بالة من منشأ محلّي: صنف خاص من «الريادة» عند الفقراء

الأحد 01 كانون الأول 2019
بعض الباعة في سوق البالة قرب مجمع المحطة. تصوير أحمد أبو خليل.

إذا كنت في وسط عمان، واتجهت شرقًا عبر شارع الجيش، وقبل أن تصل إلى جسر المحطة بحوالي كيلومتر او أكثر قليلًا، ستبدأ بملاحظة منشآت من البناء ذي السقف المؤقت، ومن طابق واحد، تعود إلى ما أصبح اسمه «مجمع المحطة للنقل»، الذي أقيم عام 2003، ويليه مباشرة مبنى «المطحنة» القديم والشهير، ثم ستجد عددًا من الساحات الفارغة غير منتظمة. وقبل الجسر يقع مبنى منخفض الارتفاع، ذو سقف مؤقت أقيم في مطلع ثمانينات القرن الماضي كسوق للملابس المستعملة «البالة»، من صنف متواضع. يضم هذا المبنى حوالي 250 محلًا، تبلغ مساحة الواحد منها ستة أمتار مربعة. يحدّ هذا المكان من الجهة الأخرى شارع المحطة، أي «شارع الملك عبدالله الأول».

هذا الموقع، وبكافة مكوناته، يشكل مثالًا على ظاهرتين بارزتين: الأولى هي ارتباك وتخبط التخطيط الحضري والعمراني الرسمي في العاصمة منذ مطلع الألفية الثالثة، والثانية هي المرونة العالية وسرعة الاستجابة عند الأوساط الشعبية لتطويع المكان الذي تعرض للتغيير، وإعادة تشكيله وفق متطلباتها.

تعود قصّة هذا المكان للعام 2003، عندما قرّرت أمانة عمان الكبرى نقل مجمع رغدان للنقل إلى منطقة المحطة كبديل مؤقت لمدة ثلاث سنوات، إلى حين اكتمال إعادة بناء المجمع الأول، وعندما اكتمل بالفعل، قرّرت الأمانة التوقف عن استخدامه كمجمع نقل، واعتبار مجمع المحطة المؤقت مجمعًا دائمًا. غير أن الموقع الجديد تحوّل بالتدريج إلى مكان فارغ، وغاب عنه الركاب وتبعثرت خطوط النقل فيه، وهو اليوم عبارة عن سوق شعبي كبير، فقد زحفت إلى ساحاته الأكشاك والمظلات، وتمكنتُ من إحصاء أكثر من 500 محل داخل حرم المجمع تبيع الملابس والأحذية المتواضعة، والخضار والفواكه والأغذية الأخرى والألبان والأدوات المنزلية وألعاب الأطفال (القطعة بـ15 قرشًا، والسبعة بدينار، وفق أحد الإعلانات)، إلى جانب سوق متخصص في الهواتف الخلوية (يبيع بعضها بالتقسيط)، وعدد من المطاعم الشعبية وصالونات حلاقة تضع بخط كبير على أبوابها عبارة: «قص الشعر بدينار» أو «دينار ونصف».

مع ذلك، فإن هذا السوق، ورغم عدم انتظامه، إلّا أنه من الممكن تصنيفه على أنه سوق «رسمي» إلى حد كبير، فمحلاته في الغالب معترف بها ومسجلة ومعروفة لدى الأمانة التي يقع مبناها في وسط السوق تمامًا.

موقع السوق في عمّان إلى الشرق من وسط البلد.

امتد نشاط مالكي هذه المحلات إلى السور الخارجي حيث أقيمت على مسافة تصل لحوالي 200 متر بسطات ومظلات تعود إلى أصحاب تلك المحلات، بعضها تُدار من قبلهم أو بواسطة أقاربهم، وبعضها صارت تُضمّن لآخرين، وهذا الجزء أخذ مع الزمن شكلًا مستقرًا بسبب ارتباطه بالسوق داخل المجمع.

حتى هذه النقطة، نحن أمام سوق نشأ استجابة لخطوة رسمية تمثلت بإلغاء مجمع رغدان القديم ونقله إلى مجمع المحطة. فعند بدء الترحيل عام 2003 تمكن أصحاب حوالي 70 متجرًا (هي بالأحرى أكشاك) مرخصًا من الحصول على ترخيص جديد في الموقع الجديد، مع احتفاظهم برخصهم القديمة في مجمع رغدان، وحق استخدامها عندما يكتمل المبنى، كما تمكن عدد كبير من أصحاب البسطات غير المرخصة من الحصول على مواقع غير رسمية، وكان الجميع بانتظار اكتمال مبنى مجمع رغدان، حيث خصصت مواقع بديلة للأكشاك المرخصة.

لكن، ومع قرار البقاء في مجمع المحطة كمجمّع دائم منذ أيار 2006، حصل ارتباك كبير، وشنت أجهزة الأمانة حملات قاسية على البسطات وعلى مجمل عمليات البيع في حوض المجمع. غير أنه وكالعادة في مثل هذه الحالات، يتمكّن أصحاب البسطات من خلق وقائع جديدة، فقد قبلت الأمانة توسيع المباني وإنشاء مظلات جديدة والسماح لأصحاب المحلات المرخصة بالتمدد، ورغم أن ذلك لا يزال غير رسمي ولم ينل الرخص المطلوبة، لكنه تحول عبر الزمن إلى أمر واقع. ونظرًا لأن ذلك تزامن مع تراجع كبير في استخدام المجمع نفسه لغايات النقل، فقد غلب الطابع التجاري عليه.

يمكن وصف السوق داخل المجمع بأنه «سوق شعبي» من حيث جودة السلع وأسعارها، كما تنتشر فيه محلات متخصصة تقريبًا ببيع السلع التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها، فتباع بأسعار منخفضة. ويعرف جزء كبير من أصحاب الأكشاك والمظلات داخل المجمع وعلى سوره من ناحية شارع الجيش بأنهم «جماعة حي الطفايلة» لأن أغلبهم ينتمون إلى هذا الحي، وكانوا في الأصل يعملون في مجمع رغدان الواقع أسفل الحي (جبل الجوفة).

لفهم مجتمع هذا الموقع ككل ولمعرفة مستجداته، يتعين الإشارة مرة أخرى، إلى «سوق بالة المحطة»، فقد تأسس هذا السوق بعد ترحيل باعة بالة من موقعهم القديم في آخر سقف السيل في الموقع الذي يطلق عليه «الجورة».* كان باعة هذا السوق متخصصين في البالة القديمة «الأوروبية» كما هي التسمية الدارجة، وقد رُحّلوا إلى هذا الموقع، ووزعت عليهم المساحات، ثم أقيم بناء متواضع، ولكنه حافظ على نوع البضاعة وهي الملابس والأحذية المستعملة من الأصناف الشعبية.

بالمناسبة، تُصنّف البالة إلى أربعة مستويات: الأول ويسمى «كريما» وهو صنف عالي الجودة وغالبا ما يكون من الماركات الشهيرة، يليه نخب أول ثم نخب ثانٍ ثم «الكَسِر» ويضم الأخير الصنف الأدنى، وفي العادة فإن سوق المحطة يعرض من الصنفين الأخيرين حيث تتناسب الأسعار مع حالة الزبائن.

عاش سوق المحطة أغلب سنواته كسوق مغلق متوارٍ، يزوره زبائنه الذين اعتادوا عليه، ولم يكن موقعه مناسبًا للمارة العاديين، حيث يقع قربه تقاطع سير معقّد له أكثر من مدخل مما يحول دون سهولة التوقف عنده. 

لقد أصبح لدينا سوقان شعبيان رسميان: واحد داخل وقرب مجمع النقل، وآخر قديم هو سوق «بالة المحطة». وبينهما مساحات كبيرة فارغة إلا من مبنى المطحنة القديمة الشهير.

هذه المساحات الفارغة سرعان ما أصبحت موقعًا ذا خصوصية. فمع مرور الزمن، كان النشاط التجاري غير الرسمي يزحف ويغطي كل الفراغات، على الأسوار وعلى الأرصفة ثم الساحات، واليوم تنتشر بسطات لا حصر لها تتفاوت أعدادها ومحتوياتها من يوم لآخر، وغالبية ما يعرض عليها من «المستعمل». وقد استثمر الباعة جدران مبنى «المطحنة» المشار إليه، وغصون الأشجار الكبيرة المنتشرة، وأجسام السيارات المصطفة، لتعليق البضائع وخاصة الملابس، إلى جانب قطع كبيرة من الشوادر المفروشة على الأرض، يستخدم بعضها لنشر البضائع، وبعضها لتغطية البسطات. هذه هي الطريقة الأكثر انتشارًا لإغلاق البسطة حتى اليوم التالي، فالسوق كما يقولون: «أمان».

مصادر البضاعة

أبرز موردي الملابس، هن عاملات المنازل الآسيويات في مناطق عمان الغربية بشكل خاص، اللواتي يحصلن على الملابس التي قررت الأسر المخدومة التخلص منها، وقد تحضر بعضهن بنفسها إلى السوق للتوريد المباشر إلى الباعة بالتجزئة، أو يبعنها في موقعها إلى عمال النظافة في المنطقة التي يعملن بها، ثم يقوم هؤلاء بتوريدها إلى هذا السوق. ولا يقتصر نشاط عاملات المنازل على الملابس والأحذية، بل يمتد لمواد التجميل والعطور، فقد تجد بسطة من أصابع المكياج المستعملة أو زجاجات العطر.

توجد أيضًا، مجموعة أخرى من النساء يتجولن بأنفسهن بين الأحياء السكنية في العاصمة، يطلبن الملابس والأحذية بحجة الاستخدام الشخصي، ودائمًا ما يكون عند الواحدة منهن زوجٌ «قدّك يا حجي» أو «رِجْله قد رِجلك»، أو ابنا وبنتا «بعمر ابنك أو بنتك»، ثم يقمن بتوريد البضاعة أو التبسيط بها مباشرة.

وبالطبع، هناك فئة ما يعرف بـ«سرّيحة الحاويات» وهم مُورّدون تقليديون للمستعمل، وهناك مصدر توريد مشهور آخر، هو المغادرون من العمالة الوافدة إلى بلادهم، هؤلاء يوردون ما لديهم من أدوات منزلية كالصحون والطناجر والملاعق.

وبالطبع، وفي كل الحالات، يسبق عمليات التوريد ما يلزم من تصنيف وفرز وتسعير.

هنا أيضًا، قد توجد عمليات بيع «بالجملة»، فقد يحضر صاحب البضاعة فيفردها أمام زملائه، أو يبقيها في «كيس كبير»، ويعرضها كما هي لأفضل سعر. ويتوفر في السوق الخدمات السريعة المطلوبة، فهناك عربة أو مظلة لبيع الشاي، وقد يتجوّل مندوب عنها بين البسطات يحمل إبريقًا كبيرًا، وفي جيبه، أو على خصره، ضُمة نعنع لمن يحرص على شرب الشاي بالنعنع. وفي أوقات المساء الباردة يتبرع أحدهم بتجميع ما يتوفر من حطب أو قطع كرتون، فيشعل نارًا يسمح للجميع بالتحلق حولها.

الزبائن متنوعون كثيرًا، بعضهم يتردد دومًا ويعتبر التنقل بين هذه البسطات متعة بغض النظر إن كانت له حاجة معيّنة أم لا، بعضهم يأتي مدققًا يبحث عن غرض خاص أعياه البحث عنه في مواقع أخرى، مثل حاجته لبرغي خاص، أو «رونديلا» تناسب البرغي الخاص، أو مفتاح مدفأة نوع قديم، أو مقبض درج خشبي قريب من النموذج الذي يحمله، وهؤلاء لا يملّون من تكرار الزيارة، نظرًا للتبدل المتواصل للبضاعة الموردة إلى السوق، فضلًا عن استجابتهم لوعود الباعة بإحضار المطلوب. 

مع الزمن، تحقق في السوق قدر ملحوظ من التخصص، فهذه بسطة تعرض «رِيَش دْرِل» مستعملة، ومن مقاسات متعددة، وهذه بسطة تعرض مفكات، وأخرى قطع مدافئ الكاز والغاز، أو قطع وأجزاء من مدافئ كهربائية، ورابعة تعرض أغطية للهواتف، كل ذلك من «المستعمل» بالطبع.

نشأت نواة هذا السوق قبل 13 عامًا، منذ أن أصبح مجمع المحطة دائمًا، واتسع عندما أوقفت الأزمة العالمية 2008/2009 مشروع «وادي عمان» السياحي العمراني الكبير، حيث الفنادق والمسابح والأسواق ومواقع الترفيه (نعم هذا ما عرضته المخططات). لكن السوق يتوسع دومًا، ليتحول إلى موقع خاص بالنشاطات «الريادية» المبنية على الكدح والتعب.

*  سمي المكان بالجورة بسبب انخفاض مستواه عن الشارع الرئيسي.