موجتا تسمم جماعي في عين الباشا تثيران التساؤلات حول الرقابة على الغذاء

الثلاثاء 11 آب 2020
أحد محلات الشاورما المغلقة بأمر من مؤسسة الغذاء والدواء في عين الباشا. تصوير منار حافظ.

في الرابعة والنصف فجرًا من يوم الثلاثاء 28 تموز الماضي، تفاجأت الأمّ سلام (25 عامًا) بابنيها يتقيآن، وبحرارتهما مرتفعة، لتأخذهما على الفور إلى المستشفى، وهناك اكتشفت أنهما قد أصيبا بحالة تسمّم.

كانت سلام قبلها بيوم قد أخذت أطفالها الثلاثة إلى السوق لتشتري لهم ملابس للعيد، وهناك تناولوا وجبات شاورما من أحد مطاعم مجمّع الباصات في منطقة البقعة التابعة للواء عين الباشا في محافظة البلقاء. أحد أطفالها الثلاثة لم يتناول كمية كبيرة ولم تظهر عليه أعراض تسمم، كما أنها هي الأخرى تناولت وجبة دجاج مقلي ولم تصب بأعراض تسمم، كما تشرح.

تلك الليلة، بدأت أعراضٌ مرضية بالظهور على عدد ممن أكلوا من أحد مطاعم البقعة الذي يقدم وجبات دجاج أو شاورما. وحتى يوم السبت، ثاني أيام عيد الأضحى، كان عدد من راجعوا المستشفيات الحكومية والخاصة والمراكز الصحية قد تجاوز 800 شخص، وتوفي منهم طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف، ورجل يبلغ من العمر 41 عامًا.

خلال هذه الفترة صدرت تصريحات عن مؤسسة الغذاء والدواء تفيد بأن سبب التسمم يعود لبكتيريا تتواجد في الدجاج أو البيض الذي يُصنع منه المايونيز، تنمو في ظل ارتفاع درجات حرارة الطقس، وقد ينقلها أحد العاملين بسبب قلة النظافة، مشيرة أيضًا إلى خللٍ في أجهزة التبريد في المطعم. وردًا على شائعات تم تناقلها حول كون المياه سبب التسمم، قالت وزارة المياه والري إن نوعية مياه الشرب في جميع مناطق المملكة سليمة ومطابقة للمواصفات الأردنية، خاصة منطقة عين الباشا.

مساء ثاني أيام العيد، بدأ العشرات في لواء عين الباشا بمراجعة المستشفيات مجددًا، وتبيّنت إصابتهم بحالات تسمم لتناولهم وجبات دجاج أو شاورما من مطاعم مختلفة، وقارب عددهم 200 شخص. على إثر هذا توسّع مسار التحقيق في الواقعة، ولم تعد أصابع الاتهام موجهة لمطعم واحد. فيما أوعز وزير الصحة بحصر التصريح في القضية بالمؤسسة العامة للغذاء والدواء. 

مئات الإصابات في الموجة الأولى من التسمم

يصف الدكتور محمد العابد، مدير مستشفى الأمير الحسين الذي يخدم منطقة لواء عين الباشا، ما حصل بالجائحة. وبحسبه فقد تعاملت طواقم المستشفى مع 85% من الحالات، فيما توزعت بقية الحالات على مستشفيات أخرى، وعلى مركز صحي عين الباشا.

مدير الشؤون الصحية في محافظة البلقاء الدكتور وائل العزب أوضح أن أعراض التسمم التي ظهرت على المصابين تتمثل بارتفاع درجات الحرارة والاستفراغ والإسهال والمغص والدوار، وهناك من لا يحتملون هذه الأعراض خاصة الأطفال، بسبب حدوث جفاف شديد ونقص في مواد غذائية مثل البوتاسيوم قد تؤثر سلبًا على عضلة القلب.

تأتي حادثة التسمم الجماعي في ظل مواجهة الأردن كما دول العالم لجائحة فيروس كورونا المستجد، والتي تطلّبت إجراءات صحية مشددة، وشروط سلامة تفرض ارتداء القفازات والكمامات، خاصة في المطاعم والمحال التجارية الكبرى.

بعد يومين من بدء الموجة الأولى من حادثة التسمم الجماعي في لواء عين الباشا خرج نزار مهيدات مدير عام مؤسسة الغذاء والدواء في مؤتمر صحفي مشترك ضم وزير الصحة سعد جابر ومسؤولين آخرين، قال فيه إن نتائج الفحوص المخبرية للعينات في المطعم أظهرت وجود بكتيريا العطيفة (Campylobacter) وبكتيريا معوية البراز (Enterococcus faecalis) وبكتيريا عصوية شمعية (Bacillus cereus)، عازيًا السبب لمخالفة قواعد السلامة العامة في المطعم، إضافة لوجود وحدة تبريد لا تعمل بكفاءة داخل مشغل تحضير الشاورما.

وفي تصريح لحبر، قبل بدء الموجة الثانية من حالات التسمم، قال إن هذا النوع من البكتيريا يتوفر في المنتجات البروتينية كالدواجن واللحوم والبيض، ويزداد نموه عند ارتفاع درجة حرارة الطقس، وقد تنتقل عبر الأشخاص بسبب عدم أخذ احتياطات النظافة اللازمة من غسل لليديْن واستخدام للقفازات.

هذا النوع من البكتيريا يتوفر في المنتجات البروتينية كالدواجن واللحوم والبيض، ويزداد نموه عند ارتفاع درجة حرارة الطقس، وقد تنتقل عبر الأشخاص بسبب عدم أخذ احتياطات النظافة اللازمة من غسل لليديْن واستخدام للقفازات.

وأمّا في حالة التسمم الجماعي في مطعم البقعة، قال مهيدات لحبر حينها إن البكتيريا تواجدت في الدجاج والبيض الذي يصنع منه المايونيز وساهم الخلل في أجهزة التبريد، ووجود مخالفة مسلكية متعلقة بعدم اتباع القواعد الصحية والنظافة بانتقال البكتيريا. وصرّح كذلك بأن هذه المخالفة ليست الأولى للمطعم، إذ أغلق بحسبه في حزيران الماضي لمخالفات متعلقة بسلامة أجهزة التبريد، وأعيد فتحه لاحقًا لتصويب أوضاعه.

قوبلت تلك التصريحات بنفيٍ من نبيل الشطرات، أحد العاملين في المطعم وشقيق مالكيه، حيث أكد أن غرف التبريد في المطعم سليمة «فقط في كوندشن ضعيف بغرفة الشك»، وأن هناك اهتمامًا شديدًا بنظافة العمّال وأدوات تحضير الطعام، وأنهم يحضرون المايونيز من الثوم والنشا والزيت ولا يستخدمون البيض في تحضيره، كما أن مطعم أشقائه لم يغلق قبل هذه الحادثة.

وعلّق الشطرات حول ما رُوّج له عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أسعار مخفضة لوجبات الشاورما في المطعم البقعة كانت وراء التهافت عليه، بالقول إن إدارة المطعم لم تقدم عروضًا لا في الفرع المغلق ولا في فرع جديد كانت تنوي افتتاحه في الأسبوع الذي وقعت فيه الحادثة، مطالبًا بتحقيق شامل ينصفهم. مصابون وأقارب لمصابين قابلتهم حبر في مستشفى الأمير حسين الحكومي بعد يومين من الحادثة نفوا أيضًا أن يكون المطعم قد روّج لعروض على أسعار الوجبات التي يقدمها وأنهم اعتادوا الشراء من المطعم ويفضلونه.

كما قال النائب في مجلس النواب الأردني، والممثل للمنطقة، مصطفى ياغي، إنه لم يبّلغ ولم يسمع بإغلاق المطعم قبل هذه الحادثة. أحمد (28 عامًا) يعمل في محل مجاور للمطعم يملكه شقيقه منذ نحو 12 عامًا، يقول إنه لم يشهد إغلاقًا لمطعم الشاورما قبل هذه الحادثة ويلفت إلى أن العمال فيه كانوا يرتدون القفازات ويهتمون بالنظافة «ولو يرجع يفتح المطعم مرة ثانية باكل منه». وأكد مسؤول مُطّلع في وزارة الصحة، فضل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتصريح، أنه على مدار عمله في المنطقة لسنتين لم يشهد إغلاقًا لمطعم الشاورما قبل هذه الحادثة.

راجعنا مهيدات مجددًا برواية الشطرات، وذلك قبل أن تبدأ موجة ثانية من التسمم الجماعي، إلا أنه أصر بأن المطعم أُغلق في شهر حزيران بسبب أجهزة التبريد، وأمّا مخالفته الحالية فقال إنها بسبب التبريد، ووجود بكتيريا منقولة بطريقة غير صحية. وطلبت حبر من مهيدات ومسؤولين آخرين في مؤسسة الغذاء والدواء إطلاعها على كتاب إغلاق المطعم في شهر حزيران لكن لم تزود به حتى ساعة نشر التقرير. 

موجة تسمّم ثانية توسّع التحقيق 

إثر تزايد حالات التسمم بعد ثاني أيام العيد، الأول من آب، وورودها من مطاعم مختلفة في منطقة عين الباشا نفّذت مؤسسة الغذاء والدواء عدة إجراءات منها التفتيش على مشاغل تقطيع وتسحيب الدواجن، وتفتيش مستودعات تخزين الدجاج المقطع والمسحب، وتفتيش جميع مطاعم الشاورما، والتحقق من مصدر الدجاج المزود لهم، أُغلقت إثرها عدة منشآت وأُنذرت أخرى، وأشارت نتائج فحوص عينات بعد حادثة التسمم الجماعي الثانية لوجود نمو بكتيري كثيف سببه سوء التخزين في مراكز توزيع الغذاء، بحسب ما أوردت بيانات صادرة عن المؤسسة وحصلت حبر على نسخة منها.

مصدر تلوث وجبات الشاورما هو مركز توزيع اللحوم والدجاج على المطاعم وليست المطاعم ذاتها.

في تصريحات نشرت عقب الحادثة، قال مدير عام مؤسسة الغذاء والدواء إن مصدر تلوث وجبات الشاورما هو مركز توزيع اللحوم والدجاج على المطاعم وليست المطاعم ذاتها. كما أوضح أن مراكز توزيع اللحوم لا تخضع لرقابة مؤسسة الغذاء والدواء بل لوزارة الإدارة المحلية والبلديات وأمانة عمان.

وبعد اعتراض رئيس بلدية عين الباشا جمال الفاعوري على تصريحات مهيدات، عادت مؤسسة الغذاء والدواء وأعلنت أن مسؤولية التفتيش على مراكز توزيع اللحوم تخضع لرقابة مباشرة من المؤسسة العامة للغذاء والدواء أو من خلال وزارة الصحة ضمن أحكام مذكرة تفاهم بين الجهتين.

ويشير موقع مؤسسة الغذاء والدواء الإلكتروني إلى أن آلية التفتيش تتم على النحو الآتي: «يقوم مفتشو الأغذية تحت إشراف المؤسسة العامة للغذاء والدواء بالرقابة على المصانع الغذائية والمؤسسات الغذائية الأخرى، حيث تقوم هذه الكوادر من خلال آلاف الزيارات التفتيشية سنويًا بالتأكد من توفر الاشتراطات الصحية في هذه المؤسسات ومن جودة المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق، كما تقوم بالتحقق من دقة البيانات المثبتة على عبوات المواد الغذائية بهدف الحفاظ على صحة المستهلكين وحمايتهم من الغش».

لكن وبحسب مسؤول في مؤسسة الغذاء والدواء، رفض ذكر اسمه، فإن عدد موظفي التفتيش التابعين مباشرة للغذاء والدواء يبلغ 89 موظفًا. وبحسب تصريحات لمهيدات عبر مؤتمر صحفي، ففي الأردن ما يزيد عن 64 ألف منشأة غذائية، بينها ما يقارب 45 ألفًا تخضع لرقابة مباشرة من المؤسسة العامة للغذاء والدواء، ويتبع ما تبقى لأمانة عمان أو البلديات أو وزارة الصحة بموجب اتفاقيات مبرمة مع المؤسسة.

وبحسب موقع المؤسسة، فإنها «تعتمد (..) في رقابتها على المؤسسات الغذائية، نظامًا يصنّف المؤسسات الغذائية لفئات خطورة صحية عالية ومتوسطة ومنخفضة، حسب طبيعة المادة الغذائية التي يتم إنتاجها أو تداولها في المنشأة و طبيعة عمليات التداول ومدى التزام المؤسسة بالتشريعات الضابطة لسلامة الغذاء». 

وتعرّف المؤسسة العامة للغذاء والدواء الأغذية عالية الخطورة بأنها تلك التي تساعد على نمو وتكاثر البكتيريا وقد تؤكل بدون طهي أو تطهى بطريقة لا تبيد البكتيريا، كاللبن والحليب ومنتجات الألبان والبيض واللحوم والأسماك والخضراوات، كما تشمل أي غذاء جرى تداوله أو تخزينه على درجة حرارة غير مناسبة لحفظه. 

كما وضعت المؤسسة برنامج رقابة مخصص لمطاعم الشاورما واشترطت على المطاعم أن تكون لديها رقابة ذاتية على «المواد الغذائية الخام المستخدمة في إعداد وجبة الشاورما وملحقاتها، وكذلك عملية التصنيع والمنتج النهائي، إضافة للنظافة العامة في مرافق المطعم وأعمال الصيانة ونظافة العاملين الشخصية».

مهيدات أوضح في تصريح صحفي أن للمؤسسة أربعة مراكز إقليمية في المملكة تتوزع في الزرقاء والكرك والسلط والعقبة إضافة للمبنى الرئيسي في عمّان، وهناك سبع محافظات ليس فيها مكاتب للمؤسسة ممّا استدعى توقيع اتفاقية مع وزارة الصحة يفوضها بالرقابة على المؤسسات الغذائية.

وأعقب أن الجهات الرسمية لم تنسحب من المسؤولية، فمسؤولية الرقابة والتفتيش على المنشآت الغذائية تقع على مؤسسة الغذاء والدواء وفقًا للقانون، وحادثة التسمم الجماعي خطأ فردي ناتج عن «سوء التخزين في المزود الرئيسي، بعد شرائه أطنانًا من الدجاج»، كما أن حالات التسمم موجودة في كل بقاع العالم.

وبموجب قانون الرقابة والتفتيش على الأنشطة الاقتصادية لسنة 2017، فإن المؤسسة العامة للغذاء والدواء الجهة المسؤولة عن الرقابة والتفتيش على كل ما يتعلق بالغذاء والدواء بما في ذلك أنشطة تصنيع أو إنتاج أو تداول الغذاء وكل ما يتعلق بضمان سلامة الغذاء من شروط ممارسة العمل، والمواد الغذائية الخام والمصنعة.

وقال وزير الصحة سعد جابر إن الوزارة قررت تحويل المتسببين في الحادثة للمدعي العام لاتخاذ الإجراءات القانونية ومحاسبة المقصرين. كما خاطبت الوزارة النائبَ العام لاتخاذ الإجراء القانوني اللازم بحق أي مخالف من كوادر وزارة الصحة أو المؤسسة العامة للغذاء والدواء أو أي جهة أوكلت لها مهام التفتيش والمراقبة على مطعم البقعة. وأوقفَ مدعي عام محكمة عين الباشا سبعة أشخاص على ذمة التحقيق في قضية التسمم الجماعي بحسب قناة رؤيا، بينهم صاحبا مطعم البقعة وعامل فيه وصاحب مركز توزيع لحوم.

جدل حول مصدر الدواجن 

بعد الموجة الثانية لحالات التسمم الغذائي، ثار جدل آخر سبّبه كتاب تداولته وسائل إعلام، صادر عن رئيس الاتحاد النوعي لمزارعي الدواجن فارس حمودة في حزيران. يتحدث الكتاب عن السماح بدخول لحوم دواجن من أوكرانيا، رغم أن وزارة الزراعة وهي الجهة المخولة في هذه الحالة قد حظرت الاستيراد من أوكرانيا بداية 2020 لظهور مرض فيروسي وبائي في أوكرانيا. ردت وزارة الزراعة بنفي الكتاب وطلبت تدخل هيئة النزاهة ومكافحة الفساد.

حاولت حبر التواصل مع حمودة مرارًا دون رد، لكن رئيس غرفة تجارة عمان ونقيب تجار المواد الغذائية خليل الحاج توفيق قال إن الدجاج المضبوط في مستودع توزيع لحوم في عين الباشا مصدره مصنع محلي ينتج الدواجن وليس من منشأ أوكراني.

ويشرح ممثل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن رائد حمادة لحبر أن مطاعم الشاورما لا تلجأ للدجاج المستورد أو المجمّد، نظرًا لكلفة فك التجميد، وإنما تعتمد على الدجاج المحلي، وكثيرًا ما تلجأ للدجاج المسحب الجاهز لافتًا إلى أن هناك حوالي 1500 مطعم شاورما في الأردن.

وبحسب الحاج توفيق، تلجأ بعض المطاعم للحصول على بضائعها من تاجر مورد بدلًا من الشركات مباشرة لأنها في هذه الحالة من الممكن أن تحصل على كافة المستلزمات من لحوم وبطاطا ومخللات، كما أن بإمكانها الاستدانة.

العزب قال لحبر إن جميع المصابين بحالات التسمم خرجوا من المستشفيات بعد تلقيهم العلاج اللازم، وأوضح أن مؤسسة الغذاء والدواء المسؤول عن التفتيش على المنشآت الغذائية في كل المملكة، لكنها تستعين بكوادر وزارة الصحة في بعض المناطق عند عدم توفر مكاتب في المؤسسة.