المُتغير المنسي في مواجهة جائحة كورونا

الأحد 08 تشرين الثاني 2020
أشخاص يرتدون أقنعة الوجه كإجراء وقائي ضد كوفيد-19 في طوكيو، خلال آب 2020. تصوير فيليب فونغ. أ ف ب

نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة ذا أتلانتيك، بتاريخ 30 أيلول 2020. 

ثمة أمر غريب في جائحة فيروس كورونا هذه. حتى بعد مرور أشهر عديدة من الأبحاث المتواصلة من قبل المجتمع العلمي العالمي، تظلّ بعض الأسئلة دون إجابة. 

لماذا، على سبيل المثال، شهدنا عددًا هائلًا من الوفيات في شمال إيطاليا، بينما لم نشهد في بقية أنحاء البلد الأمر نفسه؟ ثلاث بؤر تفشٍ في شمال إيطاليا حصدت 25 ألف حالة وفاة من إجمالي عدد وفيات البلاد التي بلغت 36 ألفًا. ومنطقة واحدة فقط هي لومباردي سجّلت 17 ألف حالة وفاة. جميعها تقريبًا تركزت في الأشهر القليلة الأولى من تفشي الوباء. ما الذي حدث في غواياكيل في الإكوادور في أبريل الماضي، حين مات عدد كبير من الناس في وقت قصير أدى إلى تراكم الجثث على قارعة الطرق؟ لماذا، في ربيع عام 2020، كان عدد قليل من المدن مسرحًا للقسم الأكبر من الوفيات العالمية، بينما نجت مدن أخرى تحظى بنفس الكثافة والطقس والتوزيع العمري للسكان وأنماط السفر؟ ما الذي نتعلمه حقًا من تجربة السويد التي عدها البعض نجاحًا كبيرًا بسبب انخفاض عدد الحالات والوفيات في الوقت الذي تشهد فيه بقية أوروبا موجة ثانية، وعدّها آخرون مثالًا على الفشل الهائل بسبب عدم فرض الإغلاق الكامل والمعاناة من معدلات وفيات مرتفعة في المراحل الأولى من الوباء؟ لماذا لم تصدق التوقعات السائدة التي تنبأت بكارثة في اليابان؟ هذه الأمثلة وغيرها هي غيض من فيض أمثلة محيرة لا تنتهي فيما يتعلق بهذه الجائحة.

سمعت تفسيرات كثيرة لهذه المسارات المتباينة التي اتخذتها الجائحة خلال الأشهر التسعة الماضية، فقد ألقى البعض اللوم على الطقس أو نسبة كبار السن في المجتمع، كما ربطها آخرون بفيتامين د أو المناعة المسبقة أو مناعة القطيع، لكنها جميعًا عجزت عن تفسير توقيت وحجم هذه التباينات الهائلة. في المقابل، هناك تفسير محتمل غير مطروق قد يعين على فهم هذه الجائحة والإجابة على هذه الأسئلة، وقد يعيد خلط الأوراق في العديد من النقاشات الساخنة المحتدمة، والأهم أنه قد يساعدنا فعلًا في السيطرة على تفشي وباء فيروس كورونا المستجد. 

سمع كثيرون حتى الآن عن رقم R0 أو معدل التكاثر الأساسي للفيروس (Basic Reproduction Number)، وهو مؤشر تقاس به قدرة الفيروس على العدوى. لكن ما لم تكن منغمسًا في قراءة المجلات العلمية، فهناك احتمال ضئيل بأنك سمعت عن المقياس k وهو عامل تشتت الفيروس. تعريف «عامل التشتت» هذا معقد بعض الشيء، لكنه ببساطة يمثل طريقة لمعرفة شكل انتشار الفيروس، هل ينتشر بشكل منتظم وثابت أم في دفقات كبيرة، ينقل فيها شخص واحد العدوى لأشخاص كثر في وقت واحد. بعد تسعة أشهر من جمع البيانات والإحصاءات عن الوباء، نعرف أن هذا الفيروس مفرط التشتت، مما يعني أنه يميل للانتشار في بؤر، لكن هذه المعرفة لم تؤثر كثيرًا في طريقة تفكيرنا بالجائحة أو أساليبنا في الوقاية منها.

يقيس «معدل التكاثر الأساسي» (R0) الذي اشتهر مؤخرًا، مدى قدرة الفيروس على العدوى، أو متوسط عدد الأشخاص المتوقع إصابتهم بالفيروس بعد تعاملهم مع شخص مصاب. إذا نقل المصاب العدوى لثلاثة أشخاص يكون رقم R0 يساوي 3. شاع استخدام هذا الرقم باعتباره المؤشر الرئيسي الذي يمكننا من فهم كيفية تفشي الجائحة. وقدمت وسائل الإعلام الكثير من التقارير والعروض التي تشرحه. ونالت بعض الأفلام استحسانًا على دقتها العلمية لأن بعض شخصياتها شرحت رقم R0 المهم جدًا. وتعرض بعض المواقع تطورات المعدل وتغيراته بشكل آني، ويشار إلى ذلك كثيرًا بالمعدل R أو Rt، أي معدل الانتشار بعد إجراءات التدخل التي شرعنا فيها (كارتداء الناس للكمامات أو ممارستهم للتباعد الاجتماعي أو ارتفاع معدلات المناعة التي تمنع الفيروس من الانتقال بنفس المعدل الأصلي، وهذا هو الفرق بين الرقمين R و R0).

أشارت دراساتٌ كثيرة منذ بداية الجائحة إلى أن 10% إلى 20% من حالات الإصابة مسؤولة عن 80% إلى 90% من حالات انتقال العدوى، وأن كثيرًا من المصابين بالكاد ينقلونها إلى شخص آخر. 

لكن لسوء الحظ، لا تكون المعدلات مفيدة دائمًا في فهم انتشار ظاهرة ما، خاصةً إذا كان لها سلوك متباين تباينًا واسعًا كالذي نشهده في جائحة كورونا. إذا دخل جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي لأمازون، إلى حانة يرتادها 100 زبون عادي، سيزيد معدل الثروة في هذه الحانة فجأة إلى أكثر من مليار دولار. لكن إن دخلت أنا إلى هذه الحانة، لن يختلف معدل الثروة كثيرًا. من الجلي أن المعدل لا يفيدنا في فهم توزيع الثروة في تلك الحانة، أو كيفية تغيرها. في بعض الأحيان لا يكون المعدل وسيلة للفهم. في المقابل، إذا دخل الحانة شخص مصاب بفيروس كورونا، وإن كانت الحانة سيئة التهوية وصاخبة بحيث تدفع روادها للحديث بصوت عالٍ من مسافة قريبة، قد يصاب معظم الأشخاص في المكان بالفيروس. هذا نمط شهدناه مرارًا وتكرارًا منذ بداية الجائحة، وهو نمط لا يدلل عليه معدل R. هنا تبرز فائدة مؤشر التشتت K. 

في بعض وقائع تفشي فيروس كورونا المستجد، نقل شخص واحد العدوى لأكثر من 80% من المتواجدين في محيطه في غضون ساعات قليلة. لكن في بعض الحالات الأخرى، كان فيروس كورونا المستجد أقل تفشيًا بكثير. تناولت أبحاث كثيرة حول العالم حالات فرط التشتت أو التفشي المفرط لهذا الفيروس. ويميل عدد كبير من الدراسات إلى القول بأن معظم المصابين قد لا ينقلون العدوى حتى لشخص واحد آخر. توصلت دراسة صدرت مؤخرًا في هونغ كونغ، حللت بيانات الفحص المكثف وتتبع سلاسل الاتصال إلى أن 19% من الحالات مسؤولة عن 80% من انتقال العدوى، في حين لم ينقل 69% من المصابين العدوى لشخص آخر. نتائج هذه الدراسة ليست فردية أو نادرة: فقد أشارت دراساتٌ كثيرة منذ بداية الجائحة إلى أن 10% إلى 20% من حالات الإصابة مسؤولة عن 80% إلى 90% من حالات انتقال العدوى، وأن كثيرًا من المصابين بالكاد ينقلونها إلى شخص آخر. 

يخبرنا معدل الانتشار غير المتزن والمختل هذا أن تعرّض منطقة ما مبكرًا لوقائع تفشٍ مفرط أو بؤر تفشٍ قد ينتج عنه نتائج مأساوية تختلف عن أماكن ودول لها ظروف مشابهة. بحث العلماء حول العالم وقائع التسلل المبكرة للفيروس، والتي ينقل فيها شخص مصاب العدوى إلى بلد جديد، ووجدوا أنه في بعض الأماكن، لم تنتج عن هذه الحالات أيّ إصابات أو حالات وفاة، في حين خلقت حالات أخرى في أماكن أخرى بؤر تفشٍ مفرط. وباستخدام التحليل الجيني، فحص باحثون في نيوزيلندا أكثر من نصف حالات الإصابة المؤكدة في البلاد، واكتشفوا 277 حالة دخول مبكرة للفيروس في الأشهر الأولى من الجائحة، لكن 19% منها فقط نقلت العدوى إلى أكثر من شخص آخر. وأظهرت مراجعات صدرت حديثًا أن هذه النتائج تصدق أيضًا في الأماكن المكتظة بالسكان، مثل دور الرعاية، وأن انطلاق شرارة التفشي قد تتطلّب أكثر من حالة دخول مبدئية واحدة. في المقابل نقلت امرأة واحدة في دايجو في كوريا الجنوبية والملقبة بالمريض 31، العدوى إلى أكثر من 5000 شخص آخر في بؤرة تفشٍ نشأت في كنيسة ضخمة. 

في دراسة تلو الأخرى، نرى أن بؤر التفشي المفرط لفيروس كورونا المستجد تحدث معظمها تقريبًا في الأماكن سيئة التهوية والأماكن المغلقة المكتظة، مثل حفلات الزفاف وأماكن العبادة والحفلات الموسيقية وصالات التمارين الرياضية والجنائز والمطاعم وغيرها.

ومما لا يثير الدهشة أن فيروس سارز-كوف (SARS-CoV)، هو السلف السابق لفيروس سارز-كوف-2 (SARS-CoV-2)، والذي تسبب في وباء سارس عام 2003، كان أيضًا مفرط التشتت، فغالبية المصابين به لم ينقلوا العدوى لآخرين، لكنّ وقائع تفشٍ مفرط قليلة تسببت في معظم الإصابات. ويبدو أن فيروس «ميرس» (فيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط) هو قريب آخر من نفس عائلة الفيروسات مفرط التشتت أيضًا، لكنه لحسن الحظ لا ينتقل جيدًا بين البشر حتى الآن. 

مثل هذا السلوك، أي التحول من التفشي المفرط إلى انعدام العدوى هو ما يدلل عليه مؤشر التشتت K، وهو ما يحجبه عنا التركيز المتزايد على معدل التكاثر الأساسي R وحده. أخبرني صامويل سكاربينو، الأستاذ المساعد في علم الأوبئة والأنظمة المعقدة في جامعة نورث إيسترن، بأن هذا الأمر مثل تحديًا كبيرًا، خاصةً للأنظمة الصحية في المجتمعات الغربية، التي تعاطت مع الجائحة بمقاربتها مع الإنفلونزا، وذلك لسبب وجيه، وهو أن الإنفلونزا الوبائية تمثل تهديدًا حقيقيًا. لكن الإنفلونزا ليس لها نفس مستويات التفشي البؤري المفرط كما في حالة فيروس كورونا المستجد.

يمكننا النظر لأنماط التفشي باعتبارها إما ذات نزعة حتمية أو عشوائية: في الأوبئة السابقة كان مسار التفشي خطيًا ومتوقعًا، أما في هذه الجائحة، تلعب العشوائية دورًا أكبر بكثير، ويصعب فيها توقع مسارات التفشي، بل يستحيل أحيانًا. في الظواهر الحتمية الخطية ندرس ما حدث البارحة لنتمكن من التنبؤ بما قد يحدث غدًا. أما في الظواهر العشوائية، لا يسير الأمر على هذا النحو، فنفس المدخلات لا تنتج نفس المخرجات، وقد تنقلب الأمور سريعًا من وضع إلى آخر. أخبرني سكاربينو أن «أمراضًا مثل الإنفلونزا تسير في مسارات حتمية خطية يمنحنا فيها معدل R0 رغم عيوبه، صورةً جيدةً عن مسار العدوى (التي يستحيل إيقافها تقريبًا دون لقاح). لكن هذا الأمر لا ينطبق بالضرورة على الأمراض مفرطة التفشي». 

يعجّ المجتمع والطبيعة بمثل هذه الظواهر التي يقال إن بعضها يسير وفق مبدأ باريتو، الذي وضعه عالم الاجتماع فيلفريدو باريتو. ويسمى أحيانًا بمبدأ 80/20، ويقضي بأن 80% من المخرجات محلّ الدراسة، تنتج عن 20% من المدخلات (هذه النسب ليست حتميةً بالضرورة). يعني مبدأ باريتو أن عددًا قليلًا من الوقائع أو الأشخاص مسؤولون عن غالبية العواقب.

هذا أمرٌ مألوف لكلّ من عمل في قطاع الخدمات على سبيل المثال، حيث يخلق عدد قليل من العملاء من أصحاب المشاكل كلّ العمل الإضافي المطلوب. في مثل هذه الحالات فإن عزل هؤلاء العملاء عن سير العمل أو منحهم خصومات خاصة قد ينهي المشكلة، لكن إن كانت الشكاوى واسعة الانتشار، يستلزم حلّها تطبيق استراتيجيات مختلفة. وعلى نفس النحو فإن استخدام معدل التكاثر وحده أو تطبيق إرشادات التعامل مع وباء الإنفلونزا لن يقدم الحلول اللازمة للتعامل مع جائحة مفرطة التشتت. 

أخبرني هيتوشي أوشيتاني، عضو فريق عمل مكافحة فيروس كورونا في وزارة الصحة والعمل والرفاه في اليابان والأستاذ بجامعة توهوكو، أن اليابان ركزت مبكرًا على مواجهة تأثيرات التشتت المفرط، وشبّه نهج بلاده في هذا الصدد بالنظر إلى الغابة والبحث عن البؤر والتجمعات، بدلًا من النظر إلى الأشجار المنفردة. في المقابل يرى أوشيتاني بأن العالم الغربي فقد تركيزه بفعل الأشجار وضل سبيله بينها. 

بسبب التشتت المفرط لا تكون عملية تعقب وقائع المخالطة المحتملة ذات جدوى كبيرة، وبدلًا من ذلك، علينا أن نحاول العمل في الاتجاه المعاكس، ونعرف من نقل العدوى إلى هذا الشخص المصاب في المقام الأول. 

لمواجهة الأمراض مفرطة التفشي بكفاءة، على صناع القرار أن يكتشفوا أسباب حدوث أحداث التفشي المفرط، وعليهم أن يفهموا أثرها على كل أجزاء منظومة المكافحة ابتداء من كيفية تعقب سلاسل الاتصال وصولًا إلى أنظمة الفحص والاختبار. 

تتباين أسباب أحداث التفشي المفرط للأمراض المعدية المختلفة. فالحمى الصفراء تنتشر غالبًا بسبب بعوضة الزاعجة المصرية، لكن قبل اكتشاف دورها، حار العلماء في أنماط انتقالها. وساد لوقت طويل اعتقاد بأن مرض السل ينتشر بفعل قطرات الرذاذ قريبة المدى حتى أثبتت مجموعة كبيرة من الدراسات أنه ينتقل عبر الهواء. لا زلنا نجهل الكثير حتى الآن عن التفشي المفرط لفيروس SARS-CoV-2. قد يكون السبب أن بعض الناس «ناقلون فائقون» للعدوى، فينقلون عدواه أكثر من الأشخاص الآخرين. وعلى غرار الأوبئة الأخرى، تؤدي أنماط الاتصال دورًا بالتأكيد: فالكيفية التي ينقل بها سياسي في مؤتمر انتخابي أو طالب في نزل جامعي العدوى مختلفة كليًا عن شيخ عجوز يعيش في منزله وحيدًا. لكن بعد تسعة أشهر من تحليل البيانات عن الوباء، تجمعت لدينا بعض الدلائل المهمة. 

في دراسة تلو الأخرى، نرى أن بؤر التفشي المفرط لفيروس كورونا المستجد تحدث معظمها تقريبًا في الأماكن سيئة التهوية والأماكن المغلقة التي يحتشد فيها جمع غفير من الناس مثل حفلات الزفاف وأماكن العبادة والحفلات الموسيقية وصالات التمارين الرياضية والجنائز والمطاعم وغيرها، خاصةً حين يتحدث الناس فيما بينهم بصوت عالٍ أو يغنون دون كمّامات واقية. تنتج أحداث التفشي المفرط عن اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، ولا يتساوى خطر انتقال العدوى في كل مكان وكل نشاط، بحسب ما أخبرتني به موج سيفيك، المحاضرة في مجال الأمراض المعدية وطبيبة الأمراض الوبائية في جامعة سانت أندروز، والمشاركة في تأليف دراسة مطولة عن ظروف انتقال عدوى فيروس كورونا المستجد. 

تحدثت سيفيك عن عوامل من بينها «المخالطة المطوّلة، والتهوية السيئة، والأشخاص شديدو العدوى، والازدحام» باعتبارها العوامل الأساسية التي ينجم عنها وقائع التفشي المفرط. وقد تقع أحداث التفشي المفرط في الأماكن المغلقة حتى مع مسافة التباعد القياسية التي تبلغ مترين، لأن فيروس سارز-كوف-2 المسبب لمرض كوفيد-19 بإمكانه الانتقال عبر الهواء والتراكم خاصةً في الأماكن سيئة التهوية. ونظرًا لأن البعض ينقلون العدوى للآخرين قبل أن تظهر عليهم أعراض المرض، أو حين تكون الأعراض طفيفة للغاية أو حين لا تظهر عليهم الأعراض مطلقًا، من الصعب أن نعرف إن كنا أنفسنا شديدي العدوى. ولا نعرف حتى الآن إن كان هناك مزيد من العوامل التي تتسبب في أحداث التفشي المفرط. لكننا لسنا بحاجة لمعرفة كل العوامل اللازمة لإنتاج أحداث التفشي المفرط لنتجنب تلك الظروف التي تبدو أساسية في إنتاج معظمها مثل التجمعات خاصةً في الأماكن المغلقة سيئة التهوية، وخاصةً حين لا يرتدي الناس كمامات واقية. وكما أخبرتني ناتالي دين، عالمة الأحياء بجامعة فلوريدا، فإن أعداد الإصابات الكبيرة المرتبطة بهذه البؤر تجعل استهدافها وسيلة فعالة لخفض أعداد المصابين في العموم. 

ينبغي على نمط التشتت المفرط أن يوجّه جهودنا في تعقب سلاسل الاتصال كذلك. في الحقيقة، ربما علينا أن نقلب أساليبنا في التعقب رأسًا على عقب. اليوم تطبق كثير من الولايات والدول ما يسمى بتعقب وقائع المخالطة المحتملة. فما إن يجري التعرف على شخص مصاب، نحاول معرفة من كانوا على اتصال معهم حتى نحذرهم ونفحصهم ونعزلهم في الحجر الصحي. لكن هناك طريقة أخرى لتعقب سلاسل المخالطة. فبسبب التشتت المفرط لا تكون عملية تعقب وقائع المخالطة المحتملة ذات جدوى كبيرة، وبدلًا من ذلك، علينا أن نحاول العمل في الاتجاه المعاكس، ونعرف من نقل العدوى إلى هذا الشخص المصاب في المقام الأول. 

إذا استخدمنا التعقب العكسي لسلاسل المخالطة لنجد الشخص الذي نقل العدوى للمريض، ثم تعقبنا سلاسل مخالطة هذا المريض شديد العدوى، سنجد على الأرجح عدد إصابات أكثر من تعقب سلاسل مخالطة المريض ذاته.

وبسبب التشتت المفرط، ستنتقل العدوى إلى معظم المصابين من قبل شخص نقل العدوى إلى آخرين، لأن نسبة قليلة فقط من المصابين ينقلون العدوى إلى أكثر من شخص في وقت واحد، في حين لا ينقل معظمهم العدوى سوى لشخص واحد أو لا ينقلونها على الإطلاق. وكما شرح لي آدم كوشارسكي، عالم الأوبئة ومؤلف كتاب «قواعد العدوى» (The Rules of Contagion)، إذا استخدمنا التعقب العكسي لسلاسل المخالطة لنجد الشخص الذي نقل العدوى لمريضنا، ثم تعقبنا سلاسل مخالطة هذا المريض شديد العدوى، سنجد على الأرجح عدد إصابات أكثر من تعقب سلاسل مخالطة الشخص المصاب الأول، والذي لن يطلعنا سوى على احتمالات الاصابة، التي لن يحدث معظمها في كل الأحوال، لأن معظم سلاسل العدوى تموت من تلقاء نفسها. 

تكمن أهمية التعقب العكسي في أن التفشي المفرط يشبه ما أسماه عالم الاجتماع سكوت فيلد «معضلة الصداقة» (The Friendship Paradox): فأصدقاؤك في المتوسط سيكون لديهم أصدقاء أكثر منك. الأمر بديهي ما إن تنظر إليه من منظور مستوى الشبكة. الصداقات ليست موزعة بالتساوي. لدى بعض الناس أصدقاء كثر، وستتضمن دوائر صداقاتك على الأرجح بعض هذه الشخصيات الاجتماعية، فلا يمكنها أن تخلو منهم. وهؤلاء تجمعهم علاقة صداقة بك وبآخرين. وجود أصحاب النشاط الاجتماعي هؤلاء سيرفع معدل أصدقاء أصدقائك مقارنة بك أنت الشخص العادي. (بالطبع لا يصدق هذا الأمر بالنسبة لهؤلاء الأصدقاء النشطين اجتماعيًا، لكن التشتت المفرط يعني أن عددهم أقل من الأشخاص العاديين). وبالمثل فإن الشخص المعدي الذي ينقل المرض هو مثل الصديق النشط اجتماعيًا: عدد الأشخاص الذين يصيبونهم بالعدوى أكبر بكثير من معظم المصابين الآخرين، الذين لا ينقلون المرض سوى لقلة قليلة. وبالفعل، كما يبين كوشارسكي وزملاؤه رياضيًا، فإن التشتت المفرط يعني «أن التعقب الأمامي وحده يستطيع تحديد متوسط عدد الإصابات الثانوية (معدل التكاثر R)، في المقابل يرفع التعقب العكسي أقصى عدد يمكن تتبعه من الأشخاص بمقدار الضعف أو الثلاثة أضعاف، فالحالات المسجلة تنتج في معظمها عن بؤر تفشٍ، أكثر مما تكون نتاجًا عن إصابة هي نفسها ناتجة عن بؤرة تفش. 

حتى في جائحة مفرطة التشتت، قد يكون من المفيد إجراء عمليات تعقب أمامي (Forward Tracing) لمحاولة فحص وتحذير الناس، وذلك في حال امتلاكنا فائضًا من الموارد وإمكانيات الفحص. لكن ليس من المعقول أن نجري عمليات تعقب أمامي في الوقت الذي لا نخصص فيه ما يكفي من الموارد للتعقب العكسي (Backward Tracing) لإيجاد البؤر التي تُحدث معظم الضرر. 

إحدى التبعات المهمة الأخرى للتشتت المفرط هو أنه يسلط الضوء على أهمية أنواع معينة من الفحوصات السريعة الرخيصة. فكر في نموذج التعقب والفحص المهيمن حاليًا. تحاول الهيئات الصحية في كثير من الأماكن تعقب وإيجاد سلاسل المخالطة الأمامية للشخص المصاب، والوصول لكل شخص كان على اتصال معه منذ إصابته. ثم يفحصونهم جميعًا باستخدام فحص PCR المكلف والبطي والدقيق جدًا. لكنها ليست بالضرورة الطريقة الأفضل، حين تكون البؤر هي التي تلعب الدور الأكبر في نشر المرض لا السلاسل الخطية. 

يتعرف فحص PCR على دلائل الحمض النووي لفيروس كورونا في العينات المأخوذة من المسحات الأنفية. تقاس جودة هذه الاختبارات على أساس عاملين: هل هي جيدة في تحديد الأشخاص غير المصابين؟ (نوعية الاختبار)، وهل هي جيدة في التعرف على الأشخاص المصابين؟ (حساسية الاختبار). فحوصات PCR دقيقة جدًا في قياس كلا العاملين. لكنها بطيئة ومكلفة وتتطلب عملية طويلة ومزعجة لأخذ العينة من الأنف في منشأة صحية. بطء وقت الاختبار هذا يعني أن الناس لن يحصلوا على المعلومات التي يحتاجونها في أنسب وقت. والأسوأ من ذلك أنها حساسة إلى درجة أنها قد تلتقط أثر بقايا قليلة متبقية من فيروس كورونا حتى بعد تعافي المصاب، مما قد يضطره للدخول في حجر صحي غير ضروري. 

في المقابل، طور باحثون اختبارات سريعة ودقيقة جدًا في التعرف على الأشخاص غير المصابين لكنها ليست بنفس مستوى الحساسية في التعرف على الأشخاص المصابين، قد تساعدنا على احتواء هذه الجائحة. وكما أخبرني ديلان موريس باحث الدكتوراه في علم البيئة والبيولوجيا التطورية في جامعة بريستون، فإن الاختبارات الرخيصة قليلة الحساسية قد تساعدنا في تخفيف أضرار الجائحة حتى لو لم تكن مفرطة التشتت، لكن أهميتها تبرز في التعرف على البؤر في الأوبئة مفرطة التشتت. ستساعدنا هذه الاختبارات تحديدًا لأن بعضها يجرى عبر أخذ عينات مخاطية وباستخدام طرق أقل تعقيدًا ويمكن توزيعها وإجراؤها خارج المنشآت الصحية. 

الاختبارات الرخيصة قليلة الحساسية قد تساعدنا في تخفيف أضرار الجائحة حتى لو لم تكن مفرطة التشتت، لكن أهميتها تبرز في التعرف على البؤر في الأوبئة مفرطة التشتت.

في الأوبئة مفرطة التشتت يكون تحديد وقائع انتقال العدوى (مصاب ينقل العدوى لشخص آخر) أهم من تحديد الأشخاص المصابين. خذ على سبيل المثال شخصًا مصابًا كان على اتصال بعشرين شخصًا بعد إصابته. لنقل إننا فحصنا 10 منهم عن طريق الاختبار السريع والرخيص وظهرت نتائجه بعد ساعة أو ساعتين. هذه ليست طريقة مناسبة لتحديد من قد يكون مصابًا منهم، لأن الفحص قد يخفق في تحديد بعض الحالات الإيجابية. لكنه مع ذلك مناسب لتحقيق هدفنا، فإن ظهرت نتائج الجميع سلبية، سنتصرف كأن لا أحد منهم مصاب، لأن الاختبار جيد جدًا في اكتشاف النتائج السلبية. لكن إذا وجدنا عددًا كبيرًا من حالات العدوى سنعرف أن لدينا حدث تفشٍ مفرط، وبإمكاننا أن نخبر الأشخاص الـ20 أن نتائجهم إيجابية وعليهم عزل أنفسهم. إذا اكتشفنا حالةً أو حالتين من انتقال العدوى، سيعني ذلك وجود المزيد منها بسبب السلوك البؤري للفيروس. وبناءً على عوامل السن وعوامل أخرى، يمكننا فحص الناس بشكل فردي باستخدام اختبار PCR الذي يحدد المصاب تحديدًا، أو نطلب منهم جميعًا انتظار نتائجه. 

أخبرني سكاربينو أن التشتت المفرط يعزز من منافع طرق الفحص الأخرى مثل فحص مياه الصرف خاصةً في أماكن السكن الجماعية مثل النزل الطلابية ودور الرعاية، ما يسمح باكتشاف بؤر التفشي دون فحص أي أحد. فحص مياه الصرف يتميز بحساسية منخفضة لأنه قد يفوت بعض حالات الإصابة إن كانت قليلة، لكنه مفيد في المسح الإجمالي للأماكن السكنية. إن لم يؤشر فحص مياه الصرف إلى وجود حالات إصابة، فلن نكون بحاجة لفحص الجميع لإيجاد كل حالة يحتمل إصابتها. لكن ظهور علامات على وجود بؤرة، يمكّننا من أن نعزل الجميع بسرعة بينما ننتظر نتائج فحص PCR، وذلك بحسب ما يتطلبه الموقف. 

لكن لسوء الحظ، علق مصير كثير من هذه الاختبارات السريعة والرخيصة في أروقة الهيئات الرقابية والتنظيمية في الولايات المتحدة، وذلك بسبب المخاوف من افتقارها النسبي للدقة في تحديد الحالات الإيجابية مقارنة باختبارات PCR. وهي مخاوف فوتت علينا الاستفادة من منافعها في مواجهة هذا الفيروس مفرط التشتت ذي السلوك البؤري. 

بالعودة إلى الألغاز العديدة التي أحاطت بهذه الجائحة، دعونا نسأل: ما الذي حدث في المراحل المبكرة لتفترق في كل هذه المسارات المتباينة في أماكن يفترض أنها متشابهة؟ لماذا لم تسعفنا أدواتنا التحليلية المعتادة، مثل دراسات الحالة والمقارنات بين الدول في الوصول لفهم أفضل للجائحة؟ لعل ذلك يكون بسبب التشتت المفرط للفيروس وطبيعته العشوائية، إذ لا يعدو الأمر كون أسوأ المناطق تضررًا، كانت قد تعرضت لسوء حظها في المراحل المبكرة من الوباء لوقائع تفش مفرط. لم يكن الأمر مجرد صدفة كذلك، فعوامل مثل كثافة السكان وشريحة كبار السن فيها والأماكن المكتظة، جعلت المدن حول العالم أكثر عرضة لتفشي بؤر الوباء من المناطق الريفية التي تحظى بكثافة أقل، أو المناطق التي يمثل فيها الشباب نسبةً أعلى من السكان، أو الدول التي يتمتع سكانها بصحة أفضل. لكن لماذا أصاب الوباء دايجو في كوريا الجنوبية في شباط ولم يصب سيول العاصمة، رغم أنهما مدينتان في نفس البلد، تخضعان لنفس الحكومة ويعيش فيهما نفس السكان، وتسود فيهما نفس الظروف الجوية، وتجمع بينهما الكثير من التشابهات؟ الإجابة باختصار هي أن البؤرة ظهرت في دايجو لأن الصدفة قضت بأن تتواجد فيها المريضة 31 والكنيسة.

تُصعّب علينا طبيعة التشتت المفرط للفيروس فهم الدروس المستخلصة من التجارب المختلفة حول العالم، لأنها تخالف طريقة تفكيرنا إزاء فكرة السبب والنتيجة. يعني ذلك أن الأحداث التي ينتج عنها تفشي الفيروس أو عدم تفشيه ليست متساوية في قدرتها على زيادة وعينا بشأن الجائحة. خذ على سبيل المثال الحالة التي سلطت عليها الأضواء كثيرًا في سبرينغفيلد بولاية ميزوري الأمريكية، والتي استمر فيها مصففا شعر مصابان بعدوى كورونا المستجد بالعمل مع الزبائن وهما يرتديان الكمامات الواقية. تبين لاحقًا أن العدوى لم تنتقل إلى أي من الزبائن الذي تعرضوا لهم خلال هذه الفترة، والذين بلغ عددهم 139 زبونًا (67 منهم ظهرت نتائج فحوصاتهم سلبية، والبقية لم يبلغ أي منهم عن شعوره بأعراض). في حين تشير كثير من الأدلة إلى أن الكمامات الواقية تلعب دورًا حاسمًا في تقليل انتقال العدوى، إلا أن هذا الحدث وحده لن ينبئنا بمدى فعالية الكمامات الواقية. في المقابل، فإن استخدام هذه الحالة النادرة في دراسة أنماط انتقال العدوى يطلعنا على الكثير. لو أن هذين المصففين نقلا العدوى إلى عدد كبيرة من الناس رغم ارتدائهما الكمامات، لكان ذلك دليلًا مهمًا على أن الكمامات الواقية ليست مفيدة في درء أحداث التفشي المفرط. 

كما أن المقارنات تمنحنا أيضًا معلومات مقارنة بالظواهر التي ترتبط فيها المدخلات بالمخرجات ارتباطًا أوثق. لو كان الأمر كذلك، لكان بإمكاننا أن نقيس حضور عامل ما (مثل أشعة الشمس أو فيتامين د) لنرى مدى ارتباطه بالنتيجة (معدل الإصابات). لكن الأمر مختلف حين تكون النتائج متباينة تباينًا كبيرًا لا يعتمد سوى على المصادفة، كحضور الشخص الخطأ في المكان الخطأ في منتصف شباط في كوريا الجنوبية. وهذا هو السبب الذي جعل المقارنة بين الدول تفشل في تحديد العوامل والروابط التي تشرح تباين مسارات الجائحة باختلاف الأماكن.

لاحظت اليابان طبيعة التشتت المفرط للفيروس مبكرًا في شباط، وعلى أساسها وضعت استراتيجية تركز في معظمها على اكتشاف البؤر ومحاولة منعها خلق بؤر جديدة.

حين نأخذ بالاعتبار دور التفشي المفرط باعتباره مفتاحًا رئيسيًا لفهم الجائحة، سنعيد تفكيرنا بشأن الدول التي بدت أقل تشددًا في بعض إجراءاتها المتعلقة بمواجهة الجائحة، وقد نشعر بسخافة نقاشاتنا المحتدمة شديدة الاستقطاب حول الأمر. لنأخذ السويد على سبيل المثال، والتي يشار إليها بالبنان باعتبارها مثالًا للنجاح الكبير للبعض، أو الفشل الذريع في نظر آخرين، لاستراتيجية مناعة القطيع وعدم فرض إغلاقات عامة في البلاد، إذ تختلف الإجابة بحسب من توجه إليه السؤال. في الحقيقة، رغم أن السويد تعد من زمرة الدول التي فشلت في حماية سكانها الأكبر سنًا في دور الإيواء، إلا أن إجراءاتها لدرء أحداث التفشي المفرط كانت أكثر صرامة من كثير من الدول الأوروبية الأخرى. فرغم أنها لم تفرض الإغلاق التام في البلاد، إلا أنها فرضت حدًا على التجمعات في الأماكن المغلقة في آذار، عبر حظر التجمعات التي تزيد عن 50 شخصًا، ولم ترفع هذا القيد في مراحل لاحقة، حين كانت دول أوروبية أخرى تخفف القيود عن سكانها بعد تلاشي الموجة الأولى (نرى عودة هذه القيود على حجم التجمعات بعد ارتفاع معدلات الإصابة مجددًا). بالإضافة إلى أن السويد تتميز بانخفاض متوسط عدد أفراد الأسرة، وبعدد أقل من الأسر الممتدة، مقارنةً بمعظم الدول الأوروبية الأخرى، وهو ما ساعدها على الحدّ من انتقال العدوى وتقليل احتمالات ظهور بؤر التفشي الكبيرة. كما لم تغلق السويد المدارس، وأبقتها مفتوحة دون فرض ارتداء كمامات أو قواعد التباعد الاجتماعي، إلا أن هذا الأمر لم يشمل سوى من هم دون سن 16 عامًا، الذي تقل احتمالية تحولهم إلى ناقلين فائقين للعدوى. فكلما صغر سن المرء قلت معه احتمالات المرض وقدرته على نقل العدوى. في المقابل، تحولت السويد إلى التعليم عبر الإنترنت بالكامل في المراحل العليا من التعليم الأساسي وفي الجامعات، على النقيض مما فعلته الولايات المتحدة. وحثت الحكومة كذلك مواطنيها على التباعد الاجتماعي وأغلقت الأماكن التي لم تتقيد بهذه القواعد. لذا، من منظور التشتت المفرط وأحداث التفشي المفرط، لا تعد السويد ضمن الدول الأكثر تراخيًا، كما لا تعد كذلك ضمن الدول الأكثر حزمًا. والواقع أنها لا تستحق أن تشغل هذا الحيز في نقاشاتنا حول الاستراتيجيات المختلفة لمواجهة الوباء. 

ورغم أن التشتت المفرط يعقّد مسألة استخدام الوسائل المعتادة في دراسة الارتباطات العشوائية، إلا أن بإمكاننا دراسة تجارب الفشل لتحديد الملابسات والظروف التي من شأنها تحويل الحظ السيء إلى كارثة كبرى. وبإمكاننا كذلك دراسة تجارب النجاح المستدام، لأن الحظ السيء قد يصيب الجميع في نهاية المطاف، لكن طريقة الاستجابة له هي الأهم. 

لعل أكثر حالات الدراسة فائدة في هذا السياق هي تلك الدول التي واجهت حظًا سيئًا في البداية مثل كوريا الجنوبية، ومع ذلك تمكنت من ضبط أعداد الإصابات واحتواء الجائحة. بالمقابل أثنى كثيرون على أوروبا التي تمكنت بعض مدنها خلال فترة وجيزة من رفع القيود المتعلقة بالإغلاقات العامة وإعادة الحياة إلى شكلها الطبيعي، لكنها كانت خطوة متسرعة كما ثبت، إذ شهدت دول كثيرة منها صعودًا كبيرًا في أعداد الإصابات مؤخرًا، على نحو قريب مما يحدث في الولايات المتحدة. في الحقيقة يمثل تحقيق أوروبا قدرًا من النجاح في هذا الصيف وتخفيفها للقيود وإعادة السماح بعقد الفعاليات في الأماكن المغلقة بأعداد كبيرة درسًا مهمًا في كيفية إدارة مواجهة فيروس معدٍ مفرط التشتت، فعلى خلاف الأوبئة ذات الأنماط الثابتة، فإن النجاح في مواجهة الأوبئة البؤرية العشوائية قد يكون أكثر هشاشةً مما هو متوقع. 

ما إن يعجّ بلد ما ببؤر التفشي، حتى يتحول الوباء إلى طور يمكن أن نطلق عليه اسم «وضعية الإنفلونزا» (flu mode) على حد وصف سكاربينو، بمعنى أنه يصل إلى مستويات ثابتة من التفشي المجتمعي بالرغم من أن غالبية المصابين لا ينقلون العدوى. يرى سكاربينو أنه دون إجراءات صارمة ومشددة للغاية في تلك المرحلة، سينتشر الفيروس بفعل عدد سلاسل الانتشار التي نشأت في البلد نفسه. بالإضافة إلى أن العدد الكبير من المصابين قد يؤدي في النهاية إلى ظهور بؤر تفشٍ جديدة، مما قد يزيد الوضع الوبائي سوءًا.

وكما يصف كوشارسكي الأمر، فإن الفترة الهادئة نسبيًا على الصعيد الوبائي، قد تحجب عن الأنظار احتمالات الظهور السريع لمجموعة من بؤر التفشي المفرط، والكيفية التي تحوّل فيها سلسلة من أحداث التفشي السريع الموقف الذي يبدو كأنه تحت السيطرة إلى كارثة خارجة عن السيطرة. قيل لنا مرارًا إن معدل التكاثر الآني (Rt) حين تبلغ قيمته أكثر من الواحد الصحيح فإن ذلك يعني أن الوباء يزداد انتشارًا، وحين تقل عن واحد فيعني ذلك أن الوباء يتلاشى. قد يصح هذا الوصف بالنسبة لوباء خطي ليس مفرط التشتت. ورغم أن بقاء معدل التكاثر دون الواحد الصحيح مؤشر جيد، فإنه لا يجدر بالسلطات التراخي استنادًا إلى هذا الرقم، وذلك لأن عددًا ولو محدودًا من وقائع التفشي المفرط قد يكون كفيلًا برفع معدل الإصابات سريعًا، ودعونا لا ننسى مثال «المريضة 31» في كوريا الجنوبية. 

في المقابل، قد يمثل التشتت المفرط سببًا للتفاؤل كذلك، كما يبين لنا مثال كوريا الجنوبية التي اتبعت نظامًا صارمًا وفعالًا في الفحص والتعقب والعزل في استجابتها للتفشي الذي حصل. ومنذ ذلك الحين ظلّت السلطات المعنية في كوريا الجنوبية يقظة على الدوام، وأظهرت أهمية التعقب العكسي (backward tracing). فحين ظهرت مجموعة من البؤر المرتبطة بالنوادي الليلية في جنوب العاصمة الكورية سول، تعقبت السلطات الصحية عشرات الآلاف من الأشخاص ذوي الصلة بهذه النوادي، سواء أكانوا مخالطين لمصابين أو لم يكونوا، وهي استجابة وجيهة وفعّالة، نظرًا لمعرفتنا الحالية بأن الفيروس المعدي ينتقل أيضًا عبر الهواء. 

إن الدول التي تجاهلت وقائع التفشي المفرط، وقعت في مصيبتين معًا، إذ رزحت تحت عبء الإجراءات المشدّدة وآثارها، كما فشلت في تحقيق الاحتواء المطلوب للوباء. 

ولعل أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام هي اليابان، الدولة التي كانت محظوظة إلى حد ما، حيث بدأ فيها الوباء مبكرًا، لكنها اتبعت نموذجًا غير تقليدي في مواجهته. فلم تلجأ اليابان إلى الفحوصات المكثفة أو الإغلاقات التامة في أي مرحلة من مراحل التعامل مع الوباء. وفي نهاية آذار، بدأ اقتصاديون مؤثرون في نشر تقارير وتحذيرات شديدة بأن استمرار الوضع الوبائي على ما هو عليه سيؤدي إلى إنهاك النظام الصحي وارتفاع عدد الوفيات بشكل كبير. لكن الكارثة لم تقع بخلاف كل التوقعات. وصحيح أن البلد واجه موجات من التفشي في وقت لاحق، إلا أنه لم يسجّل ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الوفيات، رغم ارتفاع معدلات الشيخوخة بين سكانه، واعتمادهم المكثف على المواصلات العامة، والكثافة السكانية العالية في المدن، وعدم فرض السلطات أي إغلاقات عامة. 

ليس السبب في ذلك أن اليابان كانت أكثر استعدادًا من الولايات المتحدة. فقد أخبرني أوشيتاني أن اليابان على غرار الولايات المتحدة وأوروبا، لم تمتلك في البداية الإمكانيات اللازمة لإجراء فحوصات PCR على نحو مكثف. ولم يكن بإمكانها فرض إغلاق كامل أو حظر تجول يفرض على الناس البقاء في بيوتهم، لأن هذا الأمر غير ممكن قانونًا في اليابان، حتى لو رغبت السلطات بذلك. 

أخبرني أوشيتاني أن اليابان لاحظت طبيعة التشتت المفرط للفيروس مبكرًا في شباط، وعلى أساسها وضعت استراتيجية تركز في معظمها على اكتشاف البؤر ومحاولة منعها خلق بؤر جديدة. يعتقد أوشيتاني أن «سلاسل انتقال العدوى لا يمكنها الاستمرار دون وجود سلسلة من بؤر التفشي أو بؤرة تفشٍ كبرى». ولهذا اتبعت اليابان نهجًا يقوم على التعقب النشط للبؤر، يشمل القيام بعمليات تعقب عكسي مكثفة للكشف عن بؤر التفشي. وركزت اليابان كذلك على إجراءات التهوية في الأماكن المغلقة، ونصحت مواطنيها بتجنب التجمعات البشرية في الأماكن المغلقة ضمن مسافات متقاربة، خاصةً إذا كان فيها أحاديث أو غناء، وجمعت في نهجها المعرفة بطبيعة التشتت المفرط للفيروس، ومعرفة أنه ينتشر عبر قطرات الرذاذ المحمولة جوًا، وكذلك معرفة حالات انتقال العدوى قبل ظهور الأعراض وحالات العدوى دون أعراض. 

يقارن أوشيتاني بين الاستراتيجية اليابانية التي أدركت مبكرًا كل الخصائص المهمة للوباء، بالاستجابة الغربية التي تحاول القضاء على سلاسل الإصابات واحدة تلو الأخرى، رغم أنها قد لا تكون الطريقة الأساسية لانتقال العدوى. بالفعل أثبتت اليابان نجاعة طريقتها، لكنها ظلت يقظة وحذرة، فحين لاحظت الحكومة ارتفاع أعداد الإصابات المجتمعية، أعلنت حالة طوارئ في نيسان، وبذلت جهدها لتحفيز الأعمال التي قد تشعل بؤر تفشٍ مفرط بطبيعتها، مثل المسارح والحفلات الموسيقية والملاعب الرياضية، على الإغلاق مؤقتًا. والآن عادت المدارس للعمل مجددًا وحتى الملاعب الرياضة فتحت أبوابها مجددًا للمشجعين، لكن دون هتافات. 

ليست صرامة القواعد هي العامل المهم دائمًا، بل مدى قدرتها على استهداف منبع الخطر. وكما يقول موريس «فإن التزام اليابان بتعقب البؤر» سمح لها بكبح تفشي الوباء بشكل مثير للإعجاب عن طريق مجموعة قيود منتقاة بعناية. أما الدول التي تجاهلت وقائع التفشي المفرط، فقد وقعت في مصيبتين معًا، إذ رزحت تحت عبء الإجراءات المشدّدة وآثارها، كما فشلت في تحقيق الاحتواء المطلوب للوباء. 

هل يمكننا العودة إلى حياة أقرب إلى الوضع الطبيعي عبر التركيز على الحدّ من الظروف التي قد تنتج وقائع تفشٍ مفرط، والانخراط بشكل فاعل في عمليات تعقب البؤر واستخدام أساليب الفحص الرخيصة والسريعة لفحص العامة، فور انخفاض أعداد الإصابات عن حد معين يسمح لنا بتطبيق هذه الاستراتيجية؟ (علمًا أنه يمكن لكثير من الأماكن التي تنخفض فيها معدلات التفشي المجتمعي البدء بهذه الإجراءات فورًا). لو بدأنا البحث عن تجمعات الأشجار والأحراش واكتشافها فسيصبح طريق خروجنا من الغابة أسهل بكثير.