم على استخدامها. 

كما يقول محمد غانم، نقيب النقابة العامة للعاملين في الخدمات الصحية المساندة إنّ العاملين محرومون من الإجازات السنوية والمرضية والرسمية والأعياد، وجزءٌ كبيرٌ منهم يتم اقتطاع الضمان الاجتماعي من رواتبهم من دون أن يتم إشراكهم فيه، مؤكّدًا عن المشكلة أساسًا في الشركات التي تحصل على عقود الخدمات، ويتوظف العمّال فيها.

في المقابل يشكو محمد الشوحة، نقيب نقابة أصحاب الشركات المساندة، من عدم اعتبار هذا القطاع مهمًا وحيويًا، ويرى أنّ من الضروري تطويره «هذا القطاع بلعب دور كبير بالأمن الاجتماعي من خلال تشغيله لأعداد كبيرة من المواطنين».

مخالفات في الأجور 

بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة الأساسية، اضطّر أحمد*، الذي يبلغ اليوم من العمر عشرين عامًا، ويعيش في مدينة الرمثا، لترك المدرسة، والتوجه نحو سوق العمل، لمساعدة أمّه وإخوته الخمسة. ومنذ ذلك الوقت، عمل في شركة خدمات في إحدى مستشفيات الشمال، مطلع العام 2018، إلى جانب العمل في أعمال مياومة مختلفة. «بأول شهرين استلمت راتبي كامل، بعدها صار ينزل ناقص كل مرة شكل»، ويقول إنه في كل مرّة اضطّر معها للحصول على إجازة اقتطع من راتبه 25 دينارًا. 

محمد الخطيب، الناطق الإعلامي لوزارة العمل يقول: «إحنا من سنتين واجهنا بعض المشكلات المتعلقة بالأجور، التأخير في صرفها أو اللعب في الأجور و[إعطاء] أقل من الحد الأدنى»، ويتحايل بعض أصحاب الشركات فيعطون العمّال شيكات بقيمة 220 دينارًا، لكن، وبعد صرف العمّال لها، يستردّ أصحاب العمل جزءًا من المبلغ.

في مطلع العام 2018 صدرت تعديلات على تعليمات عطاءات مستشفيات وزارة الصحة تُلزِم المتعهِدَ بألا تقل أجور مستخدميه عن الحد الأدنى للأجور وتحويل الرواتب للبنوك وتقديم إشعار بذلك وتغريمه في حال تأخره عن تسليم الرواتب بعد اليوم السابع من الشهر، لكن أحمد يقول أن شيئًا لم يتغيّر، وإنه من المعتاد أن يحصل على راتبه متأخرًا.

التهرب من إشراك العمّال في الضمان الاجتماعي 

عند مراجعتها مؤسسة الضمان الاجتماعي اكتشفت أم آية أنه قد تم إيقاف اشتراكها في فترات متفرقة تصل لعامين ونصف، رغم اقتطاع نسبة الضمان من راتبها «بقطعوني، بردوا يرجعوني، وبعدها ببطلوني»، وتقول إنه لا تعرف اليوم إن كانت مشتركة في الضمان أم لا. 

أمّا احمد، فبعد تعرّضه لكسر في يده خلال العمل، قرر إبلاغ مؤسسة الضمان بالحادث والإصابة لاعتبارها إصابة عمل، إلا أنّ مراقب الشركة «منعني لإنه يمكن لهسا مش مسجليني بالضمان»، وعند مراجعته للضمان خلال رابع شهر من عمله، اكتشف أنه غير مسجّل، و«بس راجعت الشركة، حكولي استنى كمان شهر وبنسجلك».

يؤكد موسى الصبيحي، الناطق الإعلامي لمؤسسة الضمان الاجتماعي إلى وجود تهرب تأميني عالٍ جدًا في هذا قطاع الخدمات الصحية المساندة، إذ سجلت المؤسسة 3019 مخالفة بحق تسع شركات من أصل 21 منذ نهاية 2016 وحتى نهاية 2018، وتنوعت أشكال التهرّب ما بين عدم شمولٍ نهائي للعاملين، وشمول بناءً على بيانات غير حقيقية متعلقة بالأجور وفترات العمل.

وأُلزِم جميع المتعهدين الحاصلين على عطاءات من وزارة الصحة بتقديم براءة ذمة دورية كل ثلاثة شهور من الضمان الاجتماعي، إلّا إنه لا زال هناك تلاعب كبير من قبل الشركات، بحسب الصبيحي.

مسؤولية وزارة الصحة

تفتّش وزارة الصحة عبر مديرية الخدمات الفندقية على مدى التزام الشركات بتنفيذ بنود العطاءات، ومخالفة الشركات غير الملتزمة. يقول رمزي الطراونة، مدير مديرية الخدمات الفندقية إن الوزارة تدفع للشركات كلفة تشغيلية تتضمن حقوق العامل المالية ونسبة إشراكه بالضمان، وفي حال ثبت إخلالها بذلك تخالفه وتسترجع المبلغ: «هذا حق وزارتي فبسترجعه».

لكنّه يقول إنه لا علاقة مباشرة بين الوزارة والمستخدَمين وأنّ متابعة الانتهاكات المتعلقة بهم من مسؤوليات وزارة العمل، وأنه من الممكن أن يخاطب وزارة العمل والضمان، «لكن بعد ما أضمن حقي كوزارة».

يرى عوض أنّ وزارة الصحة، المستقبِلَة للخدمة، معنية بالتزام الشركة بكل بنود العقد المبرم معها بما فيها احترامها لمعايير العمل موضحًا: «هذا لا يلغي دور وزارة العمل ودور المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي».

بلغ عدد المخالفات التي غرّمت شركات الخدمات المساندة والأرزاق الصادرة من وزارة الصحة في الفترة الواقعة بين أيار 2017 وكانون الأول 2018، 815 مخالفة غالبيتها بحق شركات الخدمات المساندة.

يقول غانم إن أساس المشكلة يكمن في تقديم الشركات للخدمة وتوظيفها للعمال في آن واحد: «المفروض بالتوظيف يكون من خلال شركة تشغيل ذاتي من الوزارات، وشركات الخدمات تشرف وتدير الخدمات».

ضعف الرقابة والتفتيش

يبلغ عدد مفتشي مؤسسة الضمان الاجتماعي 140 مفتشًا، وعدد مفتشي وزارة العمل 230 مفتشًا. يرى الخطيب أنّ الكشف عن التجاوزات يتم من خلال الجولات التفتيشية الدورية والعكسية ومن خلال اتصال العامل بمديريات التفتيش وتبليغه عن أي انتهاك «لو ما كان فيها شكوى ما بنقدر نعرفها إحنا».

يقول أحمد وأم آية أنهما لم يريا من قبل أي مفتشين. «هاي أول مرة من 18 سنة حدا بسألنا عن وضعنا»، تقول أم آية قاصدةً معدتي التقرير. ويقول أحمد: «بخاف إذا رحت شكيت أنفصل بعدها من الشغل وأنا محتاج للمبلغ اللي بعطوني إياه».

يوضّح الصبيحي وجود قنوات اتصال إلكترونية وهاتفية وأقسام تفتيش في كل أنحاء المملكة يستطيع العامل من خلالها التأكد من شموله في الضمان الاجتماعي بناءً على بياناته الحقيقية، وتقديم شكواه التي يتم التعامل معها بسرية.

الشركات، تنفيذ مخلّ برغم حزم الشروط

تقول أم آية: «كل الشركات يلي اشتغلت فيهم نفس الوضع».

يقول عصام الخصاونة، مساعد مدير عام دائرة اللوازم العامة لشؤون العطاءات: «شركات الخدمات وخاصة التنظيف، تقريبًا كلهم مسطرة واحدة بعتمدوا [في] كثير من ربحهم على عدم تنفيذ العقد بشكله السليم».

ويوضح أنه إذا وصلت مخالفات المتعهد لخمس مخالفات تخاطب وزارة الصحة دائرة اللوازم العامة لعرض الموضوع على لجنة العطاءات المركزية صاحبة القرار «يجوز لنا أن ننذره ويجوز أن نتخذ الإجراءات القانونية ضده (..)، ممكن يتم اللجوء بالبداية لعقوبات مالية وإذا تكررت يتم فسخ العقد ومصادرة قيمة تأمين حسن التنفيذ 10% من قيمة العقد وشراء الخدمة على حسابه وتقديم فروقات الأسعار».

ويحق للجنة العطاءات المركزية إذا أخلّ المتعهد بالتزاماته استبعاده وحرمانه من الدخول في العطاءات للمدة التي تراها مناسبة. 

إلا أن الشوحة يرى حجم المخالفات والتجاوزات من قبل الشركات قليلة، ويطالب بإعادة صياغة الشروط والعطاءات بالتعاون مع النقابة حتى تكون أكثر عدالة: «إحنا اللي بالميدان والهدف عام والمصلحة مشتركة». ويرى أنه من الضروري تأهيل هذا القطاع وتصنيف الشركات العاملة فيه: «غير هيك لا رح يتعدل لا وضع الشركات ولا وضع العامل ولا وضع الزبون، عشان يوخد خدمات ممتازة».

نقابة العاملين، ضعف في الأداء والتمثيل

بحسب غانم فإنّ عدد منتسبي النقابة من العاملين في هذا القطاع هو صفر. موضحًا أنّ معظم الشركات تحارب عمل النقابة وتضغط على أي عامل ينتسب إليها وتحرّض على الناشطين منهم.

إلا أنّه يؤكد على استقبال النقابة لشكاوى العمّال، والسعي لحلّها مع الشركاء الاجتماعيين ووزارة العمل، إضافةً لتوعية العمّال بحقوقهم من خلال الوسائل الإعلامية.

يرى عوض أنّ على النقابة القيام بدورها الرئيسي في متابعة أوضاع العاملين وعدم الاكتفاء بانتظار وصول الشكاوى من العاملين حتى تعمل على حلّها، لأن هذه الطريقة غير فعّالة، ويقول إن منظومة النقابات العمّالية في الأردن غير فعالة بسبب ضم النقابة الواحدة العديد من القطاعات الفرعيّة، إذ لا بدّ لكلّ قطاع فرعيّ أن يؤسس نقابة مستقلة تنظم عمله، إلا أنّ قانون العمل ما زال مقيّداً لحريّة التنظيم النقابي.

يشير أحمد وأم آية لعدم معرفتهما بوجود نقابة تشملهما كعامليْن في الخدمات الصحية المساندة.



* تم تغيير الأسماء حفاظًا على خصوصية أصحابها.

* لم يتم ذكر اسم المستشفى الذي يعمل به أحمد بناءً على طلبه.

هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).