«بالواسطة»، تجاوزات في منح رخص القيادة قد تتسبب بالمزيد من الحوادث

«بالواسطة»، تجاوزات في منح رخص القيادة قد تتسبب بالمزيد من الحوادث

الأحد 27 تشرين الأول 2019

سبع حوادث متتالية ارتكبتها الثلاثينية نهاد أحمد* في أقل من عامين عقب نيلها رخصة قيادة من الفئة الثالثة «بالواسطة»، بعد لجوئها لقريب يعمل في دائرة الترخيص، في منطقة الدوار السابع في عمان.

عشرة دروس لم تكن كافية لتأهيل نهاد -التي تقطن منطقة ماركا الشمالية- لكنّها نالت مع ذلك رخصة تمكنّها من القيادة دون كفاءة، حسبما تستذكر بندم. عدم سيطرتها وتغييرها للمسرب أثناء القيادة كبّدتها خسائر عبر تصليح مركبتها والمركبات التي اصطدمت بها مرارًا. كل ذلك أجبرها على الخضوع لدروس تدريب من جديد.

هذا الشكل من التحايل تكرر في 20 حالة مشابهة وثّقتها معدّة التحقيق، الذي يكشف منح رخص قيادة بـ«الواسطة»، ما يعرّض حيوات سائقين وركّاب للخطر، ويهدر آلاف الدنانير على تصليح سياراتهم المحطّمة. ورصدت معدّة التحقيق على مدى ستة أشهر تجاوزات وممارسات غير قانونية، وتحايل على النظام الإلكتروني لمنح الرخص، ما يمكّن أشخاص من نيل رخص قيادة من الفئتين الثالثة والرابعة (خصوصي ومركبات عمومي)، بالاتكاء إلى المحسوبية والواسطة. يكتمل التحايل على ثلاث حلقات؛ مكاتب التدريب، فحصا النظري والعملي في إدارة الترخيص.  

ورغم حوسبة الفحوص وآليات منح الرخص منذ 2010، فإن موظفين في دائرة الترخيص وقيّمين على مكاتب تدريب سواقة يستغلّون ثغرات في النظام الرقمي لصرف رخص دون اكتمال مؤهلات متدربين.  

ووثقّت معدّة التحقيق تجاوزات في مراكز تدريب القيادة أفضت إلى استحصال شهادات تدريب غير قانونية من خلال مكالمة هاتفية، سجّلتها مع «سمسار» شهادات، يشكل حلقة وصل بين طالبي رخص وبين أصحاب مكاتب وموظفين في دائرة الترخيص الذي أكد قدرته على منح شهادة تدريب قيادة دون تدريب.

وفي المكالمة الهاتفية ذاتها، عرض السمسار على معدة التحقيق مساعدتها في اجتياز الامتحان النظري والعملي بنجاح من خلال أحد معارفه في دائرة الترخيص.

ويظهر استبيان غير علمي شمل محافظات المملكة الاثنتي عشرة أن سبعة من كل عشرة مستجيبين أكدّوا أنهم حصلوا على شهادة تأهيل قيادة دون تدريب كامل؛ مقابل دفع الرسوم فقط. إذ أكد 70% من 183 مستجيبًا أنهم لم يخضعوا لعشر حصص تدريب؛ وهي شرط الحدّ الأدنى للتأهيل، بموجب نظام منح رخص قيادة المركبات الصادر عام 2008. 

هذه النسبة المرتفعة من التحايل قد تكون عاملًا في الازدحامات المرورية والحوادث الناجمة عن أخطاء بشرية؛ بما فيها تغيير المسارب، فقدان السيطرة وعشوائية الاصطفاف غير الاحترافي، وفق رئيس جمعية حوادث الطرق نزار العابدي. 

في عام 2018، فقد الأردن في حوادث السير شخصًا كل 15.3 ساعة، وجُرح شخص كل 32.4 دقيقة، فضلًا عن خسارة أكثر من 857 ألف دينار يوميًا، بحسب إحصاءات إدارة السير.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

تجاوزات في الفحصين العملي والنظري

«ما كان فحص العملي حقيقي، خلوني بس أشغّل السيارة وقالولي إنت ناجح»، هكذا يستذكر زين علي* يوم حصوله على رخصة القيادة دون عناء. قبل ذلك، «حكالي أحد معارفي مسؤول عن منح الرخص أوقف التدريب وأروح عنده وراح ينجحني»، بعد أن اجتاز علي الامتحان النظري بمساعدة «صديقه»، خضع للامتحان العملي في اليوم ذاته رغم انتهاء ساعات الفحص الرسمية.

زين ليس حالة فريدة. فقد رافقت معدّة التحقيق إحدى الراغبات في نيل رخصة قيادة في تشرين الأول عام 2018. وهكذا تتبّعت وسائل اجتياز السيدة للفحص النظري والعملي خلال عشرة أيام، ثم نيلها رخصة قيادة من الفئة الثالثة، بمساعدة أحد معارفها.

بدأت رحلة بحث ليلى* عن واسطة بعد أن حدد لها موعد الامتحان النظري بعد حصولها على عشرة دروس في مدرسة القيادة، حتى وصلت إلى من يساعدها. لم يتطلب الأمر منها سوى انتظار مكالمة هاتفية للذهاب إلى قاعة الفحص النظري في ساعة محدّدة وكذلك ساحة الفحص العملي. في الموقعين ذكرت للقيّمين هناك اسم الشخص الواسطة الذي أرسلها.

نتائج الاستبيان تؤشر إلى وجود اتفاق بين موظفين في إدارة السير مع مكاتب تدريب وسماسرة. إذ أكد واحد من كل أربعة مستجيبين (52 من أصل 183) ضلوع مراكز تدريب سواقة في عملية التحايل، عبر إصدار شهادة تدريب مقابل 20 دينارًا، في تجاوز لشرط الحد الأدنى من الدروس المسموح به لتأهيل طالب رخصة القيادة، بموجب تعليمات مراكز تدريب السواقة لسنة 2008، والمادة 5 / أ / 50 من قانون السير رقم 49 لسنة 2008.

ورصدت معدّة التحقيق حالات «واسطة ومحسوبية» في دوائر الترخيص لتسهيل إجراءات منح رخص قيادة لغير مستحقيها.

محمد العلي* (40 عامًا) استعان بأحد أقربائه في إدارة الترخيص لنيل رخصة قيادة «على عجل» -رغم أنه لم يقد مركبة في حياته- وذلك خشية ضياع فرصة عمل سائق في دولة خليجية. ففي أقل من عشرة أيام، استحصل العلي رخصة القيادة دون أن يتدرب أو يخوض تجربة الفحصين؛ النظري والعملي. «بصراحة، جلست خلف المقود في ميدان الفحص، بينما قاد المسؤول السيارة لمسافة قصيرة ثم أبلغني قرار نجاحي»، حسبما يؤكد لمعدّة التحقيق.

ولا تقتصر تجاوزات موظفين في إدارة الترخيص ومدارس تعليم القيادة على «رخصة القيادة – الفئة الثالثة»، وإنما تشمل الفئة الرابعة أيضًا؛ «العمومي» التي يفترض أن تكون أكثر تعقيدًا وبشروط أقسى. إذ رصدت معدّة التحقيق صرف شهادة تدريب دون خضوع المستفيد لأي ساعة تدريب، أعقبها اجتيازه للفحصين النظري والعملي خلال عشرة أيام بمساعدة أحد أقربائه في دائرة ترخيص السلط.

في 24 تموز الماضي، وجّهت معدّة التحقيق خمسة أسئلة إلى مديرية الأمن العام، وهي مظلة جميع الأجهزة الأمنية في المملكة، بحثًا عن ردود حول ضلوع أفراد في دائرة الترخيص في حالات تحايل أفضت إلى منح رخص قيادة بالواسطة. ورغم تكرار التذكرة، أحجمت المديرية عن الإجابة. لكنّها أعلنت بعد سبعة أيام عن أسس جديدة لمنح رخص قيادة المركبات. ولم تنشر المديرية آلية الأسس أو توضح دوافع التغيير؛ فيما إذا جاء نتيجة خلل سابق في قواعد ترخيص السواقين. 

سبق هذا الإعلان تأكيدات من مدير دائرة ترخيص السواقين والمركبات العميد هاشم الخصاونة بأن الدائرة أحدثت تعديلات مرتقبة على آليات الترخيص. 

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

محسوبيات في إدارة الترخيص؟

رحلة بحث الأربعينية وداد محمد* عن «واسطة» بدأت حين كانت تتلقّى دروس تدريب في أيلول 2018. «لا يمكنك أن تنجحي في الامتحان النظري والعملي إلا إذا كان لديك واسطة في الترخيص»، تستذكر وداد شرط مدربة القيادة. 

في البدء، استقبلت وداد «النصيحة» باستغراب، إلا أنها اقتنعت لاحقًا بأن التدريب «أمر شكلي». وهكذا، أصبحت وداد جاهزة للامتحان النظري بعد سبع ساعات من التدريب. في قاعة الفحص النظري، سيطر الخوف والارتباك عليها خشية أن ينسى «الواسطة» مساعدتها. «بقيت قلقة في أول 15 دقيقة من الفحص (مدتّه 45 دقيقة)، حتى وقف أحد مراقبي الامتحان بجانبي وظهره لكاميرا المراقبة، وطلب عدم الإجابة عن أي سؤال. ثم نقّلني الإجابات الصحيحة بحجّة أنه يساعدني على قراءة الأسئلة»، حسبما تشرح. 

على أن وداد أخفقت في أول فحص عملي لأن قريبها اضطر لمغادرة مركز عمله في دائرة الترخيص قبل موعد الفحص. لكنّها نجحت في المحاولة الثانية بعد أن نسّقت مع قريبها.

مدير إدارة ترخيص السواقين والمركبات، العميد هاشم الخصاونة، يؤكد أن الفحص النظري يجرى رقميًا تحت الكاميرات وإشراف متخصّصين. «هناك كاميرات ومراقبون، ممكن في ناس تفهم قراءة المراقب للسؤال بأنها تنقيل للإجابة»، يوضح العميد الخصاونة في مقابلة مع معدّة التحقيق. 

يؤكد الخصاونة أن توضيح أسئلة لأي متقدم هو إجراء «قانوني»، لمساعدة «أشخاص يفهمون اللغة المحكية، الأصم، أو ربما يكون أمّي ولا يعرف القراءة». ثم يستدرك: «[التنقيل] مستحيل إطلاقًا، لا يمكن أن يكون هذا الكلام موجودًا». 

ويحجم مدير إدارة الترخيص عن التعليق على ما وثقّته معدّة التحقيق من حالات «تنجيح» متقدمّين لفحص القيادة بشقيه النظري والعملي. «مثل هذه الممارسات تشكّل «خيانة»، يؤكد بحسم، مشككًا في تجارب المصادر التي قابلتها معدّة التحقيق: «هذا الكلام مش صحيح. مرفوض تمامًا بتعليمات مديرية الأمن العام، ولا يمكن أن يكون داخل إدارات الترخيص في المملكة الأردنية الهاشمية». 

لكن في حين يشدّد الخصاونة على اشتراك أكثر من جهّة في منح الرخصة وتدقيق معلومات المتقدم للفحص، يؤكد في الوقت نفسه ضبط العديد من محاولات التحايل دون أن يحدّد عددها أو إذا كان لموظفين في الدائرة صلة بها: «عندنا حالات كثيرة باستمرار لأشخاص يحاولوا أن يقدموا [الفحص] عن شخص آخر ويتم تحويلهم لأخذ الإجراء القانوني»، دون أن يحدّده. وبموجب نظام إدارة السير، فالجهة المنوط بها محاسبة المشتبه بهم من رجال الأمن هي محكمة الشرطة.

الخصاونة يؤكد أن إدارة الترخيص لم تتلق أي شكاوى بحق رجال أمن تتعلق بمحسوبية أو رشاوى، باستثناء تلك المتصلة بالتشكيك بنتائج الفحوص. «لا يوجد رشاوى بين مرتبات إدارة الترخيص نهائيًا. هذا الباب مغلق تمامًا بالنسبة لنا، وعقوبته مغلّظة وتصل إلى الطرد من الخدمة مهما كانت الرتبة أو مدّة الخدمة، ولا تهاون فيه».

وللحد من تحايل مراكز تدريب القيادة عبر منحها شهادات «كفاءة» دون إخضاع المتقدمين للحد الأدنى من ساعات التدريب، يقول الخصاونة: «نحن بصدد تعديل نظام الربط الإلكتروني بين إدارة الترخيص ومراكز التدريب»، بما يمكّن الإدارة من مراقبة صرف الشهادات على مدار الساعة وقطع الطريق على حالات منح شهادات خارج الأنظمة المتبعة. فالتعليمات النافذة حتى إعداد هذا التحقيق تسمح بصرف «شهادة الكفاءة» دون شرط الحد الأدنى من حصص التدريب، وذلك في حالات استثنائية، تضبطها «فسحة» قانونية، بناء على تقييم لجنة تضم مدربين اثنين في مراكز تدريب القيادة. 

من جانبه، يقرّ أحد مرتبات إدارة الترخيص بوقوع تجاوزات في منح الرخص. «للأسف هناك محسوبية وواسطة في الحصول على رخص القيادة في الأردن». ويؤكد الموظف -الذي فضّل حجب اسمه- أن عشرات الأشخاص يتقدمّون للفحصين النظري والعملي يوميًا مسلحين «بواسطة» في دائرة الترخيص. كما تصرف مراكز تدريب شهادات كفاءة دون إخضاع المتقدمين لشروط التدريب، حسبما يشكو: «نحن نعلم عن هذا الأمر حتى في أحيان كثيرة لما نكون بدنا نساعد حدا نحكيله جيب شهادة تدريب وارجع لنا».

«الحصول على رخصة دون واسطة صعب جدًا، وكل الأردن بتعرف هذا الحكي»، يجادل محمود زيادة*، الذي نال رخصته عام 2011 بمساعدة «أحد معارف» والده في إدارة ترخيص السلط. في البدء، حصل على شهادة تدريب مقابل 20 دينارًا، علما أن رسوم التدريب لا تقل عن 70 دينارًا (سبعة دنانير مقابل كل حصّة مدتّها 45 دقيقة). وفي «يوم واحد» نجح زيادة في فحصي النظري والعملي ونال الرخصة، ثم عاد إلى محافظته التي تبعد عن إدارة الترخيص 200 كم. «الواسطة بتعمل كل شيء»، يقول زيادة بزهو. 

«رغم حوسبة نظام منح الرخص، لا تزال هناك منافذ تمكّن من منح رخصة القيادة بالواسطة»، يقول الموظف إدارة الترخيص، مؤكدًا حالات الخرق التي رصدتها معدّة التحقيق. إذ يجلس الطالب للفحص النظري مقابل الحاسوب، ويساعده المراقب في الإجابة واجتياز الفحص دون أن يبين لمن حوله، معطيا ظهره لكاميرا المراقبة.

منظمة الصحة العالمية تحذّر من أن «منح رخص قيادة مركبات عبر الواسطة يضع السائقين في ظروف تهدّد حياتهم وحياة الآخرين في المخاطر». 

ولم تستطع معدّة التحقيق النفاذ إلى بيانات حوادث السير -لدى إدارة الترخيص وشركات التأمين- لاحتساب نسبة الحوادث المميتة الناجمة عن ضعف قدرات أو جهل سائقي المركبات. لكن بالمحصلة، يقع حادث مروري ينتج عنه خسائر بشرية كل 50.3 دقيقة، ويقع حادث دهس كل 2.5 ساعة، ويصاب شخص كل 32.4 دقيقة، في حين يتسبب الحادث المروري بوفاة واحدة كل 15.3 ساعة.

* الأسماء مستعارة.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم من شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) وإشراف مختار الإبراهيم. الإشراف العام سعد حتر.