انهيار عمارة اللويبدة: ساعات عصيبة تحت الأنقاض

من عمليات البحث عن ناجين في حادثة عمارة اللويبدة، تصوير مؤمن ملكاوي

انهيار عمارة اللويبدة: ساعات عصيبة تحت الأنقاض

الأربعاء 14 أيلول 2022

في الساعة الرابعة وعشرين دقيقة، عصر يوم الثلاثاء، يتلقى العامل الوافد زيد* وهو على رأس عمله في إحدى المقاهي في جبل اللويبدة اتصالًا هاتفيًا يخبره عن انهيار العمارة التي يسكنها وعائلته بالقرب من عمله، حيث تتواجد داخل المنزل زوجته وطفلته الرضيعة.

وبعد 24 ساعة على الانهيار، كان زيد لا يزال واقفًا على أنقاض العمارة المنهارة بانتظار أي خبر عن عائلته، في وضع مماثل لخمس عائلات أخرى تسكن العمارة المنهارة ومنزلًا مجاورًا لها، وعائلتين أخريين كان أولادهم في الداخل لحظة الانهيار. كلّ أولئك وأقاربهم كانوا طوال الساعات الماضية يتنقلون بين مستشفى لوزميلا وموقع الانهيار للسؤال عن أولادهم وذويهم. في وقت استمرّ الدفاع المدني في عملية إزالة الأنقاض وإخراج أشخاص عالقين، دون أن يحدد حتى ساعة نشر هذا التقرير العدد الذي كان متواجدًا في العمارة لحظة الانهيار.

حتى ظهر الخميس، اُعلن عن عشر وفيات، وعشر إصابات، في حصيلة تتغيّر مع مرور الوقت.

إعداد محمد شحادة

 

ما الذي حدث؟

على الطريق الواصل بين منطقة العبدلي وجبل اللويبدة، يقع سفحٌ جبليّ بنيت عليه العديد من المباني المتجاورة، إحداها كانت العمارة المنهارة، والتي تم ترخيصها عام 1956، بحسب تصريح صحفي لأمانة عمان. وأمام هذه العمارة، منزلٌ مستقل من طابقين تسكنه عائلة واحدة.

نحو الساعة الرابعة والنصف عصر الثلاثاء، انقطع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة في جبل اللويبدة، ليعرف سكان الجبل بعدها خبر انهيار عمارة مأهولة بالسكان في إحدى الشوارع القريبة من دوار باريس. وسرعان ما حضر الدفاع المدني للمكان، وتجمهر العشرات في محيط المبنيين، اللذين قال أقارب لسكانهما إن عدد من كانوا يتواجدون فيهما لحظة الانهيار يقدّر بحوالي ما بين 22 إلى 25 شخصًا.

إلى اليمين (أسفل) صورة المبنى بعد الانهيار، وإلى اليسار (أعلى) صورة المنطقة قبل الانهيار

في الساعات الأولى من عملية إنقاذ العائلات في العمارة، أخرج الدفاع المدني نسرين وابنيها، الذين كانوا داخل شقتهم في الطابق الأرضي، فيما كان زوجها في الخارج يغسل السيارة. حيث شاهد انهيار المبنى أمامه. 

تقول نسرين إن ترابًا وحصىً صغيرًا تساقط عليها وعلى ابنيْها فجأة من سقف المنزل، ومن ثم هوْت أرضية المنزل، قبل أن يقع السقف وواجهات المنزل عليهم. لتجد نفسها محاصرة بالحجارة الكبيرة برفقة ولدين 11 عامًا و 13 عامًا.

تمكنت نسرين من وضع الحجارة الكبيرة فوق بعضها البعض، كي تخلق لنفسها مساحة للحركة، ثم تحاول فتح طريق لابنها الصغير، عبر الحفْر بالطمم الناعم، كي تساعده في الوصول للدفاع المدني. تقول إنها كانت في هذه الأثناء على تواصل مع الدفاع المدني عبر الهاتف، دون أن يكون بمقدورهم رؤيتها، حتى صنعت خرقًا بالطمم ليتمكن رجال الدفاع المدني من سحب الطفل للخارج، وإبعاده عن المكان، «أول ما طلع حكالهم ماما كلها دم وتراب، يمكن عشان هيك بعدّوه عشان ما يشوفنا لما يطلعونا»

استمر الدفاع المدني في العمل في المنطقة ذاتها التي خرج منها الطفل، وتساعدوا مع نسرين في إدخال الضوء وبعض المعدات وإعطائها التوجيهات «صار [الدفاع المدني] يحكيلي اعملي هيك وسوي هيك، وصرت أساعد بالحفر وأشيل الحجار» حتى تمّكن أحد المنقذين من الوصول للابن الثاني الذي كان عالقًا خلف مقعد، وتمكّن من تحريره وسحبه، ثم الوصول لنسرين وإخراجها، في عملية تقول نسرين أنها قد تكون استغرقت ساعتين، تقديريًا، «الوقت كان مبين طويل، ما بعرف كم بالضبط».

بعد الانهيار، نقلت سيارات الإسعاف معظم الإصابات لمستشفى لوزميلا في اللويبدة، والذي شهد مدخله تجمّعًا من الأهالي الباحثين عن أولادهم، ومن ضمنهم كانت أمّ قد تُوفِي زوجها العام الفائت، وداخل الشقة المنهارة تواجد ابنها وابنتاها وصديقتهما، واللواتي كنّ يحتفلن بعيد ميلاد هذه الصديقة، كما روى لحبر أقارب للعائلة. 

وبين المستشفى وموقع الانهيار قضت ساعات الليل تبحث عن أولادها، يسندها أشقاؤها ووالدتها ومع صباح اليوم، أعلن خبر وفاة الأولاد الثلاثة، ونعتهم كذلك المدرسة التي كانت الفتيات يدرسن فيها.

الدفاع المدني خلال عمليات البحث عن ناجين في حادثة عمارة اللويبدة

 

ضمن حالة الفوضى في محيط الموقع، يخرج صوت أم هاني، وهي تدعو الله أن يُنجِي ولدها وزوجته وابنهم الشاب العشريني، وتطلب من الأجهزة الأمنية المتواجدة في المكان أن يسمحوا لها بأن تصل لموقع المنزل لتبحث عن عائلة ابنها. يقطع هذا المشهد صوت أحد منتسبي الدرك وهو يحاول طمأنتها بأن العمل مستمر وهناك أحياء تحت الأنقاض. 

تقول هبة إن شقيقها هاني كان يدفع نحو 275 دينارًا إيجارًا للشقة التي تراها قديمة ومتهالكة ولا تستحق هذا المبلغ، لكنّ هاني كان يصر على العيش في هذه المنطقة كي يبقى بالقرب من منزل والديه في الشارع القريب من العمارة المنهارة. خرجت زوجة هاني في الساعات الأولى بعد الانهيار، وتقول هبة إنها في حالة صحية صعبة في المستشفى، فيما تمّ إخراج هاني ظهر الأربعاء، ونقله للمستشفى، دون أن يتبين مصير ابنهم لغاية الآن. 

تضاربت التحليلات بين جيران العمارة والأقارب وشهود العيان حول سبب الحادثة، فيما أحيلت القضية للادعاء العام للتحقيق في أسبابها، واُعلن عن توقيف ثلاثة أشخاص على ذمة التحقيق، بينهم ابن مالك العمارة، ومتعهد صيانة كانت تقام في العمارة، وأحد العاملين في الصيانة، ووجهت لهم تهم التسبب بالوفاة. 

في الساعات الأولى للحادثة، تداول الجيران تفسيرات عدة لما حصل، بعضهم ألقى اللوم على عمارة جديدة مقامة بالقرب من العمارة القديمة، قائلين إنها تسببت باهتزازات في العمارات المجاورة، ما جعلهم يعتقدون أنها أثرت على العمارة المنهارة. لكنّ أقارب قابلناهم ذهبوا إلى قيام مالك العمارة بأعمال صيانة في الأيام السابقة للانهيار، وباعتقادهم فإن هذه الأعمال تسببت في تضرر العمارة، وهو أكدته نسرين في حديثها لحبر. 

 من جهته، نفى وكيل الدفاع عن صاحب عمارة اللويبدة في تصريحات صحفية أن يكون موكله أجرى عملية توسعة أو هدم، وقال إن ما تمّ أجراؤه هو صيانة دورية لشقة فارغة في الطابق الأرضي حتى يتمكن من إعادة تأجيرها.

في إيجاز صحفي قدمه مدير الدفاع المدني حاتم جابر مساء الأربعاء، قال إن هناك لجنة تحقيق فنية تم تشكيلها لبحث أسباب الانهيار. 

مجموعة من المواطنين والأهالي في انتظار إنقاذ العالقين في حادثة عمارة اللويبدة

 

في الساعات الأولى للحادثة، استعان الدفاع المدني بآليات متوسطة وخفيفة لرفع الأنقاض ومحاولة الوصول للعالقين. واستخدم الكلاب، وأدوات قصّ قضبان الحديد للوصول إليهم. كما أوصل الأكسجين والماء لبعض الأشخاص الذين سمع أفراد الدفاع المدني أصواتهم تحت الأنقاض. 

 انتقد عدد من الأهالي الذين قابلناهم عدم وجود آلية واضحة لتبليغهم بحال ذويهم وبمصير أولادهم، ما أدى لتضارب المعلومات، وإرهاق العائلات التي كانت تتنقل بين المستشفى والموقع، كما تقول هبة.

يقول مدير الدفاع المدني العميد حاتم جابر إنه لم يتم استخدام آليات الثقيلة لعدم وجود مداخل تؤدي إلى موقع الانهيار، ولمراعاة عدم استقرار المبنى وفرضية وجود أحياء بداخله قد يؤذيهم استخدام الآليات الثقيلة، كذلك لمراعاة سلامة فرق الإنقاذ العاملة في الموقع. 

مع ساعات فجر الثلاثاء\الأربعاء دخلت رافعة للمساعدة في رفع الأنقاض، إلى جانب العشرات من موظفي أمانة عمان، الذين ساهموا في رفع الطمر والحجارة يدويًا. فيما يقول جابر إن العمل سيبقى مستمرًا حتى الانتهاء من إخراج جميع العالقين في الداخل.

حوادث متكررة

شهدت عمّان والزرقاء خلال السنوات العشر الأخيرة انهيار عمارات أو أجزاء منها أو مرافق تابعة لها، لعدة أسباب منها خلل في البناء مثل عمارة وادي السير، أو بسبب البناء العشوائي وتمديدات الصرف الصحي القديمة مثل عمارتي الجوفة. أو بسبب إجراء صيانة لعمارة قديمة مثلما حدث في انهيار عمارة في الزرقاء.
العام الفائت، خاطبت نقابة المهندسين الأردنيين وزارة الإدارة المحلية وأمانة عمان لإجراء مسوحات للأبنية القديمة وتحديد أماكن البؤر الساخنة للأبنية التي تحتاج إلى ترميم أو صيانة، لكن دون أن تتلقى ردًا على طلبها كما يقول نقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي. والذي يقول إن هنالك عددًا من البؤر الساخنة التي تحتاج بناياتها إلى صيانة أو ترميم، وتحديدًا في بعض مناطق عمان الشرقية مثل جبل الحسين واللويبدة ووسط البلد.

يقول
نائب مدير المدينة للمناطق والبيئة في أمانة عمان حسام النجداوي إن موضوع المسح الميداني على هذه الأبنية موضوع كبير ويحتاج عدة جهات ولجان فنية وقرارات على مستوى عالٍ لتنفيذه.

ويضيف إن هناك ظاهرة منتشرة في عمان وهي ظاهرة إجراء عمليات صيانة العمارات دون الحصول على ترخيص أو إشراف هندسي بالرغم من أن
نظام الأبنية يحظر إضافة أي جزء للمبنى أو هدمه أو هدم أي قسمٍ منه أو إجراء أي تعديل فيه بالتوسعة أو التعلية أو الدعم سواء في الشكل الخارجي للبناء أو في ترتيبه الداخلي إلا بعد الحصول على ترخيص.

أفراد الدفاع المدني خلال عملية البحث عن ناجين في حادثة اللويبدة عصر يوم الأربعاء

 

تقوم الأمانة بجولات تفتيش بين الأحياء، وتستقبل الشكاوى من الناس، إلا أن السيطرة على هذه الظاهرة يبدو مستحيلًا بسبب انتشار بعض هذه الأبنية في أزقة ضيقة وداخل أحياء كثيفة، كما يقول النجداوي، ويضيف إن عمان مدينة كبيرة جدًا: «[وإذا بدي أراقب] بدي أحط كاميرا على كل عمارة».

يقول فوزي مسعد نائب نقيب المهندسين إنه من واقع عمله كمدير أسبق للمدينة في أمانة عمان، فإن عملية الصيانة والتغييرات على الأبنية عملية معقدة وصعبة وتتطلب اتخاذ إجراءات وقائية قبل الشروع فيها، مثل بناء جسور أو أعمدة مؤقتة ولذا فهي عملية تحتاج إلى إشراف هندسي للقيام بها.

بحسب أرقام دائرة الإحصاءات العامّة لسنة 2015 يبلغ عدد عمارات العاصمة التي تجاوز عمرها خمسون عامًا فأكثر حوالي 8600 عمارة من أصل حوالي 133 ألف عمارة لمختلف الاستخدامات. لكن لا تتوافر معلومات حول تلك العمارات التي تحتاج إلى صيانة أو ترميم وتشكّل خطرًا على ساكنيها.

بشكل عام يدعو رئيس شعبة المكاتب الهندسية والاستشارية في نقابة المهندسين عبدالله غوشة إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنيّة لمعالجة موضوع الأبنية القديمة المتضررة والآيلة للسقوط تقوم في البداية على عمل مسح عام على مستوى الأردن وتقيّم الأبنية من حيث حاجتها إلى الصيانة. ويرى ضرورة وجود صندوق لتطوير هذه الأبنية تتكفل به الدولة.

بعد يوم عصيب في جبل اللويبدة، لا تزال فرق الإنقاذ، ساعة نشر هذا التقرير، تحاول إخراج باقي العالقين في العمارة، ولا يزال التوتر في محيط العمارة ومستشفى لوزميلا. يقطع هذا التوتر صوت سيدة عرفت لتوها عن نجاة طفلتها التي تبلغ من العمر أربعة أشهر، فيما عرف زيد بعد حوالي ثلاثين ساعة على المأساة أن زوجته وابنته توفيتا.


*زيد اسم مستعار. 

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية