عاملو القطاع غير المنظّم في ظل أزمة كورونا: تفهم للإغلاقات وقلق على لقمة العيش

صورة لأحد المقاهي الشعبية بعد إعلان منع الأراجيل. تصوير عمّار الشقيري

عاملو القطاع غير المنظّم في ظل أزمة كورونا: تفهم للإغلاقات وقلق على لقمة العيش

الثلاثاء 17 آذار 2020

فور إعلان الحكومة مساء السبت بعض القرارات للتعامل مع تزايد حالات فيروس كورونا المستجد، ومنها «منع تقديم الأرجيلة وخدماتها والتدخين في المقاهي والمطاعم»، فقد الكثير من عمّال المقاهي الشعبيّة مع حلول مساء الأحد وظائفهم، وآخرون رضوا بتخفيض يوميّاتهم إلى النصف، إذ التزمت المقاهي بقرارات الحكومة بعدم تقديم الأرجيلة التي يقوم عليها أغلب دخل هذه المقاهي.

في اليوم التالي، مساء الاثنين، عدلّت الحكومة قرارها، من منع تقديم الأرجيلة إلى إيقاف «استقبال الزبائن في كافة المطاعم السياحيّة بكافة فئاتها والمقاهي»، فتوقفت بقيّة المقاهي الشعبيّة التي كانت خفّضت عدد العاملين أو خفضت أجورهم. وقدّمت وزارة العمل أمس مجموعة من القرارات لتنظيم أمور العاملين في القطاع الخاص من حيث الأجور.

أما صباح اليوم، فرفعت الحكومة مرة أخرى درجة الإغلاقات، وأعلنت «تعطيل جميع المؤسسات والدوائر الرسميّة» و«القطاع الخاص باستثناء القطاع الصحيّ كاملًا، وقطاعات حيوية يحددها رئيس الوزراء بناءً على تنسيب وزير الصناعة والتجارة والتموين». ليتبع ذلك إعلان وزير العمل نضال البطاينة أن موظفي القطاع العام والخاص هم في «إجازة رسمية مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين، لا تخصم من رصيد إجازاتهم السنوية»، باستثناء موظفي الدولة «الواجب تواجدهم على رأس عملهم (..) بقرار من رئيس الوزراء»، وعدد من قطاعات العمل الخاص تحددها قريبًا.

لكن العاملين في المقاهي، ومعهم كل العمال الذين يصنفون ضمن ما يُطلق عليه بالقطاع غير المنظّم، لا ينطبق عليهم ما أعلنه الوزير. يشمل هذا القطاع غير المنظّم، أيّ الذي لا يجري فيه توقيع عقود عمل بين العامل وصاحب العمل، العاملين في المطاعم الشعبيّة والباعة المتجولون وعمال الإنشاءات وغيرهم ممن يعملون ضمن المياومة وبطريقة متقطعة. ويقدر عدد العاملين في هذا القطاع بما بين 44-48% من مجمل العاملين في الأردنّ، موزعين على قطاعات كثيرة. 

هؤلاء لم يتضح ماذا سيحل بهم بعد. الناطقة باسم وزارة العمل، غيداء العواملة، قالت لحبر إن الوزارة لم تتخذ أي قرارات بشأن القطاع غير المنظم، لكنها ستدرس أوضاعهم في الأيام المقبلة.

في المقاهي، التزم العمّال بالإجراءات وسلّموا أمرهم. أبدى الكثير منهم تفهمه للقرارات المتخذة، لكن في المساء الأوّل من المنع، كان أحد هؤلاء العمّال يسأل بهدوء سؤالًا طرحه كلّ من قابلناهم في مدينتي إربد وعمّان في اليومين الماضيين: «الناس هاي كيف بدها توكل وتشرب؟». 

في الأيّام الماضية، وقبل الإعلان رسميًا عن إغلاق المقاهي، كانت هذه القطة هي الزبون الأخير. تصوير عمار الشقيري

 

الزبون الوحيد

قطٌّ وحيد، حصيلة زبائن أحد مقاهي مدينة إربد، منذ الساعة السابعة صباحًا وحتى السابعة مساءً، أصابه الملل بعد انقطاع مداعبات الزبائن له، وانشغال أصحاب المقهى عنه بما يؤرقهم؛ إذ خلا المقهى تقريبًا من الزبائن يوم الأحد، اليوم الأوّل من قرار «منع تقديم الأرجيلة وخدماتها والتدخين في المقاهي والمطاعم»، قبل أن يصدر قرار الأغلاق بشكل كامل يوم الإثنين.

سرّح أحد أكبر هذه المقاهي ستة عمّالٍ من أصل تسعة، بسبب انخفاض عدد روّاد المقهى والعائد المادي القائم على تقديم خدمات الأرجيلة، حيث بلغت خسائر المقهى 100%، إذ أنَّ أغلب روأده يطلبون أرجيلةً مع طلبات الشاي والمشروبات. «بدي كل يوم بحدود 400 مصاريف للمقهى تا أغلّق مصاريفها» يقول أبو عيّاد، مدير المقهى الذي أحصى 20 دينار مبيعات في ذلك اليوم. «أجار المقهى مش طالع، واليوم يمكن يروحوّا الثلاثة الباقين. منين بدنا نعطيهم إجارات؟».

في زاوية من المقهى، يجلس العمّال الثلاثة على إحدى الطاولات الفارغة، بينهم المصري عبد الرحيم يونس، أقدم العاملين في المقهى. يجلس يونس بسنواته الخمسين ويده على قلبه ممّا قاله أبو عيّاد: «والثلاثة بدهم يروحوّا». إذ أنَّ وجهته الوحيدة في حال صدق أبو عيّاد هي الغرفة التي يسكنها. «المشكلة ما فيش إجازات، ما فيش إشي، الأرزاق على الله. [هذه] مهنتي على خاطر تصريحي على المقهى».

يعمل يونس في المقهى منذ 12 سنةً، وهي مهنتهُ منذ 27 عامًا بدأ العمل بها في مصر قبل أن ينتقل إلى الأردنّ. يعيل يونس ثمانية أولاد، أربعة منهم ما دون سن المدرسة، يبعث لهم في كلّ شهر 100 دينارٍ تقريبًا، لكنه لا يتوقع إذا استمر وضع المقهى على هذا الحال أن يكون قادرًا نهاية هذا الشهر على تحويل المبلغ المعتاد لهم. «لازم يشيلوا معاي دلوقتي. من ساعة تغربت وأنا إلهم، لازم يتحملوني شهرين تكون عدّت الأزمة».

أما العاملان الآخران المتبقيان، فهما أردنيان يجلسان دون حديثٍ تقريبًا، أحدهما رامي أبو جِمْيل الذي يعمل منذ ست سنين في المقاهي، ويعيل ثمانية أفراد من أسرته ويُساعده أخٌ له يعمل في مقهى مجاور. حين سمع كلام أبو عيّاد، قال: «ما رح يكون هون في شغل، لا هون ولا برّة، أنا قاعد. الناس هاي كيف بدها توكل وتشرب؟». فيما بدت علامات التسليم واضحةً على العمّال الثلاثة، همس يونس وهو ينتظر قرار أبو عيّاد: «صاحب الشغل منين يجيبلي راتب؟ لو قاللي روح، أقعد بالشقة لمّا ربنا يسهل».

بدا وكأن أبو عيّاد يؤجل قراره ساعة بعد أخرى إلى نهاية الدوام. قادني إلى بيت النار المخصص لإشعال فحم الأراجيل الذي كان مطفأً وقال: «80 سنة ما انطفى، مات والد صاحب المحل وما انطفى»، وعاد ليجلس على إحدى الطاولات وقبالته يجلس العمّال الثلاثة ينتظرون قراره.

في مقهى مجاور، لم يكن الحال بأفضل. إذ جلس العاملون فيه للعب الشدّة مع مدير المقهى، وأمامهم كاسات من القهوة الكرتونيّة، كإجراء صحيّ كما يعتقدون، لم يُطالبهم أحدٌ باتباعه، فيما كانت الطاولات فارغةً سوى من القطّ الذي ظلّ نائمًا على أحد الطاولات. 

ما أعلنه البطاينة صباح اليوم من ضمانات بالأجر لموظفي القطاعين العام والخاص خلال الأسبوعين المقبلين لا ينطبق على هؤلاء العمال، إذ لا تخضع الكثير من هذه المقاهي لهذه الإجراءات، كون العاملين فيها يعملون بدون عقود عمل، إنما على نظام المياومة وبشكلٍ متقطّع، وكثر منهم غير خاضعين للضمان الاجتماعي. 

ومثل العاملين في المقاهي قطاعات أخرى مثل قطاع العاملين في المطاعم الشعبيّة التي يقدّر عددها بـ 16 ألف مطعم شعبي في المملكة، وتشغّل 100 ألف عامل كحد أدنى، وفقًا لأرقام نقابة أصحاب المطاعم والحلويات الأردنيّة. ولا تتوفر أرقام حول عدد العاملين في هذا القطاع، الذي يصنّف ضمن القطاعات العمل غير المنظّم، لكن أمين عام وزارة العمل الأسبق حمادة أبو نجمة يقدر العاملين في كل القطاعات غير المنظمة بـ«حوالي 48% من العمّال في الأردن».

«ما أظن ألاقي شغل»

في مقاهي عمّان اختلف الوضع قليلًا، إذ أغلقت بعض المقاهي الأحد، قبل إعلان الجهات المختصّة الاثنين قرارها بإغلاق المقاهي. فيما خفّض بعضها عدد العاملين أو أجرتهم اليوميّة.

قبل قرار الإغلاق الاثنين، وخلال جولة على مقاهي عمّان الشعبيّة الأحد، دخلنا واحدًا منها في وسط البلد، لم يغلق منذ 60 عامًا. كان مديره أبو عمر البيطار يُحادث شريكه حول الوضع القائم من تدني المردود بسبب وقف تقديم الأرجيلة: «إذا هيك [بيظل الوضع] يا بدي أختصر على [عامل] واحد، يا بدي أسكّر». كان البيطار قد اختصر أصلًا عدد العاملين من خمسة إلى ثلاثة عمّال، فيما قال لنا إنَّ أحد الخيارات الإضافيّة المتاحة أمامه هو تخفيض أجرة من بقي من العمّال من عشرة إلى خمسة دنانير. «مبارح القهوة صفّت ليرتين و75 قرش. أجار شغيلة ما بِطْلعوا».

من ضمن من بقي من العمّال، المصري محمد منصور (51 سنة) الذي يعمل في المقاهي منذ العام 1987، ويعمل في المقهى ذاته منذ عام 1991. يقول منصور إنه لن يستطيع تحويل أي مبلغ لعائلته هذا الشهر. وهو يدفع بين 40-50 دينار أجرةَ السكن، بالإضافة إلى مصروفٍ يومي ثلاثة دنانير. لذا، فإن المصروف الأساسي الذي يستطيع تقليصه هو الغذاء. «كنا نطبخ ثلاث مرات باليوم، صرنا نطبخ مرة وحدة».

وعند سؤاله عن احتمال تخفيض أجرته إلى خمسة دنانير، وفيما إذا كان سيقبل بها قال «بدي أعيش إذا قالي خمسة. صار عمري 51 سنة، وين بدي أشتغل؟ كل المحلات زي بعضها».

لكن حيرة منصور والبيطار لم تدم. فمع صدور القرار الرسمي الإثنين بإغلاق المقاهي، ذهب الإثنان والعمّال الباقون جميعًا إلى البيت. 

في أحد مقاهي العبدلي، لافتةٌ تشير إلى ساعات تقديم الخدمة للزبائن «24 ساعة». لكن ذلك كان فيما مضى، إذ كان المقهى مغلقًا مساء الإثنين بعدما اختصر صاحبه الخسائر والمردود القليل بعد تجربة فتح أبوابه نهار الأحد، واختصاره الموظفين من خمسة إلى اثنين. «ظل واحد الصبح، وواحد المسا»، يقول حمزة أبو شاور، أحد العاملين في المقهى، الذي يدرس في السلط بتخصص الهندسة المدنية.

يوفّر هذا العمل لأبو شاور مصروفه الجامعيّ، ويعمل فيه في الأيام التي ليس لديه فيها دوام جامعي ويتقاضى ما بين 10- 12 دينار يوميًا. لكن خلال نهار الإثنين، كان حمزة نائمًا في البيت إذ لم يعد هناك عمل. «ما أظن [ألاقي شغل] كل البلد واقفة، ما أظن أدور على شغل ثاني».

 

يعيل يونس الذي يعمل في هذا المقهى منذ 12 عامًا ثمانية أولاد تصوير عمّار الشقيري.

حلول ممكنة

يُطالب خبراء في مجال العمل بإيجاد حلول لهذه الفئة، مثل إنشاء صندوق طوارئ، والاستفادة من مخصصات المؤسسات المالية الدولية التي خصصت «ما يزيد على 63 مليار دولار لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس على المستوى العالمي»، وإمكانية الحصول على منح من الدول الصديقة لرفد هذا الصندوق. ومن مخصصات صندوق الضمان الاجتماعي.

أعلنت مجموعة البنك الدولي يوم 3 آذار/مارس الجاري عن إتاحة «حزمة تمويل أولية فورا تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار لمساعدة البلدان على التغلُّب على الآثار الصحية والاقتصادية لتفشِّي فيروس كورونا (COVID-19)». ويأتي هذا الإعلان ليس فقط لتقوية الأنظمة الصحية في البلدان النامية إنما كذلك من أجل «العمل مع القطاع الخاص على تقليل تأثير ذلك على الاقتصادات».

من جانب آخر يقترح أبو نجمة قيام اجتماع ثلاثي يجمع الحكومة وأصحاب العمل، والعمّال للاتفاق على آليات جديدة غير ما ورد في إعلان وزير العمل الاثنين.

 يتلخص اقتراح أبو نجمة أن يشمل الاجتماع الاتفاق بين الأطراف الثلاثة على آلية دفع الأجور، والضمانات التي تكفل حقوق العمّال. «اللقاء المباشر غير عن قرار الوزير»، يقول أبو نجمة. «بيكون فيه تفاوض، واتفاقية جماعيّة على مستوى وطني، ممكن نركز على قطاعات محددة. الآن في إنهاء خدمات على مستوى عالي، مؤسسات كثيرة أنهت خدمات، أو [منحت] إجازات بدون راتب، أو حتى براتب».

«ذبحوني، من وين أجيب؟»، يعلق أحد مديري مقهى في إربد. فأصحاب المقاهي، هم أيضًا لم يعد لهم دخل بسبب الإغلاق المؤقت، «الواحد بتحمّلهم هالأسبوعين، بس مش رح أتحمّل سنة وست شهور»، يقول محمَّد الشريف، الذي يشغّل في المقهى بفروعه المختلفة 75 عاملًا.

في دول مجاورة، مثل فلسطين المحتلّة، وقّعت وزارة العمل والمجلس التنسيقي للقطاع الخاص واتحاد نقابات العمال أمس الاثنين، اتفاقًا شمل «إنشاء صندوق طوارئ لمعالجة الآثار الناتجة عن الأزمة، بما يشمل تعويض صاحب العمل والعمال في المنشآت التي انهار مركزها المالي». 

يقترح أبو نجمة قبل العمل على إنشاء مثل هذا الصندوق، العمل على إنشاء قاعدة بيانات ترصد القطاعات المتأثرة، والعاملين فيها، بهدف دعمها من الصندوق الذي يمكن أن يكون ممولًا من الحكومة أو المساعدات. «في إمكانيات لإغلاقات أخرى، والوضع الاقتصادي آثاره أطول من الوضع الصحي. أهم شي نرصد الوضع».

«الكورونا يمكن يقتل شخص [واحد]، بس كيف بدي أطعمي العشرة اللي بالدار؟»، يقول أبو عيّاد. خلال التجوال على أصحاب المقاهي، والعاملين وبعض الزبائن بدا الجميع متفهمين لما يحصل في هذه الفترة، بل مستعدين، كما قال الشريف، لتحمّل الخسائر، لكن ليس لوقت طويل، خاصة في ظل وجود حلول أخرى يقدمها خبراء في العمل والاقتصاد، تتلخص في الشراكة ما بين القطاع الخاص والحكومة والعمّال والجهات المالية الدوليّة لتفادي هذه الأزمة.

هذا التقرير جزء من مشروع «عيون» للصحافة المحلية الذي تنفذه حبر وشبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج).