«ما بصدق طلعت عايش»: حين تكون الكورونا أخطر من مجرد إنفلونزا

الإثنين 19 تشرين الأول 2020
تصميم ندى جفال.

مع تزايد انتشار فيروس كورونا المستجد في الأردن منذ آب الماضي، وارتفاع أعداد الإصابات لما يزيد عن 12 ألف إصابة الأسبوع الماضي وحده، في أعلى حصيلة منذ بدء الجائحة، بات المصابون أكثر تنوعًا، من حيث أعراضهم وشدة مرضهم ومدى حاجتهم للعلاج والمتابعة. 

يقول الدكتور طارق منصور، الطبيب في مستشفى الأمير حمزة المخصص لعلاج مصابي فيروس كورونا المستجد، إن الأطباء في المستشفى لاحظوا هذا التحول. فالأعراض التي كان يظهرها المصابون قبل آب الماضي كانت في معظمها خفيفة، أو حتى معدومة، بحسبه، لدرجة أن المرضى، ورغم نتائج فحوصاتهم الإيجابية، كانوا يصرون على أنهم ليسوا مرضى. لكن بعد آب، بدأت الحالات الصعبة بالتزايد، وازدادت معها صعوبة التعامل مع المرضى، خاصةً أن شدة المرض كثيرًا ما تترافق مع طول مدة الإعياء والعلاج.

في ظل ذلك، يزيد تفاوت تجارب الإصابة بالفيروس. ففي حين قد تكون لدى البعض خفيفة، هي لدى آخرين مسألة حياة أو موت. كما أن الأعراض، وترتيب ظهورها حتى في الإصابات المتساوية في الشدة، لا يأتي بالضرورة متطابقًا. لكن تجربة الإصابة بكورونا ليست واحدة للجميع أيضًا لأن الإصابة بالمرض تأتي لأشخاص في مواقع مختلفة في الحياة، وخوضهم لتجربة المرض لا يختزل بجانبه الطبي، بل يتشابك مع الجوانب الأخرى من حياتهم. هذا ما تعكس قصص متعافين من المرض، خاضوا تجربة الإصابة وخرجوا منها بطرق مختلفة.

تدهور سريع

عندما وصل زياد* (34 عامًا) إلى طوارئ مستشفى الأمير حمزة، كان وضع رئتيه من السوء بحيث أن الطبيب أخبره أنه كان على الأغلب سيصل ميتًا لو تأخر ساعتين من الزمن. وقد حدث هذا التطور في حالته بعد يومين فقط من أول ظهور للأعراض عليه، التي بدأت بفقدان الشم والتذوق، وارتفاع طفيف في درجة الحرارة.

نقل زياد إلى المستشفى من مخيم العزل في البحر الميت، الذي أُخذ إليه مع زوجته (25 عامًا) وطفليه (9 و7 أعوام)، عند وصولهم إلى الأردن، قادمين من سوريا.

زياد الذي يعمل فني تمديدات صحية، كان قد ذهب، إلى سوريا للعودة بعائلته إلى الأردن، حيث كانت زوجته في زيارة لأهلها هناك. لكنه علق في سوريا بعد إغلاق الحدود، وعاد بمجرد فتحها. حينئذٍ كان الحجر المؤسسي إلزاميًا لجميع القادمين إلى المملكة. لذا عندما وصل الحدود، سلّم سيارته، وحُمل مع عائلته في باصات إلى البحر الميت.

في اليوم الثالث، تدهورت حالته بسرعة وبشكل فجائي؛ ارتفعت حرارته إلى الأربعين، وأصابه سعال جاف قوي، وإسهال حاد، وضاق نفسه حتى بات يشعر بالاختناق. فنقلته سيارة إسعاف من المخيم إلى المستشفى. وهناك وُضع مباشرة في العناية المركزة التي أمضى فيها 11 يومًا، وضع خلالها على جهاز التنفس الاصطناعي غير النافذ. وكانت حالته من السوء بحيث كان في أحيان كثيرة يفقد القدرة على التنفس حتى والجهاز على وجهه.

يتابع الأطباء فحوصات تميع الدم بشكل حثيث لمراقبة التجلطات الوارد جدًا حدوثها في الرئتين، كأحد مضاعفات المرض. وحدوث التجلطات ليس مرتبطًا بعمر أو سيرة مرضية، وفق ما يلاحظ الأطباء المشرفون على علاج المرضى.

يقول الطبيب منصور إن العارض الأساسي الذي يحرص الأطباء على بقائه تحت السيطرة، وفقًا للبروتوكول العلاجي، هو مستوى الأكسجين في الدم. فنزول مستوى الأكسجين له آثار مدمرة على الرئة؛ إذ يصيبها بالتليف في فترة قياسية، وهذا ما يراه الأطباء في مستشفى الأمير حمزة طوال الوقت. يقول إن صورة رئتي مريض كوفيد-19 اللتين تليفتا بعد إصابته بأيام، تشبه صورة رئتي شخص يعمل منذ سنين طويلة في مهنة خطرة على الجهاز التنفسي، كالعمل في المحاجر مثلًا. فحجم الضرر الذي يمكن أن يصل إليه مريض كورونا خلال أسبوع فقط كبير جدًا. لكنه يؤكد أن هذه ليست قاعدة، بل ترتبط أساسًا بالحالات التي ينزل فيها مستوى الأكسجين في الدم. كما تتفاوت الاستجابة للعلاج، فهناك من يتحسن تمامًا، وهناك من يظل يعاني حتى بعد الشفاء من فيروس كورونا المستجد.

بعد دخوله المستشفى، كفّ زياد عن تناول الطعام لأن لا شيء كان يبقى في معدته أكثر من خمس دقائق، كما فقد القدرة على النوم. «عيوني صاروا زي النار. وأحس جواتهم زي الحصمة». ومما زاد الأمر سوءًا أن الغرفة نفسها كانت حارةً جدًا، فلا مراوح ولا تكييف، ولا نوافذ. فقط جهاز شفاط في الجدار. وعندما كان يسأل، قيل له إن هذا ضروري بسبب التهاب رئتيه.

خلال هذه الفترة، عولج زياد بفيتامين سي والزنك والمضادات الحيوية لعلاج التهاب رئتيه. وعندما كان يأخذ جرعة العلاج ويخبرونه أن الجرعة الثانية ستكون بعد ثماني ساعات، «أقول للدكتور معقول أنا رح أعيش كمان 8 ساعات؟». كان متأكدًا أنه سيموت. وصار يوصي من حوله بزوجته وأطفاله، الذين كانوا معه في المستشفى نفسه، لكن إصابتهم كانت أخف بكثير من إصابته. ولكنه كان من الوهن بحيث لم يستطيع الإمساك بهاتفه للاطمئنان عليهم.

مع ذلك، كان يحدث أن تختفي الأعراض تمامًا، فينزل عن سريره، ويعود لنشاطه، بحيث يعتقد أنه شفى فيطلب من الأطباء إخراجه، ثم بعدها بأقل من يوم تعود الأعراض وبشكل أكثر شدة.

تحسنت حالة زياد أخيرًا، وخرج من العناية المركزة إلى الجناح العادي، حيث بقي هناك ثلاثة أيام تحت المراقبة، سمح له بعدها بالخروج إلى المنزل. لكنه بعد يومين عاد وانتكس، فارتفعت حرارته، وعاد إليه ضيق التنفس بشكل أشد. فأعيد إلى المستشفى لأسبوعين آخرين. ولكن هذه المرة لم تكن للعلاج من كورونا التي شفي منها، وإنما من أثرها على رئتيه.

مضى الآن ثلاثة أشهر، فقد خلالها حوالي 20 كيلوغرامًا من وزنه. وعندما يسترجع التجربة يقول: «ما بصدق طلعت عايش». ورغم أنه لم يعاود الانتكاس بعد خروجه من المستشفى للمرة الثانية، إلا أنه لم يشعر بتحسن فعلي إلا منذ أسبوع فقط. ولم يستطع إلى الآن العودة إلى نظام حياته الطبيعي. قبل إصابته، كان يوم عمله يبدأ صباحًا وينتهي في ساعة متأخرة من الليل. الآن، يقول إنه يضطر أن يعتذر عن كل ورشات الصيانة الكبيرة التي عرضت عليه، ويكتفى بأعمال الصيانة الصغيرة المتفرقة هنا وهناك، فقط لتدبير المصاريف اليومية الأساسية للعائلة. 

وهذا عبء آخر غير العبء الصحي لكورونا عليه. يقول زياد إنه دفع 1224 دينارًا كلفة عزله وعائلته. وتراكم عليه حاليًا مبلغ ألف دينار، هو قيمة إيجارات الشهور التي تعطل فيها عن العمل. وما زال وضعه الصحي لا يسمح له بالعمل بما يكفي لتسديد الشهور القادمة. وأمله الآن أن يعاد له جزء من رسوم الحجر في البحر الميت، لأنه وعائلته دفعوا لقاء أسبوعين من الحجر، ولكنهم لم يبقوا في الحجر فعليًا سوى ثلاثة أيام.

«كنت أموت وأرجع كل ليلة»

وضعت صفاء* (39 عامًا) رغيف خبز على عين الغاز لتسخينه، والتفتت لتجلب شيئًا ثم نسيت أمر الرغيف. بعدها انتبهت فجأة إلى أن المطبخ امتلأ بالدخان. وعندما استدارت وجدت النار قد اشتعلت في الرغيف الذي  تحول إلى قطعة فحم. وقد حدث هذا دون أن تشم أي رائحة.

حدث هذا الموقف مع صفاء فترة إصابتها بفيروس كورونا المستجد، مطلع آب الماضي، التي كان من بين أعراضها فقدان حاستي الشم والتذوق لأسبوعين قبل أن تعودا إليها بالتدريج. خلال هذه الفترة، صار طعم الأكل «زي اللي بتوكلي هوا». وحاولت صفاء خلال تلك الفترة تحفيز الذوق بأكل الفلفل الحريف. وكان الغريب، كما تقول، هو شعورها بالحكة في أذنيها، التي تشعر بها في العادة عند تناول الأطعمة الحريفة، لكن دون شعور أي حرقة على لسانها. أعراضها الأخرى تمثلت بالصداع الحاد والحرارة والسعال الجاف والإسهال، والألم الشديد في العظام، لدرجة أنها كانت تصرخ من الألم عندما يصطدم بها أحد أطفالها عرضًا.

يقول الدكتور منصور إن الطريقة التي تظهر بها الأعراض تتفاوت، لأسباب فسيولوجية معقدة، فمن الممكن مثلًا أن يحدث انخفاض في مستوى الأكسجين دون أن ينتبه إليه المريض، فقد لا يتبعه ضيق نفس، وإنما شعور ببعض الدوخة.

ومع ذلك، فقد فحصت صفاء للكشف عن فيروس كورونا بعد 20 يومًا من ظهور الأعراض عليها. وذلك عندما اكتشفت بالصدفة إصابة ابن أخيها، وتبع ذلك فحص جميع المخالطين، لتنكشف إصابة عدد كبير من أقاربها. يومها أخبرها الطبيب أنها في المراحل الأخيرة من الشفاء، لكنه طلب منها أن تدخل إلى الحجر في مستشفى الأمير حمزة مع أطفالها الثلاث من باب الاحتياط.

صفاء، الأم  لثلاثة أطفال بين 10 و14 عامًا، تعيش وحدها معهم بعد انفصالها عن والدهم، اختارت ألا تفحص لاعتقادها أنها تعيش نمط حياة يجعلها محصنة ضد الإصابة. فقد كانت مقتنعة أن فيروس كورونا موجود حصرًا «برة البيت»، ولأنها لم تكن تخرج إلا نادرًا، وهذا نمط حياتها قبل الوباء، ظلّت مقتنعة أن ما تعانيه ليس كوفيد-19، «ولا واحد بالمية كان عندي شك. أقول من وين بدها تيجيني الكورونا؟».

كانت أعراض صفاء تصل ذروتها دائمًا في الليل، فيكون ارتفاع الحرارة على أشده، ويبتل فراشها من العرق، وتزداد حدة السعال الذي تقول إنه ينطلق من عمق الصدر، لدرجة أنها تشعر برئتيها تهتزان. لهذا كانت أثناء النوم تحتفظ بمخدة على صدرها تضغط بها عليه كلما جاءتها السعلة. «كنت اموت وأرجع كل ليلة».

تصرفت صفاء كما في كل مرة تصاب بها بالإنفلونزا، عالجت نفسها ذاتيًا بالمضادات الحيوية، وخافضات الحرارة، ومشروبات الأعشاب والليمون المغلي. واستمرت على قناعتها بأن هذه ليست عدوى فيروس كورونا، حتى مع ملاحظتها أن الأعراض كانت مختلفة عن أي إنفلونزا عادية، وبعد أن انتهى «كورس» المضاد الحيوي دون أن تتحسن، وبعد تغيير أكثر من نوع خافض حرارة دون أن تنخفض حرارتها.

يقول الدكتور منصور إن الطريقة التي تظهر بها الأعراض تتفاوت، لأسباب فسيولوجية معقدة، فمن الممكن مثلًا أن يحدث انخفاض في مستوى الأكسجين دون أن ينتبه إليه المريض، فقد لا يتبعه ضيق نفس، وإنما شعور ببعض الدوخة. من هنا، يقول إنه لا يجوز أن يقرر مرضى كورونا بأنفسهم الحجر في المنزل دون تقييم الأطباء لحالتهم.

خلال العشرين يومًا التي سبقت حجرها في المستشفى، كانت أعراض صفاء تذهب وتعود مثل موجات. أحيانًا يبدو أنها تتماثل للشفاء، ثم بعدها «بموت في أرضي». ورغم ان الطبيب أخبرها وقتها أنها تتماثل للشفاء، إلا أنها تعرضت لانتكاسة في المستشفى، بلغت ذروتها عندما فحصها الأطباء ووجدوا لديها بداية جلطة، وتداركوا حالتها بإعطائها مميعات وكورتيزون. بحسب منصور، يتابع الأطباء فحوصات تميع الدم بشكل حثيث لمراقبة التجلطات الوارد جدًا حدوثها في الرئتين، كأحد مضاعفات المرض. ويضيف إن حدوث هذه التجلطات ليس مرتبطًا بعمر أو بسيرة مرضية، وفق ما يلاحظ الأطباء في الحالات التي يشرفون على علاجها.

بعد شهر ونصف من خروجها من الحجر، تقول إن أعراضها ذهبت، لكنها ما زالت تشعر بألم في الصدر. ورغم أن الطبيب كتب لها في ورقة الخروج أن عليها مراجعة عيادة «الصدرية» بعد أسبوعين، إلا أنها لم تفعل. تقول إن الأخبار الأخيرة حول الوفيات أرعبتها. ولديها خوف فعلي من أن تسوء حالتها «وينزلوني على الآي سي يو [غرفة العناية الحثيثة] وما أطلع».

ما عدا ذلك، تقول إن الحياة عادت إلى طبيعتها، تشكو فقط من أن أطفالها الذين أصيبوا بشكل خفيف، يعانون من تنمر الأطفال الآخرين عليهم في الحارة. إذ صاروا يلقبونهم بـ«المكورنين». لكنها تهون عليهم وتقول لهم: «معلش يا ماما، المكورن بطيب».

«المرض مش لعبة»

بدأت الأعراض عند جمال* (32 عامًا)، في الأسبوع الأخير من أيلول الماضي. بدأ يشعر بصداع وسعال وشعور عام بالإعياء. اعتقد في البداية أنها الإنفلونزا، لكن شكوكه بدأت تتصاعد مع تصاعد حدة الأعراض. فهو يصاب بالإنفلونزا كل عام، لكنها تأتي خفيفة في كل مرة لالتزامه بأخذ المطعوم السنوي.

هذه المرة، تركته الأعراض طريح الفراش، مع درجة حرارة لم تنخفض عن 39 درجة مئوية، رغم كل خافضات الحرارة التي تناولها. كما أصيب بصداع بالغ الحدة تركّز في مقدمة رأسه فوق العينين مباشرة، مع سعالٍ حادٍ شديد الجفاف.

قراره أن يذهب للفحص، جاء في اليوم الثالث، عندما استيقظ وقد فقد تمامًا حاستي الشم والذوق. فقد كان يعرف أن هذه من أعراض الإصابة بفيروس كورونا المستجد. عندئذٍ لم يعد بإمكانه تمييز ما يأكل إلا بالنظر. وتحولت المشروبات على أنواعها إلى ماء، مع إحساس خفيف بالمرارة. حتى البصل، كان يأكله دون أدنى إحساس بالطعم أو الرائحة.

وفق الدكتور طارق منصور، بدأت الحالات الصعبة من كوفيد-19 بالتزايد بعد شهر آب، وارتفعت معها صعوبة التعامل مع المرضى، خاصةً أن شدة المرض كثيرًا ما تترافق مع طول مدة الإعياء والعلاج.

بعد ظهور نتيجته، أجريت فحوصات لجميع سكان العمارة التي يقيم فيها. ولم يكن هناك مصابون إلا زوجته التي كانت أعراضها طفيفة، لكنها حجرت في مستشفى الملك عبدالله المؤسس مدة 12 يومًا، لأنها حامل بطفلها الأول.

يقول جمال إنه لم يتفاجأ بأن نتيجته جاءت إيجابية. فهو يعمل معلمًا، وسائق سيارة أجرة بعد الدوام، وكان متأكدًا أن نمط حياته القائم على الاختلاط بعدد كبير من الناس يوميًا، يجعل من إصابته بالمرض «مجرد مسألة وقت». وهذا ما دفعه بداية الجائحة، إلى الانعزال شبه التام في المنزل، وتحديد تواصله المباشر مع والدته التي تبلغ 72 عامًا، وتقيم مع أخيه، في شقة أسفل شقته التي يقيم فيها مع زوجته. في ذاك الوقت، ورغم أن عدد الإصابات كان قليلًا، إلا أن منسوب الخوف لديه كان أعلى بكثير من المرحلة التالية عندما تفشى المرض مجتمعيًا. يقول إن زيادة أعداد الإصابات وحتى الوفيات، جعلت الوضع يكتسب بعض العادية. وجعله يعود لممارسة حياته الطبيعية.

بعد ظهور نتيجته، نقل جمال إلى كرفانات الحجر في البحر الميت، في سيارة إسعاف أرسلتها وزارة الصحة إلى منزله. واستغرب أنها جاءت مشغلة الصافرة والأضواء. «طلعت لقيت الناس على السطوح والشبابيك وفي الشارع (..) وصارت أمي تعيّط على باب الدار».

لم تنطلق به السيارة مباشرة إلى البحر الميت، بل قامت في البداية بجولة على مجموعة من قرى إربد، جمعت منها سبعة مصابين آخرين. ثم أنزلتهم جميعًا إلى باص كوستر، لتبدأ جولة أخرى لجمع المصابين، هذه المرة عبر المحافظات، التي شملت عجلون وجرش والسلط. «طلعت من البيت الساعة أربعة ووصلت البحر الميت الساعة 12».

في البحر الميت، ورغم أن خدمات النظافة والطعام كانت جيدة جدًا، إلا أنه فوجئ بعدم وجود نظام متابعة طبية من أي نوع لحالة المرضى، بحسب قوله. وكان الإجراء هو أن يتصل من تشتد عليه الأعراض بمسؤولي المخيم، فترسل إليه سيارة إسعاف تأخذه إلى المستشفى. في اليوم الأخير المقرر فيه خروجه فقط، اتصل فيه طبيب المخيم، وسأله إن كان ما يزال يعاني من أي أعراض.

في أيام الحجر، التي كان يتناول خلالها فيتامين سي وخافضات الحرارة التي جلبها معه.  يقول جمال إن المرض كان يأتي ويذهب على شكل موجات. ففي لحظة تختفي الأعراض، ويبدو كما لو أنه تماثل للشفاء. لكن الفيروس يعود بعدها ليضرب بقوة. فيعود الصداع والحرارة والإعياء، ويعود السعال أكثر عنفًا وتواصلًا. «ما كان الواحد يقدر يحكي خمس كلمات ورا بعض». في اليوم الأخير للحجر كانت الأعراض جميعها قد ذهبت، باستثناء فقدان حاستي الشم والذوق، إذ استمر ذلك حوالي 12 يومًا، قبل أن تعودا فجأة، كما ذهبتا فجأة «زي كإنه كهربا قاطعة وإجت».

عندما أنهى جمال فترة الحجر وعاد إلى المنزل، يقول إنه فوجئ باتساع الدائرة التي وصل إليها خبر إصابته. وقد اكتشف ذلك بنفسه من ردّات فعل الناس عندما يرونه في الشارع أو في محلات منطقته التي كان يدخلها للشراء. يقول إن البائع يكون غالبًا دون كمامة، وبمجرد رؤيته يرتدي الكمامة، ويبدأ بتعقيم الأشياء التي لمسها.

وهذا حدث أيضًا عندما عاد للدوام في مدرسته، حيث نسبة الالتزام بارتداء الكمامات والتباعد قليلة، إلا أنه بمجرد دخوله غرفة المعلمين، تسود حالة من التشنج، ومباشرة يرتدي الجميع كماماتهم. ورغم أن الموقف يحز في نفسه كما يقول، لكنه تعلم تحويله إلى مزحة، كي يجنب نفسه وزملاءه إحراج اللحظة، فيقول لهم «آه البسوا الكمامة، بلاش آجي أحضنكم كلكم».

رغم شفائه التام، ما زال جمال حريصًا على الحفاظ على مسافة من والدته. وفي حال تواجد في منزل أهله، يحرص أن يكون طعامه وشرابه في الأطباق والأكواب ذات الاستخدام الواحد. وعندما ترسل والدته الطعام له ولزوجته، تضعه على الباب، وتنزل مباشرة. «المرض مش لعبة» يقول جمال، الذي شعر في مرات كثيرة أن الموت قريب. صحيح أن أعراضه على شدتها كانت أخف من آخرين احتاجوا إلى أجهزة تنفس والعناية المركزة، لكن المسألة هي أن التقلبات الفجائية لحالته، وانتقاله المفاجئ مما يبدو شفاءً تامًا إلى الارتماء في الفراش، جعله يفكر أن الموت نفسه يمكن أن يأتي بهذه الفجائية.

الآن هو أكثر حذرًا، لدرجة أنه يعقم النقود التي يعطيها للزبائن، والتي يأخذها منهم. يقول إن تجربته هذه جعلته أكثر قناعةً بأن هناك ما يجب أن يتغير في نمط التواصل بين الناس، القائم على الالتصاق الشديد، من مصافحة وأحضان وتقبيل. وهو شيء بدأ في تغييره، وينوي الاستمرار فيه «مش لو انتهت كورونا، لو انتهت كل الأوبئة في العالم». 


* أسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها.