كيف أثّرت أزمة كورونا على حرّاس البنايات في الأردن؟

الثلاثاء 23 حزيران 2020
حارس البناية خالد رمضان أمام البناية التي يعمل بها في حي الزهور في العاصمة عمّان. تصوير شيرين النعنيش

على مدى تسعة أعوام منذ قدومه إلى الأردن، اعتاد المارّة القاطنون في شارع فرعي في جبل الياسمين، في العاصمة عمان، رؤية محمد سامي، (37 عامًا)، مصري الجنسية، جالسًا أمام واحدة من أقدم العمارات المبنية في المنطقة، يراقب عن كثب الشوارع المحيطة بها ويرصد أي تحركات مريبة، فهو يعمل حارسًا لهذه البناية السكنية المكونة من 13 شقة. لكن، يبدو أن هذا المشهد الروتيني على وشك أن ينتهي بعد حوالي عقد من الزمان، بسبب آثار أزمة كورونا.

«لو استمر الوضع على كده حضطر إني أرجع مصر لأنها بتكون غربة ببلاش». هكذا يقول محمد، الذي قضى أشهر الحظر وحيدًا في غرفته الصغيرة، بعد أن عادت عائلته التي كانت تعيش معه إلى مصر لقضاء الإجازة أواخر سنة 2019، دون أن يعلموا أن أمواج الأزمة ستجرف بهم بعيدًا عن محمد، بعد أن تقطّعت سبل العودة. اعتاد محمد وعائلته على الأردن وأسلوب الحياة فيها. «بيعزّ عليّ أسيب البلد بعد كل السنين دي، الناس هنا بقوا ناسنا وحتى نمط عيشتنا وأكلنا بقى أردني».

يتقاضى محمد 20 دينارًا شهريًا عن كل شقة في البناية، ما يجعل مجموع ما يتقاضاه شهريًا 240 دينارًا لأن هناك شقة واحدة غير مأهولة. لكنّ مهنة «البواب» لا تقتصر فقط على الحراسة، بل تلازمها مهام أخرى يبحث سكان العمارة عمّن ينجزها، وتشكّل في الوقت ذاته دخلًا إضافيًا للعامل. «كانت بتوفي معايا قبل أزمة كورونا لأني كنت بشتغل في إحدى العمارات المجاورة، يعني مثلا أغسل سيارات أو سجاد أو يبعتوني أشتريلهم خضار وحاجات وكده»، يوضّح محمد.

محمد سامي أثناء تنظفيه إحدى السيارات في البناية التي يعمل بها، تصوير شيرين النعنيش.

يقول محمد إن المبلغ الإضافي الذي كان يحصل عليه عند قيامه بهذه المهام، ساعده في تغطية مصاريف أسرته المكوّنة من زوجته وطفليه، إضافة إلى تكاليف تصريح العمل والفحص الطبي، فمحمد من فئة العمالة الوافدة الحرّة الملتزمة باستصدار تصاريح العمل. أما بعد أزمة كورونا، فقد استحال على محمد موازنة المصاريف على حد تعبيره: «اللي بَشتغل عندهم بقوا يشكوا من الوضع والحظر وبالتالي قلّ دخلي الشهري كتير، صار فقط راتب العمارة التي بشتغل فيها بس … والله ما بتوفيش معايا».

تجمع محمد بسكان العمارة علاقة وطيدة تعاقبت عليها السنين، وهو على حد تعبيره لا يطلب مساعدةً من أحد، إلّا أن أصحاب الشقق يبادرون بتقديم العون والمساعدات العينية له. «أنا بقالي مع سكان العمارة دي سنين طويلة، ووالله معاملتهم حسنة جدًا، وحتى بعد ما رجعوا زوجتي وأولادي مصر كمّلت معاملتهم ليا زي ما هي كويسة».

يفكّر محمد بالرحيل بشكل نهائي، مضطرًا، لأنه لم يستطع تحويل أي مبلغ لعائلته العالقة في مصر، ولا حتى زيارتهم، يقول: «وزارة العمل ما بتديش إجازات خروج وعودة حاليًا، المتاح الآن خروج بلا عودة».

وكانت وزارة العمل قد أطلقت في 26 نيسان منصة تتيح للعمالة الوافدة في الأردن العودة لدولهم، وتم تمديد الفترة بعد ذلك، بحيث قالت الوزارة بشكل صريح إن فرص العمل أصبحت محدودة للغاية بسبب أزمة كورونا، والحاجة أصبحت ملحّة للتركيز فقط على الاحتفاظ بالعمالة الأردنية.

رغم أن تبعات أزمة كورونا طالت معظم القطاعات الاقتصادية وفئات العاملين، إلا أن العمالة الوافدة هي من الفئات الأكثر تضررًا

رغم أن تبعات أزمة كورونا طالت معظم القطاعات الاقتصادية وفئات العاملين، إلا أن العمالة الوافدة هي من الفئات الأكثر تضررًا؛ فحتى بعد أن استأنفت معظم القطاعات الاقتصادية عملها، اشترطت الحكومة ألا تقل نسبة العمالة الأردنية فيها عن 75%، ما يجعل الحدّ الأعلى للعمالة غير الأردنية 25%.

وتعد مهنة «حراسة المنشآت والمواقع» من المهن الـ28 المغلقة، أي المخصصة «للأردنين فقط»، بموجب قرار وزارة العمل الصادر عام 2019، بينما نص القرار على التعامل مع «حراس البنايات» تحديدًا بوصفهم «عمال نظافة»، بحيث تكون هذه المهنة «مقيدة وليست مغلقة»، أي يسمح للعمال الوافدين بالعمل فيها وفق شروط.

ومع أن الحكومة أقرت أن العامل غير الأردني معفى من كافة الرسوم والغرامات المترتبة عليه في حال مغادرته لأراضي المملكة، لا يبدو أن هذه النقطة هي الشاغل الأساسي للعمال، كما يقول محمد: «أنا أصلًا معنديش غرامات، بس أتمنى أفضل أشتغل هنا».

«غربة ع الفاضي»

«عانيت معاناة شديدة أوي، والله وصلت لمرحلة بكلّم نفسي»، هكذا يصف خالد رمضان (34 سنة)، مصري الجنسية، أوقات الحجر الصحي العصيبة التي قضاها بمفرده في حجرة منزوية داخل العمارة التي يحرسها في حيّ الزهور، أحد أحياء العاصمة عمان.

يعيش خالد بمفرده هنا، إذ هاجر إلى الأردن عام 2005، تاركًا زوجته وطفليه، ثلاث وخمس سنوات، في بيت متواضع في ريف مصر. وقبل توقف حركة السفر بعشرة أيام، وإغلاق المعابر الحدودية الجوية والبحرية والبرية بسبب جائحة كورونا، عاد خالد إلى الأردن من إجازته التي قضاها في مصر، دون أن يتوقع أن تؤول الأمور في الأردن إلى ما آلت إليه، «لو في مجال كنت رجعت، متخيلتش يقفلوا البلد، دلوقتي يدوب بقدر أشتري دخان ورصيد، اللي جاي على قد اللي رايح، مش مستفاد من الغربة». 

تمكن خالد من إرسال مبلغ بسيط لعائلته مرة واحدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، يقول: «عادةً ببعت ليهم كل شهر فلوس، ولكن المرة دي ما قدرتش بسبب الظروف، بقيت أستلم نص مرتبي بسبب ظروف كورونا».

خالد رمضان أمام البناية التي يعمل بها في حي الزهور، تصوير شيرين النعنيش.

اسثنيت العمالة الوافدة من البلاغ الحكومي الذي قُدّم مؤخرًا، ما يعني أن قانون العمل وحده هو الملزم لصاحب العمل دون أي تدخل من الوزارة إلا وفقًا للقانون، على عكس العامل الأردني الذي يتمتع بإمكانية التقدّم بشكوى لوزارة العمل إذا تعسف صاحب العمل، وتلزم وزارة العمل صاحب العمل بإعادة العامل إلى عمله ودفع أجره المعتاد كأن الفصل لم يتم، وإذا امتنع صاحب العمل عن ذلك يكون عرضةً لتطبيق العقوبات الواردة في أمر الدفاع من قبل الجهات القضائية المختصة.

لكن رغم ما جاء في نص البلاغ، قالت مديرية الإعلام والاتصال والعلاقات العامة في وزارة العمل، ردًا على أسئلة حبر، إنه «لا يوجد ما يمنع حارس البناية أو عامل النظافة أو أي عامل آخر من التقدم بشكوى لوزارة العمل، حيث يجب على مفتش وزارة العمل التحقق من الشكوى واتخاذ الإجراء القانوني المناسب». وأضافت الوزارة إن تقديم الشكوى متاح بأكثر من طريقة، إما «[إلكترونيًا] من خلال منصة حماية أو من خلال السفارات المعنية أو من خلال زيارة وزارة العمل مباشرة».

يقول كريم الصغيّر، من القسم الإعلامي في مرصد العمّال الأردني، إن عدد المتقدمين للمغادرة على المنصة ضئيل جدًا مقارنة بالأرقام المتواجدة على أرض المملكة، ويعزو الصغير السبب في ذلك إلى أن فكرة العودة النهائية بعد سنين عمل طويلة، تدفع العامل إلى الاحجام عن التقديم والتريث في ذلك. وحتى تاريخ 16 حزيران 2020، تقدّم 1500 عامل وافد بطلب العودة كما أوضح محمد عودة، المساعد المالي والإداري في مؤسسة الضمان الاجتماعي، في إحدى مقابلاته التلفزيونيةووضعت الحكومة مجموعة من الإجراءات التي تتيح للعمالة المصرية تقديم طلبات صرف تعويض الدفعة الواحدة من الضمان الاجتماعي لتغطية تكاليف العودة.

«لمّا تشتغل حارس يعني أنت مش حر، شبه واحد ومراته، مينفعش أروح وآجي إلا لما يكون عند صاحب العمارة علم ويأذنلي»

يقول خالد إن مهنة حراسة العمارات أو «البواب» كما يسميها البعض ليست مهنة هيّنة. «لمّا تشتغل حارس يعني أنت مش حر، شبه واحد ومراته، مينفعش أروح وآجي إلا لما يكون عند صاحب العمارة علم ويأذنلي». ويضيف أن على حارس العمارة العناية بنظافتها، وخاصة مدخل العمارة والأدراج والمصعد. إلّا أنه سعيد بهذه المهنة لأن سكان العمارة أصبحوا كعائلة له في الغربة. «الجيران اللي تحت كانوا بيطلعولي الفطور كل يوم في رمضان، بس عشان كورونا مكنّاش نتكلم ونتواصل كتير، بس ما قصروش وما نسيونيش».

تقول باسمة الحريري (54 سنة)، إحدى قاطنات العمارة التي يحرسها خالد، إن العمارة بدون حارس «بهدلة»، إذ كانت تسكن من قبل في إحدى العمارات التي لا يعمل فيها حارس، ولم يكن الجيران متعاونين في أداء المهمات المشتركة، مثل المحافظة على نظافة العمارة. وحالما انتقلت للعيش هنا، لاحظت الفرق، حيث أصبح الحارس يتكلّف بالمهام الروتينية جميعها.  «الحارس بشطف، بشيل معنا، بينتبه ع أولادنا، وهو محترم كتير، لهيك بنحب نساعده، لأنه مش ابن بلد وماله حدا».

وتوضّح باسمة أنهم أرادوا التعاون مع خالد أثناء جائحة كورونا «لأنه منا وفينا» ولكنهم فضّلوا إيصال الطعام والحاجيات له بشكل يومي عن بعد، دون احتكاك به، بسبب طبيعة انتشار الفيروس السريعة.

يقول محمد إن أزمة كورونا أثرت عليه ماديًا ونفسيًا، إذ قضى غالبية وقته أثناء الأزمة وحيدًا، «كنت أبكي في الصلاة وأدعي ربنا يفرجها». فهو امتنع حتى عن تلبية بعض دعوات أصدقائه على الإفطار وآثر البقاء في غرفته التزامًا بالتوجيهات الحكومية. لكنّه يشعر نفسه محظوظ بفضل صاحب العمارة وسكانها الذين يعاملونه بمهنية واحترام. «عندي أصحاب أعرفهم ما بيتعملوش معاملة كويسة، وممكن يروح يجيب دخان أو شيء يطلبه منه حد من سكان العمارة في أي وقت، ولو الجو برد أو الدنيا بقت ليل».

ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة، يبدو أن مهنة «حراسة البنايات» محصورة بالعمالة المصرية بالدرجة الأولى. وبحسب أرقام وزارة العمل لعام 2018، تمثل العمالة المصرية النسبة الأعلى بين العمالة الوافدة الحاصلة على تصاريح عمل في سوق العمل الأردني والبالغة %53.6، بحيث يوجد قرابة 190 ألف عامل من الجنسية المصرية من أصل 300 ألف عامل وافد يحملون تصريح عمل على أراضي المملكة.

الأمل بتحسن الأوضاع وانجلاء الأزمة شجّع خالد على التمهل لبضعة أشهر قبل تقديم طلب العودة، خاصة أنه ليس عامل مياومة وله دخل ثابت، وإن قلّ نتيجة الأزمة. إلّا أن الحال في الآونة الأخيرة قد أصبح «غربة ع الفاضي» كما يصفه، ما دفع به إلى التفكير في العودة بشكل نهائي. يؤكد خالد في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، أنه سيختار العودة بلا تردد. «ولادي وحشوني، برمضان لما كنت بكلمهم، بقوا يقولولي بابا افتح الكاميرا عايزين نشوفك وما يقبلوش أكلمهم صوت بس .. تعبت!».

العودة اضطرار لا اختيار

«أنا عاوز أفضل هنا، بس ما ينفعش، حتى الواحد يحتار يجيب 168 دينار تمن تذكرة الرجوع منين، وكمان عاوزين 12 دينار زيادة تمن الباص اللي هياخدنا المطار»، يحدثنا حمادة* (43 سنة)، مصري الجنسية، عن المعضلة التي يعيشها بسبب أزمة كورونا التي قضت على أي فرصة له بالبقاء في الأردن، بعد أن أنهى صاحب العمارة التي يحرسها خدماته متحرجًا بسبب تعثّر الأحوال المادية. «ما بحبش أشوف نظرات شفقة وعطف، قلت أرجع لأن الوضع مش مجزي بالمرة، حتى أصحاب الشقق واضح عليهم تأثرهم بأزمة كورونا ويا دوب يغطوا تكاليف عيالهم»، يقول حمادة.

حضر حمادة إلى الأردن بعد أن أنهى دراسته الجامعية في تخصص الأدب الإنجليزي، أواخر التسعينيات. وقام بحراسة عدّة عمارات في مناطق مختلفة غرب وجنوب العاصمة عمّان، ويأسف أن رحلة عقدين من الزمان قد شارفت على الانتهاء على غير رغبة منه. «أنا تعوّدت على الأردن وتضاريس جبالها وهواها، وحتى لما بروح مصر إجازة بشتاق للحمص بالزيت وبروح مطاعم شامية أدور عليه». تنقّل حمادة بين دول مختلفة مثل ليبيا والسعودية لبضعة أسابيع، ساعيًا وراء رزقه، قبل أن يستقر في الأردن «بالصدفة» في نهاية المطاف. 

الدخول إلى عالم «حراسة البنايات» ليس بالأمر السهل، يوضّح حمادة، فقد تطلّب الأمر في البداية بناء سمعة طيبة بين أصحاب العقارات، «بعد ما الناس عرفوا أمانتي وإني بفهم بكتير أمور بقوا يأمنوا عليّ أمسك العمارات، مش أي حد ممكن يعمل كده». 

يستطيع حمادة تمييز الغريب بسهولة لأنه يحفظ سكان العمارة حفاظًا على الأطفال، كما يقول، ويبدأ عمله بعد صلاة الفجر ليبدأ بنقل نفايات الشقق ثم التنظيف. كما تعلّم حمادة بعض المهارات الأخرى التي تدعم مهنته كحارس عمارة. «بواب العمارة لازم يفهم في الكهربا والمية وحتى نفسية الجيران وكيفية التعامل معاهم، ولازم يعرف أحسن أماكن ممكن تشتري منها الجاج والخضار وحاجات البيت، ما ينفعش تعتمد على دخل حراسة العمارة بس».

«الوضع مع أولادي وعيلتي بكون أحسن، بس حاسس إني حرجع زي غريب في بلدي، وغريب بين أهلي»

لكن منذ بدء أزمة كورونا، أصبح دخل حمادة لا يكفيه وحده، ناهيك عن أن يبقى فائض منه ليرسله إلى عائلته في مصر. تسكن عائلة حمادة في الإسكندرية ولديه أربعة أطفال صغار؛ الكبير في عمر التاسعة، والثلاثة الصغار توأم في عمر السابعة، ما يجعل توفر السيولة المادية بشكل دائم أمرًا لا بد منه لتغطية مصاريف المدارس وتوفير مستوى معيشة مناسب لهم، ولكن تحقيق هذا الهدف أصبح مستحيلًا في ظل غربة لا تجدي نفعًا، على حد تعبيره.

«الوضع مع أولادي وعيلتي بكون أحسن، بس حاسس إني حرجع زي غريب في بلدي، وغريب بين أهلي»، يقول حمادة، الذي قام بتسجيل اسمه على منصة عودة العمالة الوافدة قبل ثلاثة أسابيع تقريبًا. ويضيف أن تأثير الأزمة النفسي والمعنوي عليه قد فاق التأثير المادي؛ فها هو يحزم حقائبه اليوم، ماضيًا في رحلة ذهاب بلا عودة إلى مسقط رأسه، دون أن يدري أي مستقبل ينتظره وعائلته.


* تم تغيير الاسم بناء على طلبه