بسطات وسط عمان: العيش على أجهزة التنفس

الخميس 16 نيسان 2020
سوق اليمانية في وسط البلد خاويًا في ظل الحظر. تصوير أحمد أبو خليل.

البسطات ممنوعة من العمل أيضًا. هذا «تحصيل حاصل»، ولا حاجة لأن يرد ذكره في أوامر الدفاع. فالبسطات، رغم انتشارها في مواقع هامة غالبًا، لكنها تعيش على هامش حركة الآخرين. فالبَسّاطون يطلبون رزقهم عند تزاحم الأقدام، وبالمقابل، «يجلبوا رِجِل» إلى السوق، ولكن كيف سيكون الأمر إذا توقف السوق واختفت الأقدام والأرجل؟ 

في وسط عمان، انسحبت البسطات مبكرًا، مع إعلان العمل بقانون الدفاع، ومنذ أول إغلاق جزئي وقبل إعلان حظر التجول. لملموا بضاعتهم، أو غطّوها، أو باعوها على عجل، وغادروا. لقد قمت بجولة مساء الخميس 19 آذار، وكانت شوارع وسط عمان خالية من البسطات، ومن الناس أيضًا، باستثناء عمال النظافة ورجال الأمن والسير. 

منذ أن استقرت الحال في الأسابيع الأخيرة، على السماح بفتح محلات البقالة والمواد التموينية من الساعة العاشرة صباحًا وحتى السادسة مساءً، ابتداءً من 24 آذار، ومع الاتساع التدريجي في الحركة التجارية، بدأت البسطات بالظهور مجددًا بشكل حذر أو متخفٍ، وخاصة فيما يتعلق ببسطات ببيع الخضروات والفواكه التي انتشرت خاصة قرب أبواب محلات البقالة في الحارات. حصل هذا في الأحياء السكنية، ولكنه كان قليلًا في وسط البلد، لأن وسط البلد لا يعد سوقًا كبيرًا للبقالة والمواد التموينية.

اليوم، وبعد حوالي ثلاثة أسابيع على هذه الحالة المستقرة نسبيًا، ومع فتح فروع البنوك ثم شركات الاتصالات ومكاتب الصرافة، أخذ وسط عمان «يتنفس» من جديد تجاريًا، وعلى هامشه تتنفس البسطات.

مشهد موحش

الملاحظات التالية حصيلة جولة متأنية نسبيًا أجريتها هناك نهار يوم الأربعاء 15 نيسان. المشهد العام في وسط عمان لا يزال غريبًا وموحشًا بالطبع. قرب منطقة المسجد الحسيني تظهر حركة أكثر كثافة من مناطق غيرها. على أبواب شركات الصرافة ومكتب واحدة من شركات الاتصالات، يقف عدة شباب يبيعون الكمامات والقفازات البلاستيكية الخفيفة؛ إنهم يسهلون تلبية شروط الدخول إلى هذه المواقع، من حيث الاحتياطات الصحية، فهذه المؤسسات إضافة إلى البنوك، اشترطت على زوراها أن يضعوا الكمامات على وجوههم والكفوف في أيديهم. ويختلف سعر الكمامة في منطقة التزاحم هذه عن سعرها في المواقع الأبعد قليلًا بحكم التنافس.

إن بيع هذه السلع الخاصة بزمن الأزمة، يشكل جانبًا من المرونة التي يعرف بها العاملون في القطاع غير الرسمي عمومًا، لكن اللافت والطريف أن شابين آخرين وضعا أمامهما صناديق كبيرة تحتوي على مئات من قوالب صنع الفلافل! كانا يصيحان: «قالب فلافل ستانلس.. أبو الثلاث ليرات بليرة». قالا إنهما من أصحاب المحلات المغلقة وفق التعليمات، ولهذا جلبا هذه السلعة للتبسيط بها، بعد أن قدّرا أنها مطلوبة من قبل الأسر التي تعيش في الحجر المنزلي.

بعد منطقة المسجد، تنتشر بضع بسطات صغيرة تبيع الدخان، ثم نصل إلى المنطقة التي كانت تعد في مثل هذه الأوقات سوقًا لبسطات الحشائش الربيعية. هناك عدد محدود من السيدات حضرن للتبسيط بكميات قليلة من هذه الحشائش، بالقرب منهن تجلس سيدة ستينية، أمامها كومة من فروش الموائد من النايلون الخفيف. قالت إنها كانت تعمل في خدمة تنظيف المنازل، وهو عمل توقف الآن بسبب غياب وسائل النقل، فنزلت إلى الشارع.

من أكثر المشاهد ألمًا، منظر سوق اليمانية الذي ظل منذ حوالي ثمانين عامًا مفتوحًا وصامدًا كسوق لملابس البالة، وكموقع لتصليح الملابس أو تكييفها من خلال أكثر من 30 خياطًا استأجروا مساحات صغيرة بحجم ماكنات الخياطة من أصحاب المحلات الصغيرة أصلًا. هذا السوق اليوم ولأول مرة مغلق وخاوٍ تمامًا.

على مدخل إحدى البنايات التجارية الفارغة حاليًا، يقف حارسها الذي يتوفر لديه وقت فراغ كبير، مكّنه من وضع بسطة عريضة على كامل المدخل، لبيع سلع صغيرة متنوعة، بعضها غذائية، يتوقع أن يكون لها زبائن.

في هذه الأثناء، انتقل عدد ممن اعتادوا التبسيط في شارع سقف السيل (شارع قريش) إلى شارع الجيش الموازي، لأن الأول أكثر ركودًا الآن، بينما كان جزء منه يتخصص تقريبًا في بيع القطع «التالفة» والملابس المستعملة. هؤلاء الباعة يحاولون العثور على زبائن، ولكنهم بدوا يائسين، فجلسوا قرب بعضهم البعض بعيدين نسبيًا عن بسطاتهم. بينهم كان شابٌ ووالده، لكل منهما بسطة صغيرة. في الواقع، لا مجال لجلب الكثير من البضائع، من جهة لندرة الزبائن، ومن جهة أخرى لأن رجال الأمن متواجدون على مدار الساعة لمراقبة مخالفات السوق الرسمي، ولكنهم بهدوء قد يطلبون من أصحاب البسطات المغادرة من دون مصادرة البضاعة.

في مجمل وسط البلد، من الواضح أن أصحاب البسطات يراقبون تبدل الحركة وهم جاهزون للعودة. إنهم محبطون بسبب توقف العمل لشهر كامل، وهم يتابعون الأخبار، وقد تقدموا بطلبات الحصول على المعونة التي أعلنت من قبل الحكومة، لكنهم لم يحصلوا إلى الآن على شيء.

توجهتُ إلى منطقة «مجمع المحطة» شرق وسط عمان، الذي كان قد تحول إلى سوق شعبي شامل، للمواد التموينية والخضار والحلويات وبعض خدمات الاتصالات. باستثناء بعض محلات البقالة فإن السوق مغلق، والمشهد مؤلم، حيث غطى كثيرون بسطاتهم بالشوادر البلاستيكية أو القماشية، وقد علاها الغبار، فيما تنتشر عشرات القطط بحثًا عن نصيبها من المتبقيات هنا وهناك.

بسطات مهجورة في مجمع المحطة. تصوير أحمد أبو خليل.

غادرت المنطقة عن طريق شارع الأردن الذي يخترق مخيم الحسين. الجزء الأول منه متخصص بالأثاث المستعمل ولهذا فهو مغلق تمامًا، أما باقي الشارع فلا يختلف عن أسواق الأحياء المختلفة، سوى أن عددًا من المحلات الصغيرة التي تعمل في مجالات مغلقة حاليًا بادر أصحابها إلى تبديل صنف البضاعة، فكثير من محلات بيع القهوة والمشروبات الباردة والساخنة، تحولت المساحة أمامها إلى بسطات لبيع الخضار والفواكه.

بالنسبة للعاملين على البسطات، يعد هذا زمنًا نموذجيًا تتبين فيه مواصفات رئيسية في هذا القطاع: إنه قطاع لا سلطة له إطلاقًا، فهو من هذه الناحية مستجيب بالكامل، ولكن بمرونة عالية. هو ضعيف، لا تتوفر له فرصة مواجهة أي قرار إداري، فهو لا يحظى بأي اعتراف، رغم أنه قطاع مستمر وبلا توقف، وبمستوى مبادرة عالٍ.

اليوم، كل ما يقال من كلام عن «عمال المياومة» أو «العاملين باليومية» لا يشمل هؤلاء إطلاقًا. ويرفض الخطاب التنموي الرسمي التعاملَ مع ميادين عمل غير رسمية عصية بحكم طبيعتها على التسجيل والتنظيم، كالبيع على البسطات، سواءً بيع السلع أو الخدمات أو بعض الأعمال من المنزل.

لقد سيطر الخطاب الرسمي على مفهوم القطاع «غير الرسمي» أو «غير المنظّم»، وأعاد تعريفه بحيث أخرج منه جزءً من أصحابه الأصليين؛ باعة البسطات هؤلاء، في هذا الموقع وغيره في العاصمة، وفي باقي المدن الكبيرة والصغيرة.