«الكل مصدوم»: كيف وقعت حادثة المستشفى الإيطالي في الكرك؟

زجاج مهشم في ممر داخل مختبر المستشفى الإيطالي في الكرك، بعد حادثة إطلاق النار والحريق التي حصلت صباح الإثنين. تصوير عمار الشقيري. تصوير عمار الشقيري.

«الكل مصدوم»: كيف وقعت حادثة المستشفى الإيطالي في الكرك؟

الأربعاء 26 حزيران 2019

قادمًا من مكان سكنه قرب المستشفى الإيطالي في الكرك، توجه أحمد الهلالات صباح يوم الإثنين إلى مكان عمله في مختبر المستشفى، وأطلق النار على زميليه؛ ناصر الخريسات مدير المختبر، وعبد الله البيطار، المدير الفني. توفي البيطار بُعيد إصابته، في حين يرقد الخريسات في حالة حرجة.*

كان هذا اليوم الثاني للهلالات في عمله بعد إجازة امتدت عشرة أيّام قضاها في تايلند، باشر بعدها عمله يوم الأحد في المناوبة المسائية منذ الساعة الرابعة مساءً، بحسب عدد من زملائه والمقربين منه تحدّثت معهم حبر.

لا يعرف أحدٌ بالضبط ما الذي جرى ذلك الصباح، لكن مدير المستشفى، الدكتور عوض الضمور، قال لحبر إنه شاهد تسجيلات الكاميرات للحادثة، وإن الهلالات دخل المختبر حاملًا سلاحًا. 

بحسب الضمور، أطلق الهلالات النار أولًا باتجاه البيطار، الذي أصيب في منطقة الرأس والصدر، بحسب كادر طبي في المستشفى كان حاضرًا بعد الحادثة بقليل وعاين الإصابة. ثم تلقى الخريسات رصاصات في منطقة الظهر والبطن. أما الهلالات، فقد خرج من المختبر بعد إطلاق الرصاص والنار تشتعل في جسده، ليصاب بحروق بليغة توفي على إثرها صباح اليوم الأربعاء.

يقول الدكتور بشّار القسوس، المدير التنفيذي لشركة المختبرات الطبية الدقيقة (PML) التي يتبع لها المختبر الذي شهد الحادثة، لحبر إن الشركة قررت نقل الهلالات إلى أحد فروع عمان. ويضيف أن الهلالات أُبلغ بقرار النقل قبل الحادثة. وهو قرار شمل عددًا من العاملين في الشركة أيضًا. وبعد أن تم تداول أنباء عن أن الهلالات فُصل ولم ينقل، نشرت صفحة الشركة على فيسبوك صورة لكتاب نقل مؤرخ بتاريخ 20 حزيران، يظهر عليه توقيع القسوس.

في مختبر المستشفى الإيطالي، غطّت الدماء مكتب الخريسات وبدا المبنى كلّه سليمًا تقريبًا من أي أثر للنيران سوى كسر في الزجاج الذي يفصل مكتب الخريسات عن الممر، بالإضافة إلى أثر طلقة على حائط أحد جدران المكتب، كما شاهدت حبر. غرفةٌ وحيدة هي التي احترقت بالكامل، وهي الغرفة التي تحتوي معدات التحليل.

مدخل المختبر، ومكتب الخريسات، وغرفة التحاليل المحترقة. تصوير عمار الشقيري.

لم يشهد أحد على ما جرى بعد إطلاق الرصاص على البيطار والخريسات، إذ لم يكن في المختبر سوى ثلاثتهم، بعد أن أخرج الهلالات العاملات في المختبر من المكان، بحسب ما نقله الضمور عمّا رآه في تسجيلات الكاميرات. كان هذا آخر شيءٍ قبل أن تشتعل النار في غرفة التحاليل في المختبر وفي جسد الهلالات، دون أن يتبين في التسجيلات ما إذا كان الهلالات قد سكب على نفسه مادة حارقة وأشعل النار في نفسه والمختبر، أو أنه أصاب بالخطأ بطلق ناري إحدى حافظات الأكسجين أو الكحول القابل للاشتعال، فاشتعلت وأحرقته والغرفة، كما يخمّن الضمور والقسوس.

يقول الضمور إن التسجيلات لم تظهر أن الهلالات سكب على نفسه شيئًا، كون الكاميرا داخل غرفة التحاليل احترقت. «التوقع الرئيسي هو حرق المختبر من جوا لما كان السبيرتو [مشتعل]. ما لحق يطلع، هو بده يفل من النار، ما قدر». هذا ما ذهب القسوس إليه كذلك، إذ قال: «هو مش ناوي يحرق حاله، ناوي يحرق جوا ويظل طالع، فـ[النار] شبّت فيه من ورا».

خرج الهلالات ركضًا من الغرفة عبر الممر، ليصل إلى باب المختبر الخارجي مشتعلًا، فيما انتشرت قطع من ملابسه وحذائه المشتعل على أرضية الممر. في تلك اللحظة، هرع بائع لبن كان في الأرجاء لرش الهلالات بالماء، وحين أُخمدت النار، توجه أحد الكوادر الطبيّة في المستشفى، والذي فضل عدم ذكر اسمه، لإسعافه. «كلّ واحد كان يقرّب منه يحاول يسعفه يحكيله [الهلالات] لا تقرّب.. اللي بيقرب رح أزعّله، اتركوني أموت. اتركوني أموت لحالي»، يقول المُسعف لحبر.

في هذه الأثناء كانت وحدة غسيل الكلى في المستشفى، والمجاورة للمختبر، تضم ستّة مرضى بينهم حامد الكساسبة. «صار الطخ الساعة تسعة ونص أو تسعة وثلث. سمعنا الطخ طلعوا الشباب الممرضين. جانا غاز، دخنة فاتت علينا وانخنقنا، فكوا عنا الأجهزة، وأجا الدفاع المدني أسعفونا. شفت واحد ملتمين عليه [برا]»، يقول الكساسبة. وحسبما نقلت وسائل إعلام، فقد أعلن الأمن العام عن إصابة سبعة أشخاص بالاختناق جراء الحريق، إلى جانب إصابة الخريسات والبيطار بالرصاص، والهلالات بالحروق.

قرابة الساعة العاشرة، وصل الدفاع المدني والشرطة، وأُسعف الهلالات إلى مستشفى الكرك الحكوميّ. يقول مدير مستشفى الكرك الدكتور معاذ المعايطة إن الهلالات حاول رفض العلاج في البداية. «هو أجا أول ما استقبلوه حاولوا يركبوله كانيولا [إبرة تغذية] لتعويض السوائل، سحب الكانيولا من إيده، بعدين حطّوله مغذيات وتنفس صناعي وعملوله كل الإجراءات»، يقول المعايطة.

قرابة الساعة الخامسة مساء من اليوم نفسه، حوّل مستشفى الكرك الحكومي الهلالات إلى مستشفى البشير، لدواعٍ أمنية، إذ لا يوجد في مستشفى الكرك نظارة، بحسب المعايطة، الذي يضيف أن وضعه كان مستقرًا.

في الساعة 11:20 من صباح اليوم الأربعاء، تُوفي الهلالات في مستشفى البشير، نتيجة إصابته بحروق من الدرجتين الثانية والثالثة غطت أكثر من 75% من جسمه، وفقًا لمدير مستشفى البشير، الدكتور محمود الزريقات. 

وإجابة على سؤال حبر حول ما إذا كانت حروق الهلالات تشي بالطريقة التي احترق بها، إن كان أشعل النار بنفسه أم وصلته النار المشتعلة في المختبر، يقول الزريقات إنه لا يمكن الجزم، لكن الحروق اللهيبيّة التي أصيب بها الهلالات، هي التي تبدأ من أسفل الجسم لأعلى. كما لم يؤكد أو ينفِ وجود مادة حارقة على جسم الهلالات.

لم يُعرف حتى الآن بشكل مؤكد ما إذا كان احتراقه معتمدًا أم لا. لكن في حال كانت تلك بالفعل محاولة منه للانتحار، فستكون المحاولة الثانية. فالهلالات الذي عمل قبل مختبر المستشفى الإيطالي في مختبرات مستشفى خاص في العقبة لمدة خمس سنوات ونصف، حاول الانتحار عام 2017 بعد أن طلبت منه إدارة المختبر السابق أن يقدم استقالته، حسبما روى لحبر زميلان سابقان له في المستشفى الخاص.

دفن ذوو عبد الله البيطار جثمانه يوم الثلاثاء في مقبرة مادبا. توفي البيطار عن عمر 30 عامًا، وهو متزوج منذ أقل منذ سنة، وله طفل رضيع، وُلد قبل الحادثة بأقل من شهر، وهو من سكان مدينة مادبا. وبحسب صديق مقرب من البيطار، زامله في الجامعة، فقد دخل البيطار جامعة العلوم والتكنولوجيا عام 2007، في تخصص المختبرات الطبيّة. وعمل في عدة مختبرات في عمّان، قبل أن يعمل في مختبر المستشفى الإيطالي قبل سنةٍ تقريبًا. وبحسب شهادات متقاطعة لحبر، فقد كان الهلالات صديقًا مقربًا من البيطار، وحضر حفل زفافه السنة الماضية. 

أما ناصر الخريسات الذي ما يزال يرقد في المدينة الطبية في عمان، فيبلغ من العمر 55 عامًا، وهو متقاعد برتبة عميد من الخدمات الطبيّة الملكيّة، ويعمل منذ سنةٍ تقريبًا مديرًا طبيًا لفرع المختبرات الطبيّة الدقيقة في المستشفى الإيطالي بالكرك، بحسب ما يقول شقيقه هاشم الخريسات. وهو متزوجٌ، وله ولدان، وثلاث بنات، ويسكن في عمان. 

قبل عمله في المستشفى الإيطالي، الذي بدأ عام 2017، عمل الهلالات في مختبرات مستشفى خاص في العقبة، منذ أيلول 2011، وسكن في العقبة خلال تلك المدة. وقبل ذلك، خدم في الخدمات الطبية الملكية بين عامي 1998 و2011. 

«قاعدين امبارح ع باب المستشفى، والكل مصدوم»، يقول أحد العاملين في المستشفى، واصفًا العلاقة بين الهلالات وزملائه بالطيبة. وبحسب شهادات متقاطعة جمعتها حبر من زملاء حاليين وسابقين له، فقد كان الهلالات شخصًا جديًا ومتفوقًا في عمله وملتزمًا به. كما أنه كان جار الخريسات في السكن الذي عاش فيه قرب المستشفى. لكن الشهادات أجمعت كذلك على أنه كان كتومًا وأبقى مسافة بينه وبين أصدقائه على الدوام، إذ لم يعرفوا الكثير عن ماضيه أو عائلته أو حياته خارج العمل.

ترك الهلالات المستشفى الذي عمل فيه في العقبة في كانون الثاني 2017. وبحسب زميل سابق في المستشفى في حينه، فضّل عدم ذكر اسمه، فقد كانت هناك خلافات بينه وبين إدارة المستشفى، انتهت باستقالته، بناء على طلب الإدارة. «هم طلبوا منه الاستقالة (..) هو كان مناكفات هو وإدارة المختبر، يعني متذبذبة، خلينا نقول، بس شدت في آخر سنة»، يقول الزميل.

بعد يوم أو اثنين من إخطار المستشفى للهلالات لتقديم استقالته، حاول الهلالات الانتحار. وعن ذلك، يقول الزميل السابق إن الهلالات غاب عن العمل ثلاثة أيام دون أي إبلاغ. «ما حدا بعرف عنه إشي بعد ما الإدارة طلبت منه الاستقالة». كان هذا الزميل يعرف أين يسكن الهلالات، ويعرف مالك العمارة الذي يستأجر شقة فيها، وتقع مقابل المستشفى. يقول الزميل إن مالك العمارة جاء إلى المستشفى وسأله عن أحمد، قائلًا إن هناك رائحة غاز في العمارة، يعتقد أنها منبعثة من شقته. «مباشرة حكى مع الدفاع المدني والأمن، إجوا وأنا كنت معهم، وفتحوا الشقة، ووجدوا إنه فاتح أسطوانة الغاز»، يقول الزميل السابق.

وبحسب مصدر مطلّ على الحادثة، فضّل عدم ذكر اسمه، فإنهم عندما دخلوا الشقة على الهلالات، وجدوا أنه كان يحاول تصفية دمه عبر سحبه بإبرة، في حين كان الغاز ينتشر في الشقة. حضرت الشرطة والدفاع المدني، وأُنعش الهلالات واستعاد وعيه، ليُنقل خارج الشقة، بحسب المصدر.

بحسب الزميل السابق، فقد مرّ الهلالات خلال فترة عمله في العقبة بطلاق، كان الثاني له. وكان طلاقه هذا قبل ثلاثة أشهر من طلب المستشفى منه تقديم استقالته، ثم محاولته الانتحار.

ووفقًا للمصدر المطل على محاولة الانتحار، فقد ظل الهلالات في الشقة نفسها بعد طلاقه، وكان قليل الاختلاط بالناس، وقليلًا ما كان يستقبل الضيوف.

يقول زميل للهلالات في المستشفى الإيطالي، فضّل عدم ذكر اسمه، إن الهلالات تواصل معه بُعيد عودته من السفر، وعبر له عن اشتياقه له ورغبته في لقائه. لكنه حين التقاه يوم الأحد، بعد أن تم تبليغه بنقله بقليل، لم يكن على عادته. «وجهه أسود، وبدخن كثير. وسلمت عليه، وما سلم علي بالحرارة اللي كنت مستنيها منه». ويقول الزميل إنه كان يمر بفترة صعبة في الشهرين الأخيرين، أصبح فيها سريع الغضب، على خلاف ما كان عليه طيلة معرفته به. 

يقول زميل سابق للهلالات في العقبة إنه كان شديد التعلق بالأماكن التي يعمل فيها، وكان يشعر أنه إن ترك عمله فيخسر كل شيء. ويقول أيضًا إنه في أعقاب محاولة الانتحار الأولى، قال الهلالات لزملائه الذين زاروه: «أنا ما ظلّش إلي إشي في الدنيا هاي، إذا طلعت من المستشفى، خلص».

* تحديث: عقب نشر هذا التقرير، توفي ناصر الخريسات متأثرًا بجراحه بعد أن ظل في حالة حرجة لأيام.

ساهم في إعداد هذه المادة كل من دلال سلامة وشاكر جرار ولينا عجيلات.