هل يمكننا تطبيق العزل المنزلي لمصابي كورونا مع الالتزام بشروطه؟

تصميم ندى جفال.

هل يمكننا تطبيق العزل المنزلي لمصابي كورونا مع الالتزام بشروطه؟

الثلاثاء 13 تشرين الأول 2020

بعد أن تنهك من الدراسة اليومية تحضيرًا لامتحان الثانوية العامة، تفترش خلود* (17 عامًا) أرض الصالة في منزلها الكائن في محافظة جرش، لتنأى بنفسها عن باقي أفراد أسرتها. فقد علمت بإصابتها بفيروس كورونا المستجد في السابع والعشرين من أيلول الماضي، إثر مخالطة طالبات مصابات في مدرستها، مظهرةً أعراضًا بسيطة، بحسب والدتها سهام* (35 عامًا). ومنذ ذلك الحين، تقضي خلود عزلًا منزليًا في البيت المملوك لأهلها، والمكون من غرفتي نوم، ومطبخ، وصالة لاستقبال الضيوف، وحمام واحد.

قبل مرضها، كانت خلود تشترك في غرفة النوم مع شقيقيها اللذين يدرسان في الصفين الرابع والسابع. ومنذ إصابتها، يحجر أربعتهم في المنزل، فيما يغيب الأب، الموظف في دولة خليجية، منذ سبعة أشهر، إذ لم يتسن له العودة للأردن بسبب الجائحة. 

في 20 أيلول، بدأت الحكومة بتطبيق العزل المنزلي لمصابي كورونا دون سن الثامنة عشرة، ليتم توسيع النطاق نهاية الشهر نفسه مع صدور قرار يتيح العزل المنزلي للمصابين دون سن 65 عامًا. من بين هؤلاء، يلزَم بالعزل المؤسسي من تعد إصاباته متوسطة أو خطيرة وتتجاوز درجة حرارته 37.5 مئوية، ومن لديه مناعة منخفضة بسبب السيرة المرضية، بحسب مسؤول ملف كورونا في وزارة الصحة، غازي شركس. 

يأتي السماح بعزل مصابي كورونا منزليًا في ظل ارتفاع أعدادهم منذ منتصف آب الماضي ودخول الأردن مرحلة الانتشار المجتمعي، ليبلغ مجموع المصابين منذ بدء الجائحة أكثر من 28 ألف إصابة وأكثر من 200 وفاة، بحسب أرقام وزارة الصحة. وتشير الوزارة إلى وجود أكثر من ألف مريض تحت العلاج في مستشفياتها، وشفاء أكثر من ستة آلاف، فيما يوضح شركس لـ«حبر» أن الرقم لا يشمل المتعافين ممن عُزلوا منزليًا. ولم توفر وزارة الصحة بعد أرقامًا حول المعزولين في المنازل.

يقول الطبيب والباحث منذر الحوارات لـ«حبر» إن حوالي 85% من المصابين ممن ليس لديهم أعراض أو أعراضهم بسيطة لا يحتاجون لأكثر من العزل المنزلي. وبحسب التعليمات التي أصدرتها وزارة الصحة، لا يسمح بعزل المصاب منزليًا إلا بعد تقييم الطبيب المعالج له والتأكد من أنه لا يعاني من أعراض وتنطبق عليه شروط العزل المنزلي. وعلى المريض الالتزام بمراقبة حالته الصحية وإبلاغ الوزارة عن أي تطورات بخصوص الأعراض المرضية عبر الخط الساخن التابع لها، على الرقم 111

إرشادات ونصائح العزل المنزلي الصادرة عن وزارة الصحة

هل تسمح منازلنا بالعزل؟

تشترط الوزارة في تعليماتها أن يتوفر في المنزل مكان يعزل فيه المصاب منفردًا في غرفة جيدة التهوية. كما يجب الحد من حركته داخل المنزل، وعند الاضطرار يجب أن تتوفر مسافة مترين بين المصاب ومن يقابله من أفراد الأسرة، فضلًا عن الالتزام بتعقيم دورة المياه التي يستخدمها المريض، واستخدام أدوات طعام مخصصة، ويفضل أن تكون قابلة للاستعمال مرة واحدة.

لكن قد يختلف وضع الحجر المنزلي بحسب أعداد الغرف في المنزل وأفراد الأسرة والمصابين. فمثلًا، يقول معتصم حسينات، الطبيب في فرق التقصي الوبائي في إربدـ لحبر إن إحدى العائلات في المحافظة مكونة من ثمانية أفراد أصيبوا جميعًا باستثناء واحد. لذا نصحهم حينها بأن يعزلوا الشخص غير المصاب في غرفة خاصة.

تعيش 25% من الأسر الأردنية في منزل فيه غرفة نوم واحدة، فيما تعيش 44% منها في منزل تتوفر فيه غرفتا نوم، بحسب وثيقة «الأردن 2025». ووفق مسح دخل ونفقات الأسرة لسنة 2017/2018 الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة، يبلغ متوسط حجم الأسرة في الأردن 4.8 فرد، ويعيش حوالي 75% من السكان في شقق سكنية

وبحسب التعريف العالمي للاكتظاظ الذي تشير إليه دائرة الإحصاءات العامة، فإن المسكن يعتبر مكتظًا إذا كان متوسط عدد الأفراد في الغرفة الواحدة يزيد عن فردين، وهو ما ينطبق على أكثر من 26% من مساكن الأسر في الأردن، بحسب دراسة صادرة عن الدائرة عام 2017.

بعد تأكد إصابة خلود بفيروس كورونا، زار فريق من التقصي الوبائي المنزل في الأول من الشهر الحالي لفحص باقي أفراد الأسرة بحسب والدتها. «فحصونا وما حكولنا أي إشي، بس حكولنا لازم تكون لحالها، وإذا صار أعراض حرارة بتتصلوا على 911 (..) مدرسين بنتي بس اللي كانوا يسألوا ويتطمنوا، بس دكاتره ولا حدا»، تقول سهام، مضيفةً أنها لم تلقَ بعدها اتصالًا من طاقم الوزارة، ولم تُبلَّغ بحاجة أي من أفراد العائلة لفحص ثانٍ. وبحسبها، لم يطلب أيضًا منهم توقيع تعهد بالعزل والحجر المنزليين، كما لم يزوَّدوا بأي آلية تساعد في تتبع المحجورين. 

مع ذلك، تقول سهام إنها مرتاحة لعزل ابنتها منزليًا، لأنها طالبة توجيهي وتحتاج لتقليل التوتر، لذا فالمنزل أفضل بالنسبة لها من العزل في مستشفى، رغم عدم توفر غرف نوم كافية، وحاجتها لدخول غرفة النوم لإحضار ملابس، واضطرارهم لتعقيم دورة مياه الوحيدة في البيت باستمرار. «إحنا لو بنعرف انه رح يصير هيك وباء كان الواحد بوسع البيت وبيعمل اقل إشي حمامين ثلاث، يعني بس للأسف ما كنا متوقعين»، تعلق سهام.

يقول أبو محمد (45 عامًا) إنه هو الآخر لم يوقع على تعهد لضمان العزل المنزلي له ولأطفاله الأربعة، بعد أن بدأت أعراض إصابتهم بالفيروس تظهر عليهم وعلى زوجته في 26 أيلول. كان أبو محمد أكثرهم قدرة على الحركة، فالأعراض التي ظهرت عليه لم تكن شديدة، بينما عانى الباقون من ارتفاع حرارة شديد، خاصة زوجته (41 عامًا) التي عانت أيضًا من أعراض ألم في الصدر وضيق تنفس. لذا، توجه بهم من منزلهم في منطقة سلحوب التابعة لعين الباشا إلى المدينة الطبية في عمّان، حيث أخذت منهم عينات فحص وعادوا للمنزل بانتظار النتيجة. 

«فحصونا وما حكولنا أي إشي، بس حكولنا لازم تكون لحالها، وإذا صار أعراض حرارة بتتصلوا على 911 (..) مدرسين بنتي بس اللي كانوا يسألوا ويتطمنوا، بس دكاتره ولا حدا»

بعد ثلاثة أيام، لم تكن النتائج قد صدرت بعد، واشتدت أعراض الإصابة على أم محمد، فعاد بها زوجها مجددًا للمدينة الطبية، ومساء ذلك اليوم عادت نتيجتها إيجابية، وطُلب من الزوج جلب باقي أطفاله للفحص ليتبين أن بقية أفراد العائلة مصابون، رغم عدم حدة أعراضهم. خُيّر الأب بين العزل المؤسسي في منطقة البحر الميت والعزل المنزلي، ففضل البقاء مع أبنائه في البيت ليتمكن من رعايتهم، في ظل تغيّب زوجته التي نقلت للعلاج في مستشفى الملكة علياء العسكري. 

تبلغ مساحة المنزل وعائلته 122 مترًا مربعًا، وفيه ثلاث غرف نوم، وصالة، وحمامان. ويقول أبو محمد إنه لم يطلب منه توقيع تعهد للعزل المنزلي، لكن طبيبًا من وزارة الصحة يتصل بهم كل يومين للسؤال عن وضعهم الصحي. «أخذوا رقم تلفوني وعنوان بيتي، بس ما حدا إجانا هون»، يضيف.

أما أم محمد، فرغم الأعراض الشديدة التي ظهرت عليها، إلا أنها تمنت لو عُزلت منزليًا وبقيت بجوار أطفالها. إذ شعرت أن وجودها في غرفة في المستشفى أشبه بالسجن، على حد تعبيرها. عُزلت أم محمد في المستشفى بين 29 أيلول و10 تشرين الأول، على أن تحجر نفسها في المنزل 14 يومًا أخرى، بحسب تعهد وقعت عليه قبل خروجها من المستشفى.

يقول أبو محمد إنه خرج من المنزل خلال فترة عزله مرتين؛ مرة من أجل شراء خبز لأطفاله، بعدما انتابه شعور بالخجل من تكرار طلب المساعدة من أقاربه، وحينها ارتدى كمامته وقفازات لتجنب نقل العدوى للآخرين، بحسبه. أما المرة الثانية، فكانت لإيصال زوجته من المستشفى للبيت عند خروجها، إذ صادف يومها حظرًا شاملًا، وتأخرت سيارة الإسعاف التي كان يفترض أن تقل أم محمد ثلاث ساعات، لكن هذه المرة انتهى الأمر بأبي محمد موقوفًا لمخالفة أوامر الدفاع.

نهاية الشهر الماضي، أصيبت المعلمة أم حسين* (41 عامًا) لمخالطتها مصابين آخرين في مدرسة حكومية تعمل فيها، في لواء عين الباشا التابع لمحافظة البلقاء، حيث تسكن. تعيش أم حسين في منزل مستقل واسع، فيه أربع غرف نوم وأربع حمامات، لكن عدد أفراد الأسرة تسعة، أحدهم حماتها التي تبلغ من العمر 83 عامًا. 

منذ ظهور نتيجة فحصها في مستشفى حكومي، عزلت أم حسين في منزلها، حيث خصصت لها غرفة وحمام. تقول واصفة الإجراءات التي مرت بها منذ ظهور النتيجة: «رنوا علي بلغوني إني مصابة، وأخدوا معلومات عن العائلة، وأجت لجنة التقصي الوبائي عنا ع البيت وعملت فحص لكل العيلة. حكولي إنت رح تخضعي لعزل منزلي 14 يوم (..) ووقعوا زوجي على تعهد بعزل منزلي لباقي العيلة برضه 14 يوم».

أما والدة زوجها الثمانينية، فتولت حفيدتها الأكبر (20 سنة) رعايتها، وخصص للجدة كذلك غرفة نوم وحمام عزلت فيهمان ولم تخرج منهما طوال الفترة الماضية إلا إلى الشرفة. وفي حال اضطرت للخروج، كانت حفيدتها تحرص على تعقيم يديها وتباعدها عن باقي أفراد العائلة.

وتفيد تعليمات وزارة الصحة للعزل المنزلي أنه في حال عدم توفر بيئة عزل مناسبة لحماية كبار السن من التعرض لخطر الإصابة، فيجب توفير عزل مؤسسي للمريض، بموافقته وموافقة مقدم الرعاية له وأفراد الأسرة.

وبحسب بروتوكول الوزارة، إذا لم تظهر على المصاب أي أعراض، فإنه يعزل منزليًا لعشرة أيام على الأقل من تاريخ ظهور نتيجة فحصه الإيجابية، ويحجر كذلك أفراد عائلته لعشرة أيام، دون الحاجة لإعادة الفحص بعدها. أما في حال ظهرت عليه أعراض خفيفة، فيعزل المصاب 13 يومًا على الأقل، على ألا تكون لديه أعراض خلال الأيام الثلاثة الأخيرة.

كيف يتابَع المعزولون في منازلهم؟

لم يتواصل أي من الأطباء مع أم حسين طوال فترة عزلها، مع أنها مصابة بأزمة تنفسية، واضطرت في الثالث من تشرين الأول للتوجه برفقة زوجها غير المصاب في سيارته الخاصة لمستشفى الأمير حمزة. إذ لم تستجب أرقام الطوارئ لاتصالاتهم، وكانت أعراض المرض قد اشتدت عليها وبلغت درجة حرارتها 39 درجة مئوية، كما عانت من نقص في الأكسجين وألم شديد في الصدر. 

بعد علاجها في المستشفى، خُيرت أم حسين بين البقاء فيه أو العودة للمنزل لكنها فضلت العودة، رغم أنها لم تكن قد عادت لنشاطها، إلا أن الأطباء في المستشفى شجعوها على إتمام العزل منزليًا. حين تحدثنا إليها، كانت لا تزال تشعر ببعض التعب. وأخبرتنا أنها لم تبق طوال الوقت في غرفتها، فقد خرجت أحيانا لتطبخ الطعام للعائلة مع ارتداء الكمامة والقفازات.

في قسم طوارئ حمزة، يقول مسؤول فضل عدم الإفصاح عن اسمه، إن مصابي كورونا يُفرَزون في الطوارئ لقسمين واحد مخصص لمن يحتاج عزلًا مؤسسيًا، وآخر لمن يحتاج عزلًا منزليًا. وفي حين كان المرضى في بداية الجائحة لا يصلون المستشفى إلا بإجراءات مشددة وعبر سيارات الدفاع المدني، فإن بإمكانهم اليوم الوصول بأنفسهم للمستشفى حاملين بأيديهم فحوصات تظهر نتائج إيجابية لإصابتهم بفيروس كورونا.

تعيش 25% من الأسر الأردنية في منزل فيه غرفة نوم واحدة، فيما تعيش 44% منها في منزل تتوفر فيه غرفتا نوم، بحسب وثيقة «الأردن 2025».

يضيف الطبيب أن الطاقم يسأل المصاب عن وضع منزله، ويكتفي بأقواله دون القيام بكشف ميداني، وينصحه بتناول الفيتامينات، مثل فيتامين سي، ويبلغه أنه في حال اشتداد الأعراض، بإمكانه التواصل مع مديرية الدفاع المدني أو العودة للمستشفى لعزله مؤسسيًا.

بعض المصابين المعزولين منزليًا ممن قابلتهم «حبر» لجأوا للتواصل مع الخط الساخن على الرقم 111، الذي يحيلهم لطبيب يعمل في موقع «الطبي»، بالتنسيق مع وزارة الصحة، يوجه لهم النصائح ويتواصل معهم بعدها عدة مرات للاطمئنان على صحتهم، بينما حظي مصابون آخرون بتواصل من هؤلاء الأطباء فور صدور نتائج فحصهم وتبين إصابتهم بفيروس كورونا. 

توضح الدكتورة الصيدلانية سندس البيشاوي، مديرة العمليات في «الطبي»، أن الموقع قدم منذ شهر آذار خدمة مجانية عبر رقم 111، بتصنيف المتصلين الذين يستفسرون عن أعراض الإصابة. فمن يُتوقع إصابته يُزوَّد بأرقام التقصي الوبائي للتواصل معه وزيارته في المنزل لفحصه وفحص أفراد أسرته. ومع انتشار الوباء، تقول البيشاوي إن وزارة الصحة نسّقت معهم منذ أسبوعين، ليبدأ نحو 230 طبيبًا وطبيبة من موظفي «الطبي» بالتواصل يوميًا مع حوالي ألف مصاب بفيروس كورونا، وفق قائمة أسماء تزودهم بها وزارة الصحة. كما تم ربط القائمة بتطبيق «سندس» الخاص بالكوادر الطبية.

بحسب البيشاوي، يجري أطباء «الطبي» ثلاث محاولات للاتصال بالمريض هاتفيًا، وإذا لم يستقبل المريض الاتصال فعليه حينها إن رغب معاودة الاتصال بهم عبر الرقم 111. ويسأل الأطباء المصاب عن توفر شروط العزل المنزلي، ويقدّمون له تعليمات التعقيم اللازمة، كما يُسأل عن وضعه الصحي، ثم تُكتب توصية لوزارة الصحة بإمكانية عزله منزليًا أو تحويله للعزل المؤسسي، وتزوّد مديرية الأمراض السارية في وزارة الصحة بهذه المعلومات.

ربى (37 عامًا)، التي تسكن في عمان ولديها طفل (ثماني سنوات) وطفلة (أربع سنوات)، علمت بمخالطتها لمصاب عبر تطبيق أمان في الأسبوع الأخير من شهر أيلول. لذا أجرت الفحص في مختبر خاص، وصدرت النتيجة إيجابية بعد عدة ساعات، لتتلقى بعدها اتصالات من الخط الساخن زودت عبره بتعليمات العزل المنزلي ورقم التقصي الوبائي لفحص أطفالها. 

بعد قرابة أسبوع، تواصلت ربى مع فرق التقصي الوبائي، حيث وُعدت بأخذ عينة الفحص من عائلتها خلال يومين، وقيل لها إنه في حال لم يأت فريق التقصي، فإن بإمكانها فك العزل بعد إتمام أسبوعين، أو 17 يومًا، وفي تعليمات أخرى بعد اختفاء أعراض المرض، كافة بما فيها عودة حاسة الشم. تقول ربى إن هذا التضارب في التعليمات المختلفة التي تلقتها من المختصين الذين تواصلوا معها عبر وزارة الصحة قد أربكتها، إلى أن زارهم فريق من التقصي الوبائي الجمعة الماضية، وأخذ عينات فحص لزوجها وطفليها.

يقول حسينات إن التأخر في فحص المخالطين يعود إلى شح فرق التقصي. ففي إربد، على سبيل المثال، 10 فرق. «لما يجينا في اليوم حوالي 100 إصابة، أحيانًا بنقدرش نصل للمصاب وفحص مخالطيه إلا بعد 24 و48 ساعة من تاريخ ظهور نتيجة العينة»، كما يرى أن كل فريق يجب أن يتكون من ثلاثة أشخاص على الأقل، فأحيانًا يكون في الفريق شخصان فقط. ومع أن الإجراءات تتطلب فحص المخالطين بعد سبعة أيام و14 يومًا من تاريخ ظهور الإصابة، لكن مع ضغط العمل تتمكن الفرق من فحصهم بعد 10 أيام وقد لا تتمكن. 

حاولنا الحصول على رد من وزارة الصحة حول أسباب تأخر الاستجابة للمصابين في بعض الأحيان، دون تلقي إجابة، لكن وزير الصحة السابق سعد جابر كان قد صرح في لقاء تلفزيوني بأن الوزارة وفّرت في البداية مدخل بيانات مع كل فريق تقصي وبائي، بالتعاون مع شركات خاصة لم يسمها، لإدخال رقم هاتف المتوقع إصابته وعنوان سكنه ورقمه الوطني. بحيث تنتقل هذه المعلومات مباشرة لوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ثم لمركز إدارة الأزمات، ثم إلى المختبر مباشرة، وترفق عينة الفحص حينها باسم الشخص، وتمنح رقمًا خاصًا، ثم تقرأ نتيجة الفحص من مختص. وأضاف جابر أن هذه عملية إدخال البيانات سببت مشكلة وإرباكًا تسبب في ضياع معلومات فاحصين أحيانًا، مما دفع الوزارة لطرح التعاون مع شركات مختصة، لم يحدد إن كانت متطوعة أم تعمل بأجر، لتسهيل إدخال البيانات وإبلاغ المصاب عبر رسالة هاتفية بنتيجة الفحص الإيجابية وتعليمات العزل المنزلي. كما قال إن هناك 200 طبيب خُصصوا للتواصل مع المصابين ومتابعة وضعهم الصحي.

مخاوف الحكومة والتزام المعزولين

تقول ربى إن العزل المنزلي وفر لها الفرصة للعلاج قرب طفليها والاطمئنان على حالهما، حتى لو كانا معزولين عنها، رغم أن هذا الخيار تسبب بحجر زوجهما أيضًا، مما يثير خشيته من عدم تقاضي أجره كاملًا لتغيبه 14 يومًا عن عمله في القطاع الخاص. ومع أن ربى أيضًا تعمل في القطاع الخاص إلا أنها على عكس زوجها لقيت دعمًا من إدارتها لإتمام العلاج دون حسم الراتب.

يرى منذر الحوارات أن العزل المنزلي تأخر في الأردن ربما لعدم قناعة الجهات المعنية بإمكانية التزام المصابين، مع أن تطبيقه يخفض الضغط على القطاع الصحي ويحول دون إرهاقه.

في البداية، واجهت ربى صعوبة في إقناع طفليها بإصابتها وضرورة ابتعادها عنهما في غرفة أخرى، وحاول طفلها إقناعها بالاختلاط معهم حتى لو تسبب ذلك بإصابته. «أولها ابني الكبير انصدم، فكرني بمزح. أوقات بفتح الباب شوي، بحكي معهم من بعيد، لإنه شفتهم كتير تأثروا. ابني بعد أول يوم نادى علي قبل ما ينام من ورا الباب حكيت معه بقلي: أنا بحبك كتير، أنا كتير اشتقتلك وبلش يبكي». 

تولى زوج ربى رعاية الطفلين والاعتناء بهما، بينما أشرفت هي على ما يحتاجونه من مساعدة في المطبخ أو غيره من وراء باب غرفتها، وإذا اضطرت للخروج كانت تلتزم بمسافة تباعد وتضع الكمامة والقفازات.

يرى الحوارات أن العزل المنزلي استخدم في أغلب دول العالم منذ بداية كورونا، لكن هذا الإجراء تأخر في الأردن ربما لعدم قناعة الجهات المعنية بإمكانية التزام المصابين، مع أن تطبيق العزل المنزلي يخفض الضغط على القطاع الصحي ويحول دون إرهاقه، بحسبه. «لو عنا 100 حالة، فإن 85 منهم لا يحتاجون لعلاج والـ 15 الآخرين ممكن يكملوا العلاج في المنزل إذا تحسن وضعهم»، يقول الحوارات.

يتفق مع الحوارات طبيب وباحث يعمل في وزارة الصحة، فضل عدم ذكر اسمه. فيقول إن غاية العزل المنزلي هي تفريغ طاقات الكوادر البشرية وإمكانات وزارة الصحة للحالات الشديدة، خاصة بعد أن استبعدت إلى حد كبير احتمالية الإغلاق لمدة أسبوعين أو ثلاثة عند ارتفاع أعداد المصابين وقرب امتلاء المستشفيات بهم، نظرًا للإغلاق غير المبرر في بداية الجائحة والذي امتد قرابة ثلاثة أشهر، فيما لم تكن هناك حاجة للإغلاق لأكثر من ثلاثة أسابيع، بحسبه.

ويضيف الطبيب أن التعايش مع انتشار الوباء يفرض اللجوء للعزل المنزلي، والتأخر في تطبيقه أدى لاستنفاد الطاقات والأموال، وأنهك الكوادر الطبية في وقت مبكر. فإذا كانت الحكومة قد عزفت عن العزل المنزلي في البداية خوفًا من عدم التزام المواطنين وسرعة انتشار الوباء، وأملًا بالوصول إلى صفر حالة لحين صدور لقاح ضد كورونا، فإن هذا الخيار بات مستبعدًا في ظل أن اللقاح قد يحتاج إلى عام على الأقل.

إلا أن ضمان التزام جميع مصابي كورونا المعزولين منزليًا أمر صعب، بحسب الطبيب الذي يرى أن توفر تكنولوجيا حديثة مثل الإسوارة الإلكترونية، مع تطبيق عقوبات صارمة، قد يساهم في زيادة الالتزام. 

في المقابل فإن الحوارات ينتقد حلًا تدرسه الحكومة يقضي بتصوير المعزول لنفسه كل ساعة، لإثبات وجوده داخل المنزل. ويرى الحوارات أن التوعية المترافقة بالتكافل المجتمعي وتدريب متطوعين من المجتمع المدني يوفرون حاجيات المرضى من طعام وغيره أمام منازلهم، بحيث تكون مدفوعة الثمن من قبل المريض، وتوفير أطباء يتواصلون معهم باستمرار للاطمئنان على صحتهم، كفيلٌ بدفع المصاب المعزول والمحجورين معه في المنزل نحو الالتزام.

* اسم مستعار بناء على طلب صاحبه.