الوباء كاستعارة

الأحد 31 أيار 2020
امرأتان تعبران قرب نقطة للجيش في العاصمة الماليزية كوالالمبور، 6 أيار 2020. تصوير محمد رسفان، أ ف ب.

يشكّل المرض بصفة عامّة مجالًا خصبًا لبناء سرديّات متنوّعة ومتباينة حوله، فالمرض «نصّ اجتماعيّ»، كما يقول الكاتب الأمريكيّ ديفيد موريس،[1] وكأيّ نصّ، يقول موريس أيضًا، فإنّه قابلٌ لقراءات متنوّعة وتأويلات مختلفة، ويتشكّل، ضمن عوامل أخرى، ممّا نجلبه إليه من خبرات وتفسيرات.

وفي أوقات استثنائيّة كالتي نعيشها هذه الأيام، ومنذ أن استحال الوباء الفيروسيّ الذي بدأ في الظهور نهاية العام الماضي جائحةً تهدّد العالم بأسره، تتواتر تقارير ودراسات وسرديّات متنوّعة، ومتضاربة أحيانًا، حول فيروس كورونا المستجدّ وماهيّته وأسبابه، كما تتشكّل في أذهان الأفراد والشعوب حول العالم تصوّرات وتمثّلات عديدة للمرض الجديد إذ ننخرط جميعًا، بصورة أو بأخرى، في محاولة إيجاد معنىً لما يحدث واستيعاب تطوّراته المتلاحقة. وفي القلب من هذا كلّه، ثمّة دور كبير للصور المجازيّة وللاستعارة في فهم ما يجري في العالم من ناحية، وفي التعبير عن المعاني والدلالات التي تكتنف هذا الحدث غير المسبوق ربما، على الأقلّ لأجيال كثيرة لم تعايش أمرًا مشابهًا من قبل

الاستعارة واللغة والتفكير

في دراسة مثيرة صدرت في العام 2011، أجرى بول تيبيدو وليرا بوروديتسكي[2] سلسلة من خمس تجارب بهدف استكشاف تأثير الاستعارة على التفكير في مشكلات معقّدة. في التجربة الأولى، أُعطِيَت المشاركات والمشاركون فيها أحد تقريرين حول ازدياد معدّلات الجريمة في مدينة أديسون المتُخيَّلة، وطُلِب منهم/نّ قراءة التقرير وتقديم مقترحات لحلّ المشكلة. اختلف التقريران المعنيّان في الاستعارة المستخدمة في كلّ منهما لوصف المشكلة، حيث وُصفت الجريمة في أحد التقريرين بـ«وحش يفترس المدينة»، وفي الآخر بـ«فيروس يصيبها بالعدوى»، لكنّ التقريرين احتويا في بقيّتمها على إحصاءات متطابقة حول الجرائم في المدينة المعنيّة.

أظهرت نتائج الدراسة أنّ الاستعارات المستخدمة أثّرت بشكل منهجيّ على الحلول المقترحة بشأن المشكلة، ففي حالة استعارة الجريمة كوحش، اقترحت المشاركات والمشاركون في التجربة حلولًا تعتمد بصورة رئيسة على إنفاذ القانون، بالقبض على المجرمين ومعاقبتهم، وبناء المزيد من السجون، وسنّ قوانين أكثر صرامة لمكافحة الجريمة، بينما في حالة وصف الجريمة باعتبارها فيروس، ارتكزت الاقتراحات على الإصلاح الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وتقصّي أسباب الجريمة، و«تحصين» المجتمع باتّخاذ إجراءات من بينها تطوير التعليم والقضاء على الفقر.

انبنت بقيّة التجارب في دراسة تيبيدو وبوروديتسكي على تنويعات مختلفة على التجربة الأولى لكنّها اتفقت في الهدف الرئيس منها وفي نتائجها حيث أثبتت التأثير الكبير للاستعارة، حتّى في أبسط تمثّلاتها، على التفكير والاستدلال وبناء التصوّرات حول قضايا اجتماعية معقّدة، كما أثبتت الدراسة أنّ تأثير الاستعارة على التفكير ضمنيّ وغير محسوس، فحين سُئلت المشاركات والمشاركين في التجارب عمّا كان له الأثر الأكبر في اقتراح الحلول بشأن المشكلة المعنيّة، أشار معظمهم إلى الإحصاءات التي قُدّمت في التقارير، دون التفات لأثر الاستعارات التي وُظّفت لوصف المشكلة، وذلك على الرغم من تطابق هذه الإحصاءات في كلّ التقارير التي اعتمدت عليها الدراسة.

تنطلق دراسة تيبيدو وبوروديتسكي، وأبحاث تجريبيّة أخرى، من الأطروحات اللافتة التي قدّمها جورج ليكوف ومارك جونسون منذ أربعين عامًا في كتابهما الشهير «استعارات نحيا بها»[3] إذ جادلا أنّ الاستعارة جزءٌ أصيل من حياتنا اليوميّة، وليست، بخلاف ما يُعتقد، حكرًا على لغة الشعر والأدب. وبحسب ليكوف وجونسون، لا تشيع الاستعارة في لغتنا اليوميّة الاعتياديّة فحسب، بل تؤسّس أيضًا، وبشكل كبير وجوهريّ، لتفكيرنا وأفعالنا اليوميّة.

أحد الأمثلة التوضيحيّة التي يسوقها الكاتبان هي استعارة «الجدال حرب» وما ينبني عليها من مجموعة تعبيرات استعاريّة متّصلة بها. فنحن، على سبيل المثال، قد «نكسب» أو «نخسر» الجدال مع أحدهم، وأحيانًا لا يمكننا «الدفاع» عن حججنا، ونفكّر في «استراتيجيّات» لـ«مهاجمة» من نجادل، وربّما «تصيب» الانتقادات التي «تُوجَّه» لحججنا «هدفها» تمامًا، وهكذا. لكنّنا، وفق ليكوف وجونسون، اللذين يُعرِّفان جوهر الاستعارة على أنّه «فهم ومعايشة أحد الأشياء عبر شيء آخر»،[4] لا نفهم الجدال عبر مفهوم الحرب فحسب، بل نتعامل معه على اعتباره كذلك، أي على أنّه «حرب كلاميّة»، إذ أنّ الأنساق الفكريّة التي تبنيها الاستعارة المعنيّة تؤطّر، ولو بصورة جزئيّة، ما نفعله حين ننخرط في الجدال، فنحن نتعامل فعليًّا مع من نجادل كخصم، ونهاجم حجج الخصوم، ونخطّط لاستراجيّات الهجوم، إلخ، وبالمثل تشكّل كلّ الاستعارات اليوميّة فَهمنا وتصوّراتنا وطرق تعاملنا مع المفاهيم المجرّدة إذ نقاربها عبر التناظر مع أشياء أخرى.

هل نحن في حرب مع عدوٍّ خفيّ؟

من أكثر الاستعارات شيوعًا لوصف وباء كورونا منذ بدئه، خاصًّة في الخطاب السياسي، استعارة الحرب. في كلمة متلفزة في منتصف آذار الماضي، مثلًا، كرّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قوله «نحن في حرب صحيّة خطيرة»، وفي حديثه لموقع «يورونيوز» أواخر آذار الماضي، قال وزير الخارجيّة الإيطاليّ، لويجي دي مايو، إنّ «إيطاليا في حالة حرب حاليًا مع عدوّ غير مرئيّ هو الفيروس». أمّا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فقد أعلن أكثر من مرّة أنّه في هذه الآونة «رئيسٌ في زمن الحرب»، كما قال في موجزه الصحفيّ حول فيروس كورونا في منتصف نيسان الماضي: «إنّ المجتمع الأمريكيّ كلّه منشغلٌ ومُعبَّأٌ في الحرب ضدّ العدوّ غير المرئيّ. وبينما يتوجّب علينا أن نبقى يقظين، من الواضح أنّ استراتيجيّتنا الشرسة تنجح»، وجاء في كلمة ترامب أيضًا قوله إنّ «المعركة مستمرّة». واستدعاءً لصورة الوباء كحرب أيضًا، دعا الرئيس التونسي، قيس سعيّد، إلى إعادة النظر في القانون الجزائيّ في بلاده واعتبار من يحتكر المواد الغذائيّة في ظل الجائحة «مجرم حرب».

من أكثر الاستعارات شيوعًا لوصف وباء كورونا منذ بدئه، خاصًّة في الخطاب السياسي، استعارة الحرب.

وفي امتداد للاستعارات العسكريّة لجائحة كورونا، شاع وصف الطواقم الطبيّة في عدّة دول بـ«الجنود» و«المقاتلين» و«الأبطال»، وباتوا يُعرفون في بعض الدول، كمصر وتونس، بـ«الجيش الأبيض»، كما باتوا يوصفون في وسائل إعلاميّة عديدة عبر العالم بـ«خطوط الدفاع الأماميّة» و«درع الحماية» ضدّ فيروس كورونا، كما يشار حاليًا في الخطاب الطبي والسياسي والإعلامي لعدّة أمور، من بينها التدابير الوقائيّة ضدّ فيروس كورونا، والإجراءات الاستثنائيّة التي اتخذتها الحكومات والدول، والوعي الجماهيريّ، بـ«الأسلحة» التي يمكننا أن «نجابه» بها الفيروس المستجدّ. وبالطبع تستتبع سرديّة الوباء كحرب الحديث عن «هزيمة» الفيروس، كما عبّر قادة ومسؤولون في مواقع وسياقات متعدّدة.

فعليًّا، رافق استخدام كلّ تلك الاستعارات إجراءات وسياسات شبيهة بأزمنة الحرب، من فرض الحظر الجزئيّ أو الشامل في العديد من الدول حول العالم، إلى إعلان حالة الطوارئ، وإغلاق الحدود، وتعطيل حركة الطيران وإغلاق الموانئ، وتعطيل المدارس والجامعات، وإغلاق المساجد والكنائس، وفرض إجراءات اقتصاديّة واجتماعيّة استثنائيّة.

وبينما مال الكثير من الساسة والقادة حول العالم لتوظيف المفردات العسكريّة لوصف جائحة فيروس كورونا، اختار الرئيس الألمانيّ، فرانك-فالتر شتاينماير، أن يصفها بـ«الاختبار» إذ قال في خطاب متلفز له في الحادي عشر من نيسان الماضي: «إنّ تفشّي كورونا ليس حربًا، وإنّ الدول والجنود لا يواجهون بعضهم، بل على العكس، هذا اختبار لإنسانيّتنا، ويؤدّي إلى ظهور الجانب الأفضل والأسوأ عند الفرد». استُخدمت هذه الصورة المجازيّة بصور متنوّعة في عدّة سياقات أخرى حيث صُوِّر الفيروس على أنّه اختبار لنظم الرعاية الصحيّة، وامتحان لقيمنا الإنسانيّة والأخلاقيّة، ولقدرتنا على الاتحاد والتكافل الاجتماعيّ.

ومن الاستعارات الأخرى التي استخدمت لوصف الوباء تلك التي تصوّره باعتباره طوفانًا أو إعصارًا. فثمّة حديث في تقارير طبيّة وصحفيّة عربيّة وعالميّة عن «موجات» للفيروس المستجدّ، وعن «ذروة» تفشّي العدوى، وتوقّعات «انحسار» الوباء، وعن الخوف من أن «تغرق» المشافي بالمرضى، وعن «سيل» من الإصابات، وعن «إعصار كورونا» الذي لم يزل «يواصل ضرباته». وفي استعارة مركّبة جمعت بين صورة الوباء كحرب من ناحية وباعتباره فيضانًا من ناحية أخرى، جاء عنوان تقرير على موقع إخباري أمريكيّ: «مشافي نيويورك تحارب فيروس كورونا بينما تفيض بمئاتٍ من المرضى».

ثمّة استعارات أخرى لفيروس كورونا المستجدّ، من بينها ما رصدته بريجيت نيرلش، أستاذة العلوم واللغة والمجتمع بجامعة نوتنجهام، حيث تشير إلى الاستعارات المرتبطة بمفاهيم الجريمة والعقاب، ومنها تعبيرات «الحجر» و«العزل»، و«الحواجز» التي باتت شائعة الاستخدام حول العالم هذه الأيّام. كما تذكر نيرلش بعض الاستعارات المتفرّقة، كتصوير العمل الجماعيّ ضدّ فيروس كورونا على أنّه «لعبة كرة قدم»، مثلما وصفه عالم الفيروسات الإيطاليّ روبيرتو بيريوني، وتشير أيضًا إلى تنويعات مجازيّة متعدّدة على استعارة «تسطيح المنحنى» وإلى تعبيرات متفرّعة عنها أو شبيهة بها، مثل «كسر سلسلة العدوى»، و«طرد فيروس كورونا»، و«إجاعة الفيروس حتّى ينفد وقوده»، و«عرقلة مسار الفيروس وصدّه».

إشكاليّات وبحثٌ عن بدائل

في كتابها «المرض كاستعارة»، تفكّك الكاتبة الأمريكيّة سوزان سونتاج صور واستعارات المرض، وبالتحديد مرضي السلّ والسرطان، وتحلّل كيف ارتكزت هذه الاستعارات في كتابات متنوّعة وعبر فترات زمنيّة متباعدة على معانٍ غير واقعيّة وضارّة وعقابيّة أيضًا في معظمها، ولذا ترى سونتاج بضرورة تحرير المرض من الفكر المجازيّ إذ تقول إنّ «المرض ليس استعارة، وإنّ أكثر الطرق صدقًا للنظر إلى المرض، وأصحّ الطرق لعيشه، أكثرها نقاءً من ومقاومًة للتفكير المجازيّ».[5] ومن بين ما تنتقد سونتاج في التمثّلات الشائعة للمرض المفردات العسكريّة التي تستخدم لوصفه، إذ تتسبّب في وصم المرضى وفي تحمليهم/نّ المسؤوليّة عن المرض وعن التعافي منه.

تنتقد سونتاج التمثّلات الشائعة للمرض المفردات العسكريّة التي تستخدم لوصفه، إذ تتسبّب في وصم المرضى وفي تحمليهم/نّ المسؤوليّة عن المرض وعن التعافي منه.

لحيثيّات شبيهة بما أوردته سونتاج في كتابها، ولأسباب أخرى غيرها، نالت عسكرة الخطاب حول جائحة كورونا انتقادات واسعة. ففي مقالة له في صحيفة «الجارديان» أوائل آذار الماضي، انتقد الكاتب سايمون جينكنز بشدّة استخدام الحرب كاستعارة في وقت السلم، قائلًا «إنّ بريطانيا ليست في حالة حرب مع فيروس كورونا»، بل وقال جينكنز بضرورة حظر عبارات الحرب ومشتقّاتها، وعزل من يستخدمونها «لإثارة الذعر ونيل الامتثال للسلطة» من المناصب العامّة. فضلًا عن ذلك، أبدى جينكنز تخوّفه من العنف الذي تتضمّنه فكرة الحرب واستعاراتها، لأنّها قد تشجّع على «رهاب الأجانب» ومهاجمة من قد يُعتقد بـ«عمالتهم/نّ للعدوّ المُفترَض»، كالجاليات الآسيويّة.

وتشير الأكاديميّة كوستانزا موسو في مقالة لها نُشرت في الثامن من نيسان إلى عدّة مساوئ لاستعارة الحرب وإلى خطورة استخدامها في زمن الجائحة الحالية، ومن بين تلك المساوئ ما يتضمّنه استخدام هذه الاستعارة من تغيير في مواقعنا إذ نتحوّل جميعًا من مواطنات ومواطنين إلى جنود في معركة، وهكذا «يَطلُب منّا السياسيّون الإذعان، لا الوعي، ويلتمسون فينا وطتنيّتنا، بدلًا من تضامننا». تذكر موسو عدّة أمثلة لاعتداءات على الحريّات العامّة وتجاوزات تضمّنت التحصّل على سلطات واسعة واستثنائيّة في بعض الدول. كما يستدعي خطاب الحرب، بحسب موسو، نظرًة قوميًّة قاصرة ترتكز على التفكير بمنطق «بلدي أوّلًا»، وعلى عدم اهتمام الدول بما هو خارج حدودها، وتورد كمثالٍ على ذلك حظر إرسال شحنات من المستلزمات الطبيّة الضروريّة لبلدان أخرى.

من جهتها، تنتقد الكاتبة تاليا ليڤن خطاب البطولة والتضحية المنبثق من سرديّة الحرب إذ يُفضي، في ظلّ الجائحة، إلى معاناة ومخاطر لا داعي لها، خاصّةً فيما يتعلّق بالعاملين والعاملات في مجال الرعاية الصحيّة، فبينما يُحَيُّون ويُنعتون بالأبطال، لا يتوفّر لهم/نّ الحماية الكافية والمستلزمات الضروريّة التي يتطلّبها العمل في الرعاية الصحيّة في زمن الوباء، كما ينطبق الأمر نفسه على «العمالة الأساسيّة» غير المجهّزة بمتطلّبات الوقاية من العدوى، والتي لا يتوفّر لها التأمين الماديّ الكافي أيضًا، لذا ترى ليڤن أنّ استعارة الحرب في واقع كهذا لا تفضي إلى بطولة، بل إلى «استشهاد» غير ضروريّ ويمكن تجنّبه.[6]

في ظلّ الإشكاليّات الكثيرة التي تحيط بعسكرة الخطاب السائد حول فيروس كورونا، وفي خطوة عمليّة لإعادة تأطير هذا الخطاب، اقترحت إينيس أولزا، الباحثة في علم اللغة في جامعة لافارا، في تغريدة لها في 22 آذار الماضي إنشاء قائمة من الاستعارات البديلة[7] لوصف الجائحة، ومع تفاعل عدد من اللغويّات واللغويّين مع تغريدتها، أطلقت بولا بيريز-سوبرينو، الباحثة في اللسانيّات المعرفيّة، وسمَ (#ReframeCovid) لتيسير جمع وتوثيق ومناقشة هذه الاستعارات عبره، وإسهامًا في هذه المبادرة أيضًا وعبر الوسم نفسه، أنشأت فيرونيكا كولر، المختصّة في علم اللغة بجامعة لانكستر، وثيقة مفتوحة المصدر لجمع استعارات متنوّعة وملهمة وبديلة للاستعارات الحربيّة لجائحة كورونا من جميع اللغات حول العالم.

إنّ أيّ استعارة ستبقى بالتأكيد قاصرة عن الإحاطة بكلّ تعقيدات جائحة «كوفيد-19»، لكنّ بعض الاستعارات أكثر إشكالًا وحجبًا للواقع من غيرها. ولأنّ المرض يستلزم الفهم -ربّما لأنّ الفهم يُمكّننا من إحكام السيطرة عليه- وبما أنّه لا يمكننا فهم ما كان مستجدًّا وغير مألوف إلّا عبر ما نفهم ونألف، فإنّ سبيلنا لذلك هو الاستعارة. وإن كان وباء كورونا المستجدّ يتشكّل يومًا بعد يوم عبر استعاراتنا التي نفهمه ونعايشه من خلالها، فعلينا أن ننتبه لتلك الاستعارات، وأن نلوذ، إن أمكن، بأقلّها ضررًا وأكثرها عونًا على التعافي والنجاة من عواقبه.

  • الهوامش

    [1] Morris, D. (1998). Illness and culture in the postmodern age. Retrieved from https://www.amazon.com/Illness-Culture-Postmodern-David-Morris/dp/0520226895, (p. 6)

    [2] Thibodeau, P., & Boroditsky, L. (2011). Metaphors we think with: The role of metaphor in reasoning. Plos ONE6(2), e16782. doi: 10.1371/journal.pone.0016782

    [3] Lakoff, G., & Johnson, M. (1980). Metaphors we live by. Chicago, IL: University of Chicago Press.

    [4] Ibid, p. 5.

    [5] Sontag, S. (1978). Illness as metaphor. New York, NY: Farrar, Straus and Giroux. (p. 3)

    [6] للاستزادة: تناقش الطبيبة الأمريكيّة أدينا وايز من واقع مهنتها كيف تقوّض الاستعارات العسكريّة ممارسة الطبّ في ظلّ الوباء في هذه المقالة.

    [7] من بين الاستعارات البديلة للاستعارة الحربيّة، والتي أشارت إليها إيزابيل سولانا، تلك التي ترتبط بمجال الرياضة مثل «تستمرّ المباراة ضدّ كوفيد-19»، أو التعبيرات المرتبطة بالبحر مثل «نُجدِّف سويًّا»، ومنها أيضًا «الاستعارات المكانيّة» (spatial metaphors) والتي تقترح الباحثة إينيس أولزا استخدامها، ومن أمثلتها القول: «ستصبح بيوتنا ومدننا حرًّة من الفيروس» بدلًا من تعبير «الفوز في المعركة ضدّ الفيروس»، أو أن نقول «لا بدّ أن نستعيد مساحاتنا الصحيّة معًا»، عوضًا عن أن نقول «لا بدّ أن نتّحد لهزيمة العدوّ».