القطاع غير المنظم والتسجيل في الضمان الاجتماعي

الجمعة 24 نيسان 2020
محلات مغلقة في أحد أسواق الزرقاء. تصوير أحمد سلامة.

منذ الأيام الأولى لدخول البلاد فيما صار يعرف بـ«أزمة كورونا»، انطلق نقاش أخذ يتّسع يومًا بعد يوم، حول ما يعرف بـ«العمل غير المنظم». وقد تعددت زوايا النظر إلى الموضوع؛ ففي البداية، تركّز النقاش حول ضرورة المعالجة الطارئة لمنتسبي هذا القطاع وتوفير الدخل المالي كتعويض لمن فقد مصدر دخله بسبب التعطيل العام بعد صدور أمر الدفاع رقم 1، لكن هذا النقاش تطور مؤخرًا، بعد القرار الذي سمح بعودة بعض القطاعات للعمل، إلى جدل حاد حول شرط التسجيل في الضمان الاجتماعي للمنشآت التي يسمح لها بمواصلة عملها.

قوبل هذا الشرط برفض واسع من قبل كثير من القطاعات، وهو ما دفع وزارة الصناعة والتجارة إلى مراجعته بعد أقل من 72 ساعة على صدوره، ليتحول شرط التسجيل هذا إلى نشر فرق للتوعية بضرورة التسجيل، ستعمل لأسبوع، وفق تصريحات مدير عام الضمان الاجتماعي الذي دافع عن شرط التسجيل.

من الواضح أن جزءً رئيسيًا من المشكلة الآنية قد حل مؤقتًا، وربما جاء ذلك في سياق مرونة نسبية ظهرت في أداء الحكومة خلال الأزمة، لا سيما وأن المسألة هنا لا تتصل بالجانب الصحيّ ولا تؤثر على أولويته، فالتسجيل في الضمان الاجتماعي ليست له دواعٍ صحية تتعلق بمواجهة وباء كورونا.

الواقع أن نقاش الأسابيع الماضية هذا، يشير بوضوح إلى حصول خلط في المفاهيم، وهو ما يقود احيانا إلى التباس في القرارات والخطوات العملية.

يستخدم مصطلح «الاقتصاد غير المنظم» كمرادف لمصطلحات أخرى منها الاقتصاد غير الرسمي، والاقتصاد الخفي أو السري، أو اقتصاد الظل أو الاقتصاد الرمادي، رغم الدلالات المختلفة لهذه المصطلحات، وذلك وفق دراسة مشتركة بين وزارة التخطيط والمجلس الاقتصادي والاجتماعي (الذي نفذ الدراسة) وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي والسفارة الإسبانية في عمان. هذه الدراسة التي صدرت بعنوان «دراسة بانورامية للاقتصاد غير الرسمي في الأردن» تعتبر الأبرز على المستوى الحكومي، إذ عُدّت في حينها إعلانا رسميًا عن الانتباه إلى هذا القطاع، وكانت النتيجة الأبرز التي خرجت بها أن العمل في القطاع غير الرسمي يشكل ما نسبته 44% من حجم العمالة الأردنية الكلية. (ولذلك بالطبع بناء على التعريف المعتمد لحساب هذا القطاع).

إعلاميًا، نالت الدراسة شهرة خاصةً بعد إعلان رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي (مُنَفّذ الدراسة) حينها الدكتور جواد العناني أن الحجم المالي للاقتصاد غير الرسمي يصل إلى 30 مليار دينارًا، واعتباره بالتالي مشكلة كبرى للاقتصاد، لأن هذا الاقتصاد غير الرسمي خارج حسابات الحكومة وهو «مخفي» عنها، ويضيع على الموازنة ما يزيد عن 500 مليون دينار من الضرائب. وقد عاد العناني للتأكيد على وجهة نظره تلك في سنوات لاحقة.

يعود ظهور مصطلح الاقتصاد «غير الرسمي» إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي، وقد دار النقاش في أوساط العلوم الإنسانية قبل أن يدخل عليه علم الاقتصاد. فقد صاغ المصطلح الأنثروبولوجي البريطاني كيث هارت[1] عام 1971 ليشير من خلاله إلى مصادر الدخل الذاتية في أوساط العاطلين عن العمل في المدن بشكل خاص. قسم هارت العمل غير الرسمي إلى صنفين: الأول مشروع أخلاقيًا واجتماعيًا ويشمل كل النشاطات التي تتجنب التسجيل ولا تخضع للمواصفات كالبيع المتجول، الحرف، العمل المنزلي وغير ذلك مما لا يمنعه أو يستنكره المجتمع، والثاني غير مشروع أخلاقيًا واجتماعيًا ويضم نشاطات التهريب والمخدرات والدعارة… إلخ.

في تلك السنوات بدأت الجهات الدولية وخاصة منظمة العمل الدولية تعنى بالمفهوم الجديد، وأخذت تنظر إليه باعتباره يشتمل على خيارات أو ممكنات تنموية، واقتصر الاهتمام -بالطبع- على النشاطات المشروعة اجتماعيًا. ثم اشتهر في تسعينات القرن الماضي تعريف هذا القطاع على أنه «أنشطة توليد الدخل صغيرة الحجم غير المسجلة قانونيًا ولا تخضع لمعايير الجودة القانونية أو الحد الأدنى للأجور والتأمينات وفي الغالب لا تدفع ضرائب».

في الأردن، تأخر كثيرًا الانتباه إلى المفهوم، واقتصر في البداية على دراسات متفرقة ذاتية هنا وهناك، إلى أن بدأت المنظمات الدولية تطرحه بقوة.

رأت الحكومة الأمر يسيرًا من الناحية التنفيذية، فهي الآن في ظل الأزمة ترى أنها أمام فرصتها لتنظيم العمل غير المنظم، ولكنها اكتشفت مباشرة أنها اختارت الزمن الخطأ.

كمبدأ عام، من حق أي جهة أن تصيغ تعريفًا إجرائيًا خاصًا بها وفق أهداف الدراسة أو المشروع العملي. لكن ما حصل على المستوى الرسمي الأردني يشير إلى أخطاء في فهم خصائص القطاع غير الرسمي سواء المشتركة مع باقي العالم، أم تلك الخاصة بالأردن. إن اعتماد عنصر التسجيل في الضمان الاجتماعي لقياس هذا القطاع قاد إلى خللين؛ أولهما أن هذا التعريف المحلي أقصى النشاطاتَ الرئيسية التي تشكل وفق التعريفات الدولية جوهر القطاع غير الرسمي، مع أنها موجودة في الأردن وتتسع سنة بعد أخرى، أي مجمل العمل المنتج لغايات التبادل الذي يجري في المنازل أو المواقع غير المفصح عنها، (مثل إنتاج المأكولات، أو الخياطة المنزلية، أو البيع في الشوارع على بسطات ثابتة أو متجولة أو جمع الخردة وإعادة التدوير، وخدمة المنازل وغيرها). الخلل الثاني تمثل في شمول فئات واسعة من العمالة الرسمية في المؤسسات المسجلة لدى الجهات الأخرى، باستثناء الضمان الاجتماعي، أي شمول عموم المنشآت الصغيرة التي تستخدم أقل من خمسة عمال يعملون في مواقع معلنة خاضعة لمراقبة البلديات وأمانة عمان والصحة، وتدفع رسومًا وتخضع لشروط الجهات ذات الصلة بالمهنة (مثل البقالات، ومحلات البيع بالتجزئة، وأصحاب وعمال كراجات السيارات، ومجمل أصحاب الحرف، وعمال البناء بل والعاملين في المنظمات غير الحكومية ومراكز الدراسات الصغيرة وغيرهم). 

لقد أخرج التعريف المعتمد غالبية نشاطات الاقتصاد غير الرسمي الحقيقي من الحسبان. من المفارقات مثلًا أن الدراسة الرسمية حول القطاع غير الرسمي المشار إليها أعلاه، تقدر أن نشاط إعادة التدوير في الأردن يخلو من النشاط غير الرسمي! بينما الواقع إن أبرز أعمال إعادة التدوير تقع في صلب القطاع غير الرسمي (جمع الخردة والبحث في الحاويات وفي مكبات النفايات). لقد نظرت الدراسة الحكومية إلى شركات إعادة التدوير الكبرى المسجلة كعمل رسمي وعندما رأت أنها مسجلة في الضمان الاجتماعي أخرجتها من حساباتها للقطاع غير الرسمي.

من المرجح أن اختيار معيار التسجيل في الضمان تقرر بسبب سهولته كأداة قياس، لكنه بعد صدور النتائج تحول إلى ميدان محفّز لفتح نقاش مالي، كما أشير سابقًا من خلال تصريحات الجهة التي أعدت الدراسة (المجلس الاقتصادي الاجتماعي). إن هذا المنهج أزاح المنظور التنموي، وأحل محله المنظور المالي والإداري في تناول القطاع. ولا يعني ذلك أن سعي الحكومة إلى ضرورة توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل مجمل المؤسسات والمنشآت العاملة هو سعي غير مشروع أو غير منطقي، بل على العكس تمامًا، إذ من حق السلطة أن تضبط كافة أشكال العمل الواقعة في نطاق سلطتها.

لقد رأت الحكومة الأمر يسيرًا من الناحية التنفيذية، فهي الآن في ظل الأزمة ترى أنها أمام فرصتها لتنظيم العمل غير المنظم، ولكنها اكتشفت مباشرة أنها اختارت الزمن الخطأ، وحسنًا أنها تراجعت عنه مؤقتا على الأقل، وحسنًا أيضًا أنها قررت مواصلة العمل لأجله في المستقبل. لقد أعلنت أنها ستشغل فرق للتوعية بضرورة التسجيل، لكن الحكومة تملك أيضًا في مرحلة ما بعد الأزمة الوسائل التي تمكنها من الضغط لأجل التسجيل، خاصة بعد أن تبين أن مؤسسة الضمان الاجتماعي شكلت الجهاز الأبرز في مواجهة تداعيات الأزمة الحالية. غير أنه يتعين على الحكومة الانتباه إلى أنها بكل الأحوال لم تعالج مسألة العمل غير المنظم، إذ لا يزال إلى الآن خارج حساباتها. 

عند هذه النقطة، وكمساهمة في نقاش محتمل ومفترض يمكن إيراد الملاحظات التالية؛ إن القطاع غير المنظم -أو أي من التسميات الأخرى- هو في الأصل، وفي أغلبه، ناتج عن خلل تنموي متواصل دفع بفئات عديدة خارج سوق العمل الرسمي بشقيه؛ الحكومي والخاص. وقد أصبح هذا القطاع مكونًا لازمًا من مكونات الاقتصاد في الدول النامية بنسب كبرى، وبشكل أقل في الدول المتطورة. 

لحسن الحظ أن التشريعات العاملة في الأردن تجبر أغلب النشاطات الصغيرة على التسجيل في الدوائر الرسمية ذات الصلة (البلديات، مؤسسات المجتمع المحلي، وزارة الصناعة والتجارة وباقي الجهات)، إلا أنه نظرًا للحداثة النسبية للضمان الاجتماعي (فكرة ومؤسسة) ولكون التسجيل فيه لا يزال اختياريًا في بعض القطاعات، فإن ذلك يجعل من هذا العنصر أضعف عناصر التسجيل عموما.

إن عموم الفئات في أدنى سلم التراتب الاجتماعي تعترف بالدولة ومؤسساتها، بمعنى أننا لا نعاني من وجود «معازل» اجتماعية خارجة عن نظر وسيطرة الدولة. هذا يسهل اتخاذ الإجراءات أو تعديلها عند الضرورة، على أن يكون الوقت مناسبًا.

غير أنه في ظروف الأزمات الاقتصادية المتواصلة، يتعين الانتباه إلى أن الانخراط في النشاط غير الرسمي أصبح مسارًا حتميًا عند كثير من الفئات التي لا تجد لنفسها مكانًا في القطاع الرسمي. لذا فإن افتراض إمكانية ضبط وتنظيم هذا القطاع مجرد وهم، إذ حتى لو افترضنا أن إمكانية تسجيل وتنظيم ما هو قائم من نشاطات غير رسمية، وهي العملية التي تعرف بـ«رسمنة القطاع غير الرسمي» (Formalizing the informal sector) سيعني هذا -على الفور- تقدم فئات جديدة لتشكيل قطاع غير رسمي جديد فهنا أيضًا يلعب العرض والطلب على قوة العمل دورًا رئيسيًا.

إن أقصى ما يمكن فعله، هو الاعتراف بالقطاع وتحقيق أقصى درجة ممكنة من الالتقاء معه في منتصف الطريق، وهو ما يتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة، وأخذ خصائص المجتمعات المحلية حيث ينتشر هذا القطاع بعين الاعتبار، فما يناسب المدينة يختلف عما يناسب القرية أو المخيم أو البادية؛ فالقطاع غير الرسمي يتخذ أشكالًا متنوعة تتناسب وحالة هذه المجتمعات.

أما على صعيد المصطلحات المستخدمة، وتلافيًا للدلالات السلبية لكلمات مثل «مخفي»، «سري»، «ظل»، «رمادي» وحتى «غير منظم»، فمن الضروري البحث عن مصطلح يحمل إشارات تدل على الحالة الواقعية. فإذا استثنينا النشاط غير المشروع من زوايا اجتماعية قيمية وأخلاقية، فإن اختيار تسمية مناسبة قد يسهم في التوصل إلى «تفاهم» ما، لا سيما وأن الدولة تفتقر إلى بدائل، أي فرص عمل حقيقية دائمة تستوعب الدخول الكثيف والمتزايد لسوق العمل. وقد يكون مصطلح «غير رسمي» أكثر المصطلحات حيادية، ومصطلح «التوظيف الذاتي» أكثرها ودية، بشرط أن نميز بين مستويات التوظيف الذاتي، فنحن هنا بصدد توظيف ذاتي أو عمل غير رسمي نشأ بدوافع ترتبط بالفقر وندرة فرص العمل.


1. راجع أحمد الطويق، رسالة ماجستير غير منشورة عن الحياة الداخلية للقطاع غير الرسمي، جامعة اليرموك، 1998.