انعدام الأمان: العنف ضد النساء في الداخل الفلسطيني المحتل

الجمعة 17 أيار 2019
«امرأة فلسطينية» للفنان رفيق شرف، 1966.

في 28 نيسان الماضي، عُثر في مدينة اللد على جثة فتاة لم تتجاوز سن التاسعة عشرة، بعد اختفائها لأسبوعين. كانت الشابة نجلاء الحموري خامس امرأة تُقتل في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 منذ بداية عام 2019 فقط. وكما في معظم هذه الحالات، كان القاتل في حالة نجلاء أحد أفراد عائلتها.

للأسف، هذه الحالات ليست استثناءً. فاستعراض القصص والمعطيات الحديثة والممتدة على مرة السنوات السابقة يبرز بوضوح أن هناك قضية مستمرة تتعلق بالعنف ضد النساء في فلسطين المحتلة. ففي عام 2018، استقبل مركز مساعدة ضحايا العنف الجنسي والجسدي التابعلجمعية نساء ضد العنف في الداخل المحتل 754 حالة، 53% منهم إثر اعتداءات جنسية، والبقية إثر عنف جسدي. وحصلن 52% من مجمل الاعتداءات الجنسية في بيت الضحية، و40% منها نفذها زوج أو صديق، وكانت 45% منها حالات اغتصاب. أما في حالات العنف الجسدي، كان المعتدي هو الزوج السابق أو الحالي في 81% من الحالات.

لا يمكن تناول هذه المعطيات الصادمة بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي في الداخل الفلسطيني، الذي يقبع تحت الاستعمار المباشر وفي أوضاع اقتصادية صعبة أنتجتها السياسات الاستعمارية التي طالت المجتمعات الفلسطينية في جميع أماكن تواجدها. لا أقصد هنا تأثير الاستعمار على سيرورة تطور وبناء المجتمع الفلسطيني فحسب، بل أيضًا آثار الفقدان المادي على المجتمع الفلسطيني، أي فقدان الأرض وتجريد الفلسطيني من أي مقومات مادية، وفقدان التحكم والسيطرة على الموارد الحياتية والمعيشية، والعيش في ظل سياسات إفقار ونهب مستمرة.

أحد هذه الآثار كان تعزيز الذكورية، وترسيخ الانقسامات الداخلية الطبقية، والجندرية، والعشائرية، والطائفية، التي نرى إفرازاتها داخليًا في أضيق المساحات الاجتماعية، وهي العائلة. فعلاقات القوى في الحيز الخاص عنت أن الرجل سيطر على الموارد فيه، في حين أنه لا يسيطر عليها في الخارج، مما ضاعف التجريد المادي والمعنوي الذي تعاني منه المرأة الفلسطينية التي لا تتحكم في الموارد لا في الحيز الخاص ولا العام، ولا تملك القدرة على السيطرة على حياتها في أي منهما.

العائلة والحيز الخاص كمصبّ للعنف

لفهم هذا الأثر، وسنبدأ حديثنا من هذه الوحدة الاجتماعية تحديدًا، التي بات الحيز الخاص مرادفًا لمساحتها، ألا وهي العائلة. بدايًة، يجب التنويه إلى أن هذا التحليل لا ينظر إلى قتل النساء كحالة استثنائية، على الرغم من أنها قد تكون من الحالات الأشد تطرفًا، بل كوجه آخر لممارسات التعنيف والقمع العديدة التي تُمارس ضد الفئات المستضعفة والمهمشة، داخل الحيز الخاص وخارجه ايضًا. كما أن أن التركيز على العائلة لا يجب أن يُفهم منه أن العنف يحدث فقط في العائلة. فالعنف، بأشكاله المتنوعة، يلاحق الفئات المستضعفة في جميع أماكن تواجدها، والهدف هنا هو محاولة فهم ما يحدث في مساحات مجتمعية معينة.

 لكن رغم صحة الادعاء بأن العنف قد يحدث في أي مكان؛ في الشارع ومكان العمل والأزقة المظلمة، لا يمكننا أن نتجاهل أن غالبية أعمال العنف تحدث في البيت وبين أعضاء الأسرة. ففي دراسة صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تناولت معطيات حول العنف الذي تتعرض له النساء حول العالم، رُجح أن الأماكن الأشد خطرًا على النساء هي منازلهن. وأشارت الدراسة إلى أن قرابة 87 ألف امرأة قُتلن في عام 2017، حوالي 50 ألف منهن (أي 58%) قُتلن على يد شركائهن أو أفراد عائلاتهن.

بعيدًا عن الخطابات المحافظة التي ترى العائلة مركزًا للدفء والأمان، أو قيمة ثقافية وتقليدية بالغة الاهمية، فإنني أنطلق من فهم للعائلة بوصفها بنية اجتماعية تتأثر بالواقع الاقتصادي والسياسي، كغيرها من المؤسسات المجتمعية، وقد تُستخدم كغيرها من البنى لخدمة أصحاب القوة والمصالح. ففي السياق العالمي العام، تعتبر الأسرة أول وأهم المؤسسات المكونة للرأسمالية، كونها موقع إعادة الإنتاج الاجتماعي، بإنتاجها وصيانتها للعمال الذين يبيعون قوة عملهم. بالتالي، فقد عززت الرأسمالية تصور الأسرة كمؤسسة لا غنى عنها في الذهنية البشرية. لتصبح الأسرة بذلك أول المؤسسات المجتمعية التي تحمل تقسيم عمل وتفرقة جندرية، حيث لا الفرص، ولا السيطرة على الموارد، ولا الأجور متكافئة.

وجود النساء وعملهن غير المأجور داخل هذه البنية السياسية والاقتصادية يجعل تفريغ العنف عليهن في الحيز الخاص أمرًا ممكنًا. ولا نقصد فقط القتل، بل جميع أنواع العنف، ابتداءً من رهن المرأة في المنزل، وانتهاءً بالعنف الجسدي والاعتداء والتهديد المباشر، وانعدام أي أحساس بالأمان. بالتالي، فإن الثنائيات التي تفصل الحيز الخاص عن الحيز العام وتصورهما كنقيضين وتضفي على الأول سمّات الأمان والرعاية قاصرة عن فهم تفاعل العائلة مع السياق المحلي والكوني، ولا يمكنها أن ترى كيف تتشكل العائلة وفق الواقع الاقتصادي والسياسي.

انطلاقًا من هذا الفهم للعائلة كبنية سياسية واقتصادية، لم تكن صدفة استخدام الكيان الصهيوني لها وتحكمه بها من خلال دعم البنى الاجتماعية التقليدية والعشائرية. فقد شكلت العائلة وسيلة لإحكام القبضة على المجتمع الفلسطيني في الداخل من خلال تعزيز البنى الذكورية والأبوية وإعطاء المناصب لشخصيات أبوية ذات نفوذ. وفي هذه البنى المختلفة، كانت المرأة الفلسطينية مصب أشكال من العنف، فنرى العنف السياسي المباشر الذي يمارسه الكيان على الفلسطينيين والفلسطينيات، ونرى أيضًا العنف المباشر للرأسمالية التي تعمل على تسليع العائلة، وخصخصة الخدمات الاجتماعية، وخصخصة الملاجئ ومراكز الدعم، والتي يقع ضحيتها أكثر فئات النساء فقرًا وتهميشًا. بكلمات أخرى، تعيش النساء مع انعدام قدرتهن على السيطرة على الموارد، ويبقين رهائن في المنازل، ويُرهن رهن خروجهن للعمل بقدرتهن على الموازنة بين عملهن في الخارج وعملهن في المنزل، وفي الوقت ذاته، لا يمكن لمؤسسات الدولة الاستعمارية أن توفر لهن أي مصدر أمان من خلال جهاز الشرطة.

إشكاليات التعامل مع العنف ضد النساء

إحدى الإشكاليات في التعامل مع قضية قتل النساء في الداخل المحتل هي أن بعض الأصوات التي تعد نفسها تقدمية تطالب الشرطة الإسرائيلية بالتدخل، مفترضةً أن سبب الأزمة هو غيابها أو تقصيرها، خاصًة في حالات قتل النساء. لكن وجود الشرطة الإسرائيلية كذراع أمني استعماري هو أحد أسباب تشكّل العنف أساسًا.

فقضية قتل النساء الفلسطينيات لم ولن تُشغل بال جهاز أمني صهيوني، كما ولن تشغله أي انقسامات داخلية، فهو من يعززها وهو بحاجة ماسة إليها، خاصًة بعد فشله في صهر وعي الفلسطينيين بالكامل، وتصريحات الأجهزة الأمنية ذاتها تعكس عدم الاكتراث هذا. لا يمكن تجاهل أن عدم تدخل الشرطة يزيد من انعدام الإحساس بالأمان، خاصًة للمرأة التي لا تجد ملاذًا آخر، لكنها سرعان ما تصل إلى استنتاج مفاده أن قضيتها لا تقع في سلم أولويات الشرطة الإسرائيلية. بالتالي، لا يمكن في السياق الفلسطيني اعتبار الشرطة الإسرائيلية ملاذًا آمنًا أو حتى مؤسسة يمكن أن تصحح مسارها. ولن تقضي هذه الشرطة على العنف في المجتمع الفلسطيني، لا بمصادرة السلاح ولا بمعاقبة القتلى. فمحاولة فهم العنف الموجه للنساء ومجابهته يبدأ من رؤية هذه المؤسسة على ما هي فعلًا: ذراعًا استعماريًا عنيفًا، وبكلمات لويس التوسير، جهازًا سياسيًا قمعي وأيديولوجيًا، يحافظ على مصالح الطبقة المسيطرة.[1] ووجود جهاز شرطة قمعي وعنيف، يعزز الإحساس بعدم الثقة والأمان ليس خاصًا بالحالة الفلسطينية فقط، ولا حتى بالسياقات الاستعمارية المباشرة وحدها، إنما هو حالة مشتركة بين العديد من الفئات المستضعفة في العالم، التي تعيش تحت أنظمة عنصرية وشوفينية، كالولايات المتحدة أو بريطانيا.

أصوات إشكالية أخرى هي تلك التي تدعّي أن العنف ظاهرة ثقافية متجذرة في العقل العربي، متقاطعة بذلك مع الخطاب الإسرائيلي الذي يعتبر العنف شأنًا «داخليًا» و«خاصًا» بالعرب والفلسطينيين، وجزءًا من الثقافة العربية. هذه الممارسة الاستعمارية الفوقية تجد داعمين فلسطينيين محليين، يعتبرون العنف جزءًا من ماهية الإنسان العربي، لا جزءًا من سيرورة سياسية واجتماعية واقتصادية تتخذ أشكالًا عديدة، وتقع النساء ضحايا لها في جميع أنحاء العالم.

من هذا المنطلق أيضًا، عملت ناشطات نسويات فلسطينيات على نقد وتفكيك اللغة المستخدمة لوصف حالات قتل النساء وتعريفها كحالات قتل على خلفية «شرف العائلة»، أولًا من أجل التأكيد على أن لا علاقة لجريمة القتل بمفهوم «الشرف» المُعرّف من وجهة نظر ذكورية وأبوية، وبالتالي تفكيك الرابط بين «عدم الحفاظ المرأة على الشرف» وقتلها أو تعنيفها. وثانيًا، من أجل التأكيد على أن استخدام مفهوم «الشرف» يعزز من النظرة الاستشراقية تجاه الفلسطينيين التي تعتبر المفهوم قيمة عليا في الذهنية والثقافة العربية. بكلمات أخرى، فإن استخدام هذه المفاهيم يضع قضية العنف ضد النساء في خانة «الثقافي» والعرقي، ويعزلها عن السياسي والاقتصادي.[2]

أخيرًا تعلو أصوات إشكالية أخرى في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، وهي الأصوات التي ترى في الوقوف جنبًا إلى جنب مع الإسرائيليات إما ضرورة نضالية، أو قيمة نابعة من مبدأ «الأخوّة» في النضال. هذه الأصوات التي تعزز فصل الاجتماعي عن السياسي بمفهومه العام تتجاهل علاقات القوى الكامنة بين النساء أنفسهن، وتعزل النسوية الفلسطينية عن النضال  الفلسطيني الشعبي والتحرري. فرغم أن هذه الأصوات عملت على إظهار نفسها كنسوية عضوية تأخذ مطالب النساء على محمل الجد، فإنها تبقى أصواتًا نخبوية لأنها تعقد مساومات وتنازلات تفيد الفئة الأقوى، إذ تتخذ من الحيز الإسرائيلي السائد (كمدينة تل أبيب على سبيل المثال) مساحة للنضال، بينما تشكل هذه المساحة في الواقع حيزًا إقصائيًا بطبيعته الاستعمارية والاقتصادية.

تسليط الضوء على علاقات القوى بين النساء أنفسهن ليس أمرًا جديدًا، خاصة في سياق النضال النسوي. فقد أكدت العديد من الناشطات في العالم، كالناشطات السوداوات في الولايات المتحدة أو الناشطات في دول الجنوب، على رفضهن للفوقية البيضاء وللزجّ بقضاياهن تحت مظلة النسوية الليبرالية، ليس من منطلقات ثقافية تحارب المركزية الغربية فحسب، بل أيضًا لما تحمله النسوية الليبرالية من مفاهيم اقتصادية برجوازية. يمكننا أن نجد مثل هذه الرؤى النسوية النقدية في كتابات نساء عديدات، كما يظهر في مقال للناشطة الماركسية الروسية ألكساندرا كولونتاي عام 1909، في حديثها عن النضال المشترك بين البرجوازيات والبروليتاريا:

الغريزة الطبقية -أيًا كان الذي تردده النسويات- دائمًا ما تفرض نفسها بوصفها أقوى من الحماس النبيل لسياسة «فوق الطبقية». لذلك، طالما أن البرجوازيات وشقيقاتهن الأصغر متساويات في اللامساواة مع الرجل، فإن الأولى، وبكل إخلاص، ستبذل جهود كبيرة للدفاع عن المصلحة العامة للنساء. ولكن حالما يسقط الحاجز وتلتحق البرجوازيات بالنشاط السياسي، فإن المدافعات عن «حقوق جميع النساء» يتحولن إلى مدافعات متحمسات عن امتيازاتهن الطبقية الخاصة، راضيات عن تخليهن عن شقيقاتهم الأصغر دون أية حقوق على الإطلاق. وبالتالي، عندما تتحدث النسويات إلى النساء العاملات حول الحاجة إلى النضال المشترك لتحقيق بعض المبادئ «النسائية العامة»، فإن نساء الطبقة العاملة، وكرد فعل طبيعي، لا يثقن بهن.

لا يمكن أن يكون ذلك أشد وضوحًا مما هو عليه في الحالة الفلسطينية، فلا يمكننا التحدث اساسًا عن علاقة «أختية» في النضال ما دامت امتيازات فئة معينة مستقاة من استغلال واستعمار الأخرى، وما دامت الفئة الأقوى تشارك مشاركة فعالة في احتلال وقمع الأخرى.

قضايا النساء في دوائر النشاط السياسي

كما تتعدد الأصوات داخل المجتمع، تتعدد أشكال التعامل مع قضايا العنف ضد النساء داخل الحركات السياسية الفلسطينية في الداخل. وفي كثير من الأحيان، يؤدي تعاملها إلى استنساخ العنف والهيمنة الذكورية بدلًا من القضاء عليها. فهناك من يعتبر هذه القضايا قضايا النساء وحدهن، وليست شأنًا عامًا. وهناك من يعتبرها أقل أهمية من القضايا «السياسية»، انطلاقًا من رؤيا محدودة وضيقة لمفهوم «السياسي»، تحبس قضايا المرأة في خانة «الاجتماعي» أو «الثقافي»، وهذا نفسه مصير قضايا مجتمعية أخرى يتم تهميشها تحت غطاء «سلم الأولويات» النضالي.

وعلى الجانب الآخر، نجد من يتعامل مع المرأة برومانسية مفرطة تنتهي بتشبيهها بالأرض أو التشديد على «جمالها» كفلسطينية «مناضلة» في المظاهرات، أو باعتبارها «شريكة في النضال» في أحسن حال، ولذلك يجب الحفاظ عليها. هذه النظرة الفيتيشية والتسليعية لا ترى القمع التي تعاني منه المرأة إلا بربطه بـ«اغتصاب» الأرض، ولا ترى المرأة إلا كتابع للرجل أو كأضافة جيدة إلى جهوده، حتى في سياق النضال.

هذه الرؤى القاصرة عن فهم جذور العنف ضد النساء وضرورة مجابهته لا يحملها رجال فحسب، بل يصل تأثيرها إلى بعض النسويات المتساوقات مع الألاعيب الذكورية التي تُركّز على التمثيل والتمظهر والمنافسة على مقعد أو على رأسمال اجتماعي واقتصادي، فضلًا عن تأثر البعض بخطاب الأولويات، وعزل هذه القضايا عن الخطاب السياسي العام. لكن محاولات الفصل هذه تشكل خطرًا على قدرتنا على تكوين المشروع التحرري الشامل الذي يعي أن هذه القضايا الاجتماعية تقع في صلب النضال للتحرر من الاستعمار، بل هي أحد أسباب هذا النضال وأحد أهداف التحرر، لذا عليها أن تكون جزء من بنائنا للمشروع النضالي التحرري، ولتخيلنا لفلسطين ما بعد التحرير.

  • الهوامش

    [1] لويس ألتوسير (1971). الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية.

    [2] Shalhoub-Kervorkian, N., & Daher-Nashif, S. (2013). Femicide and colonization: between the politics of exclusion and the culture of control. Violence against women, 19(3), 295-315.