الفقر في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: من يضبط النقاش؟

الأربعاء 20 تشرين الثاني 2019
سيدة تجفف الخبز البائت أمام منزلها في مخيم البقعة، تمهيدًا لطحنه وبيعه. تصوير دلال سلامة.

لبضعة أيام، سيطر عنوان «الفقر» على النقاش العام في الأردن بعد تصريح لمدير دائرة الإحصاءات العامة جاء فيه أن عدد الفقراء في الأردن ثمانية آلاف. احتل الرقم عناوين بارزة، وأثار موجة نقاش في المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، ثم انتقل إلى قنوات تلفزيونية ثم إلى الصحافة الورقية. وفي الأثناء، سارع المدير إلى التوضيح أن الرقم يشير إلى الفقراء ضمن تصنيف «الفقر المدقع» ولا يشمل تصنيف «الفقر المطلق».

كان التصريح الأول قد جاء في سياق التعليق على خبر نُسب إلى موقع خليجي يقول إن نسبة الفقر في الأردن 56%، وأن موقع الأردن في نسب الفقر عربيًا يأتي ثالثًا بعد اليمن وسورية. وقد حظي الخبر بتناقل «ابتهاجي» أحيانًا من قبل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع.

كان لاختلاف المفاهيم دور في تشتيت النقاش، ولكن مدير الإحصاءات ذاته ساهم في ذلك، من خلال تناقض تصريحاته مع البيانات التي تعرضها الأرقام الرسمية بما فيها تلك الصادرة عن مديريته. وزاد الأمر ارتباكًا أن المديرية والحكومة عمومًا تمتنع منذ عام 2012 عن الإفصاح عن الأرقام الجديدة، وتحتفظ في أدراجها بنتائج تفصيلية لمسحين إحصائيين كبيرين للفقر؛ الأول كان جاهزًا للإعلان عام 2014 والثاني عام 2018، وهو ما يجبر الإعلام والباحثين على الاكتفاء بآخر أرقام ونسب حول الفقر وخطوط الفقر، وهي المنشورة عام 2012 التي استندت بدورها إلى بيانات ومعطيات عام 2010 كسنة أساس. والمعلوم طبعًا أن تلك الأرقام تعتمد أصلًا على إحصاء السكان لعام 2004 حيث كان عدد سكان المملكة ستة ملايين، بينما قفز الرقم إلى 9.3 مليون في إحصاء عام 2015. 

وفق أرقام 2010، بلغ عدد الفقراء فقرًا مدقعًا (فقر غذاء) 19,540 فردًا بنسبة 0.32% من السكان البالغ عددهم ستة ملايين. لكن مدير الإحصاءات أصر خلال النقاش الأخير، وفق صحيفة يومية على أنه يقصد ثمانية آلاف فرد، وهو ما يعني أن نسبة الفقر المدقع تراجعت أربعة أضعاف من 0.32% إلى 0.08% بينما قدمت المديرية أرقامًا ونسبًا جديدة تفيد بتفاقم مشكلة الفقر.

كيف نحاكم ما جرى؟

علينا التمييز بين مستويين من النقاش: الأول ما يجري في وسائل الإعلام المحترفة والمسجلة من قبل إعلاميين محترفين أو باحثين، والثاني ما يجري من نقاش بين الجمهور. وهذا الأخير، كان في السابق يجري في العلاقات الإنسانية المباشرة بين المواطنين، ثم صار الآن يمارس عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت الفرصة للكلام العادي أن ينتقل إلى منصات يقرأها أو يشاهدها جمهور مفتوح قد يكون صغيرًا أو كبيرًا حسب نشاط الفرد وحضوره في التواصل الاجتماعي. لكل من هذين المستويين وسائل معالجة أو تقويم ونقد خاصة به تختلف عن المستوى الآخر. فليس من الإنصاف الحكم على تعليق عادي يكتبه مواطن على حسابة الشخصي بالأداة ذاتها التي نحكم بها على مادة كتبها مختص.

إن فكرة حق التعبير تختلف بين هذين المستويين؛ فما يجري على التواصل الاجتماعي من قبل الجمهور العادي هو أشبه بالكلام العادي اليومي، ومن هنا فحق التعبير مفتوح وهوامشه واسعه إلى ما نهاية ويحاسب عليها صاحبها في إطار علاقاته الشخصية. أما عندما ينتقل الأمر إلى وسائل الإعلام فهناك أسس ومعايير مختلفة. غير أن واجب وسائل الإعلام أن تمارس دورها في توفير مادة حرفية يستفيد منها أو يرجع إليها من يريد من المواطنين على التواصل الاجتماعي.

أصل القصة

يشكل الفقر أحد العناوين المتكررة في الإعلام الأردني. ببساطة لأن الفقر ذاته يعد أحد العناوين الاجتماعية والاقتصادية البارزة على المستوى الوطني، سواء عند السلطة والجهات الرسمية أو الأهلية ذات الصلة، أو عند المعارضة، أو على مستوى خطاب الحياة اليومية للمواطنين، مع اختلاف المداخل وزوايا النظر.

لقد اعترف الخطاب الرسمي في الأردن بالفقر مبكرا نسبيًا، وأُدخلَت وأُعلنَت بيانات وأرقام ونسب الفقر في الأرقام الاقتصادية الوطنية الكلية. وتلك تعد مسألة هامة، لأنها تستتبع شرعيةُ البحث في موضوع الفقر وتناوله ومتابعته ومساءلة السياسات التي تتعلق به. 

لم تمنع السلطات الإعلام من التواصل مع أي مجموعة أو منطقة جغرافية، ولم تمنع من وصول الباحثين المحليين وغير المحليين إلى أي موقع، ويحتوي أرشيف الصحافة على مواد صحفية حول الفقر منذ خمسينات القرن الماضي، وفي فترة لاحقة انخرط الإعلام في النشاط الذي عرف دوليًا بـ«الإعلام التنموي» وخاصة في عقد السبعينات وحتى مطلع الثمانينات، وقد ترافق ذلك في الأردن، مع ظروف سياسية نتج عنها دفع الإعلام دفعًا نحو المحافظات والمناطق البعيدة عن العاصمة.

تتوفر بعض العناصر الإيجابية في ظروف عمل الإعلام في الأردن فيما يخص قضية الفقر بالذات، ومن ذلك اعتراف الخطاب الرسمي بقضية الفقر بشكل مبكر نسبيًا، وقد أجريت دراسات رسمية منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، وأقيمت أول مؤسسة لتقديم العون للفقراء في عام 1986. كما أن الجهات البحثية والإعلامية عمومًا تتعاطى بالأرقام والبيانات الرسمية وتعتمدها. وهناك مادة كبيرة في الإعلام الأردني عن الفقر، ولا تتردد وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة عن استخدام مفردة الفقر حتى في العناوين الرئيسية. ولا يُمنع الصحفي من الدخول إلى المواقع الفقيرة أو التي يعيش فيها الفقراء، وإجراء ما يريد من تحقيقات أو كتابة التقارير وإجراء المقابلات.

كذلك، يهتم السياسيون وأصحاب القرار والنواب والقيادات السياسية بما ينشر في الإعلام حول الفقر، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمجتمعات تخصهم، الأمر الذي قد يؤثر على القرارات والإجراءات المتوقعة. والجهات الرسمية ذات الصلة مثل وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة التنمية الاجتماعية ودائرة الإحصاءات العامة، توفر الكثيرَ من الوثائق والمعلومات الرسمية، إلى جانب ما توفره الجهات الدولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي اللذان ينشران الوثائق حتى في صيغتها الأولى قيد النقاش والأوراق الخلفية. وقد نشر جزء هام من البيانات والدراسات على شبكة الانترنت.

بالمقابل، لعل أهم الظروف السلبية لعمل الصحفي في موضوع الفقر، هي ظروف ذاتية أي تتصل بالمؤسسات الإعلامية ذاتها أو الصحفيين ذاتهم. فهذه المؤسسات ينقصها التخصص، ويجري التناقل بين الصحفيين المراسلين والمحررين بين الأقسام من دون مراعاة لخصوصية قضية الفقر.

إن كثيرًا من المواد المتعلقة بالفقر يكون مصدرها المحافظات، لا سيما وأن جغرافيا الفقر في الأردن تشير إلى تركزه في المناطق النائية، ويكلف مندوبو المحافظات بالمتابعة، ومن المعروف أن ظروف العمل في المحافظات هي الأصعب بين باقي الأقسام ولا يعطى مندوبو الصحف في المحافظات، ولا المواد التي يكتبوها، الاهتمام المناسب.

غير أن هناك ظروفًا سلبية أخرى تعيق العمل الصحفي عندما يتصل الأمر بقضية الفقر تتطلب حكمًا النقد وتوجيه الملاحظات، إذ تتحسس الجهات الرسمية من النقد والمتابعة، وتميل إلى أسلوب تعميم «بيان صحفي» صادر عنها، وتضغط باتجاه نشره كما هو، ولكن حصل في بعض الحالات أن جرى تعميم البيانات الصحفية على شكل إعلانات تروج للجهود والإنجازات المتحققة. وكما يحصل في كثير من المؤسسات، فإن الجهات الرسمية ذات الصلة بالفقر تحاول السيطرة على العمل الإعلامي. 

مشكلة المفاهيم

دائرة الإحصاءات العامة، وهي الجهة الأكثر اختصاصًا بحسابات الفقر ودراسته، فإن الفقر يعرّف بالآتي: «عدم القدرة على توفير الحد الأدنى من مستوى المعيشة المطلوب والمرغوب فيه اجتماعيًا، وهو حالة من الحرمان المادي التي تتجلى أحد مظاهرها في انخفاض استهلاك الغذاء كمًا ونوعًا، وتدني الحالة الصحية والمستوى التعليمي والوضع السكني والحرمان من امتلاك السلع المعمرة والأصول المادية الأخرى وفقدان الاحتياطي أو الضمان، لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة والكوارث والأزمات».

ويضيف التعريف: «والفقر في مفهومه العام، هو عدم مقدرة الشخص على توفير الدخل اللازم لتلبية الحاجات الأساسية (الغذاء، المأوى، الملبس، التعليم، الصحة، والنقل)، التي تمكنه من أداء عمله بصورة مقبولة».

وعلى بساطة سؤال «من هو الفقير؟»، إلا أنه متعدد الأجوبة، ويفترض أن تقدم الحكومات والمؤسسات تعريفات «وطنية» إلى جانب التعريفات التي تعتمدها أو تصيغها المؤسسات الدولية كمقاييس عامة على المستوى العالمي. وتتأثر التعريفات بطبيعة المواقف والاتجاهات السياسية والاجتماعية عند الدارسين أو الفاعلين في القضية. وفيما يلي التعريفات الرسمية لأبرز المفاهيم المتعلقة بالفقر:

خط الفقر المدقع (خط فقر الغذاء): مستوى الإنفاق اللازم للفرد لتأمين الحاجات الغذائية الأساسية التي تؤمن له السعرات الحرارية اللازمة لممارسة نشاطاته الاعتيادية اليومية وبقائه حيًا. 

خط الفقر المطلق: مستوى الإنفاق اللازم لتأمين حاجات الفرد الغذائية وغير الغذائية الأساسية التي تتعلق بالمسكن والملبس والصحة والتعليم والمواصلات. وتعتمد الخط المطلق الدول لأنها تنظر إلى توفير الحاجات التي تقدر أنها أساسية.

جيوب الفقر: بعد احتساب نسب الفقر المطلق (غذاء وغير غذاء) على مستوى الأقضية في المملكة (99 قضاءً)، اعتبر القضاء الذي تزيد نسبة الفقر فيه عن 25% جيب فقر.

الفقر النسبي: يأخذ بالاعتبار الدخل الوسيط، أي الفئة الأكثر تعدادًا من حيث مستوى الدخل. في الدول المتقدمة تكون الحسابات نسبية وينظر إلى الحد المقبول أو السائد اجتماعيًا، وعلى الصحفي أن ينتبه عند تعاطيه مع دراسات وإحصائيات قادمة من دول متنوعة في مستواها الاقتصادي.

الفقر العابر: مفهوم جديد بدأ استخدامه منذ أن أعلنه تقرير للبنك الدولي عن الأردن جاء فيه إن ما نسبته 18.6% من الأردنيين يقعون فوق خط الفقر من حيث الدخل لكنهم معرضون دومًا للهبوط تحته وأنهم يجربون الفقر لمدة ثلاثة شهور في السنة على الأقل. 

وقد انتشر واعتمد لفترة غير قصيرة مقياس دولي يعرف الفقير بأنه الشخص الذي يعيش بأقل من دولار في اليوم، وفي مرحلة لاحقة ارتفع الحد الأدنى هذا إلى دولار ونصف، ثم دولارين، ومن الواضح أن هذا التعريف البسيط لا تتعدى فوائده الحصول على مؤشرات عامة، بالنظر للاختلافات الكبيرة في القيمة الشرائية للدولار بين دولة وأخرى، حتى لو اقتصر الأمر على الدول الفقيرة فقط. 

في مرحلة لاحقة توسع خطاب الفقر في الأردن وصار يشمل بعض فئات مستخدمي القطاع العام، وخاصة مع وجود فئات من الموظفين لم يكن دخلها المالي يغطي خط الفقر. 

وفي الدول ذات الدخل المتوسط العالي والعالي، جرى التوسع في تعريف الفقر، فمنها من يعتبر الشخص فقيرًا «عندما تكون موارده أدنى بشكل ملحوظ مما هي في مجتمعه بما يحول بينه وبين أنماط الحياة العادية وبين الاندماج في الأنشطة والمسلكيات المتبعة بشكل معتاد».

مفاهيم رسمية غير ملزمة

محليًا، لا يلتزم الإعلام الرسمي والأهلي، كما لا يلتزم خطاب الحياة اليومية، حول موضوع الفقر بالمفاهيم الرسمية بشكل دقيق، وتطلق كلمة فقير أو فقراء على الأشخاص من دون التدقيق بخضوعهم لعناصر التعريف الرسمي، ويشترك في ذلك خطاب السلطة التشريعية (النواب والأعيان) وخطاب السياسيين وقادة الرأي في المعارضة والموالاة. حيث كثيرًا ما تستخدم كلمة «فقير» بالتلازم أو كمرادف لكلمة «شعبي»، كأن يقال «الأوساط الشعبية الفقيرة» أو «الأحياء الشعبية الفقيرة»، أو أن يجري التماثل بين الفقراء والعاطلين عن العمل، أو الموظفين الصغار ومن أصحاب الدخل المحدود.. إلخ. وهو ما يعني أن المفردات المستخدمة في الإعلام لا تخضع لاشتراطات المفهوم الرسمي.

هذا التناقض «المشروع إلى حد ما» بين دلالات المفردات على المستويين الشعبي والرسمي، يلقي وسوف يلقي بظلاله على محتوى النقاش. ولكن على الجهات الرسمية أن لا تدخل أو لا تساهم في الخلط والتشويش، حتى لو رأت أنه يخدمها على المستوى اليومي، كما على وسائل الإعلام المحترفة، من جهتها أن تبتعد عن ممارسات مضاعفة سوء الفهم، بل عليها أن تسهم بدورها في التجسير بين الطرفين. ببساطة أن تمارس دورها وفق معايير المهنة وأخلاقياتها.