اللجوء من صنعاء إلى عمّان: «جذوري تركتها في اليمن»

الأحد 05 أيلول 2021
تصميم عبير عنبتاوي

عندما بدأت أولى غارات «عاصفة الحزم» على العاصمة اليمنية صنعاء، ليل 25 آذار 2015، كانت زوجة محمد[1] وأبناؤهما الثلاثة يحتمون بجدار إحدى غرف الطابق الأرضي في منزلهم في المدينة، في حين كان محمد أمام باب الحمام يحاول تهدئة روع طفلهم الرابع الذي كان في الداخل، كان الطفل وقتها في الـ12 من عمره، ويعتقد محمد أن الرعب هو سبب الإسهال الذي أصابه فجأة، فأخذه إلى الحمام، وظل يدق بابه بانتظام ليعرف الصغير أن والده ما زال في الجوار، وهو يردد على مسمعه: «أنا هنا، لا تخف، لا تخف».

كان من المفترض ألا تستمر الغارات أكثر من شهر، لكن التحالف مدّدها إلى ما لا يزيد عن «خمسة أو ستة أشهر»، لإنهاء الحرب التي قادتها السعودية بمشاركة عربية وغربية ضد حركة أنصار الله (الحوثيّين) المناوئين للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وعندما انقضت الأشهر الستة دون أن تتوقف الحرب، فرّ محمد بعائلته، بحثًا عن الأمان إلى الأردن، حيث يعيشون منذ ست سنوات، وحيث تحقق لهم الأمان المنشود، كما يقول. لكنه أمان حياة اللجوء، المصاحب للضعف والوحدة وانكسار النفس، «صحيح أنا في أمن وأمان (..) [لكن] أنا أصبحت لا شيء الآن، منتظر مساعدات (..) يعني أنا أصبحت زي العاجز، بدل ما كنت في اليمن الكل في الكل، أُسيّر الأمور على كيف ما أشتهي وأخطط، الآن لا حول لي ولا قوة».

كان محمد موظفا حكوميًا[2] في اليمن، عُيّن في وظيفته بعد تخرجه من الجامعة عام 1990، العام الذي توحد فيه شطرا اليمن الشمالي والجنوبي برئاسة علي عبدالله صالح، الذي استلم في تلك السنة رئاسة البلد الموحد، بعد ترأسه اليمن الشمالي عام 1978. لم يكن تدبير المعيشة زمن صالح، الذي رافق حكمه اتهامات بالفساد، أمرًا سهلًا، يقول محمد، حتى بالنسبة لشخص مثله يتلقى راتبًا جيدًا مقارنة بغيره. لهذا، عندما اندلعت مظاهرات «الربيع العربي» عام 2011 في عدة عواصم عربية، لم يكن امتدادها إلى المدن اليمنية مفاجئًا.

يتذكر محمد كيف أن المحتجين المطالبين برحيل الرئيس ظلوا في الشوارع عامًا كاملًا، قبل أن يُجبَر على التنازل عن السلطة لنائبه هادي عام 2012. وهي السنة التي يقول إنها كانت بداية الانهيار، عندما بدأت أسعار المواد التموينية ومشتقات النفط ترتفع مع التراجع المضطرد لقيمة العملة اليمنية. ثم جاءت قمة المأساة في عام 2015، عندما بدأت الحرب ودخلت البلاد عهدًا جديدًا، جعله يحن إلى عهد صالح ويتمنى أن «يرجع الفساد اللي كان»، ففي النهاية، كما يقول، كان هناك حد أدنى من الأمن والخدمات الأساسية.

لأنه واعٍ بهشاشة وضعه كطالب لجوء في بلد غريب، يتصرف محمد متبعًا المثل «يا غريب كون أديب»، فلا يخرج من منزله إلا ووثيقة اللجوء في جيبه، ولا يتكلم في السياسة، ولا ينتقد أحدًا.

وبين السنوات الثلاثة هذه نمت سطوة الجماعات المسلحة، وتقطعت أوصال المدن اليمنية بالحواجز التي أقامتها الجماعات المتصارعة على السلطة، وصارت الرحلات التي لطالما قطعها في إطار عمله بين صنعاء وحضرموت والحديدة وتعز شبه مستحيلة، فعلى نقاط التفتيش كان المارّون معرّضين للسلب والحجز، ويمكن أن «يقتلوك، ما توصليش». وقد كان مرعوبًا وقتها من فكرة أن يخسر ابنيه، اللذين كانا في الثامنة والـ12 من عمرهما، لصالح «الجبهات».

يقول محمد إنه عندما جاء إلى الأردن كان يظن أن الحرب لن تستمر في أسوأ الأحوال أكثر من سنة أو سنتين، ومع ذلك باع منزله في صنعاء، لأنه كان الحل الوحيد لتوفير سيولة تمكّنه من شراء تذاكر السفر، وتمويل معيشتهم في الأردن إلى حين العودة.

سجل محمّد وعائلته طلبًا للجوء في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهم الآن بين قرابة 13 ألف يمني مسجل في «المفوضية»، وبحسب تصريحات حكومية فإن عدد اليمنيين في الأردن يقدّر بضعف هذا الرقم. ويحتلّ اليمنيون المرتبة الثالثة، بعد السوريين والعراقيين، من مجمل المسجلين في المفوضية في الأردن، والبالغ عددهم 758 ألف شخص.

تسجيله في المفوضية أمّن له إقامة شرعية في الأردن، وأهّله للاستفادة من عدة خدمات منها تسجيل أبنائه في المدارس الحكومية، والحصول على رعاية صحية في المراكز الصحية الحكومية بأسعار مخفضة، عن طريق منظمة الكاريتاس، لكنه لم يضمن له ولعائلته الحصول على مساعدة مالية منتظمة.

تذكر المفوضية على موقعها أن الموارد المالية محدودة، لذلك تصرفها للحالات الأكثر حاجة للمساعدة، مثل العائلات كبيرة الحجم، أو تلك التي فيها أفراد من ذوي الإعاقة، أو النساء الأرامل، وغير ذلك من حالات الضعف.

ولم يكن ما سبق ينطبق على عائلة محمد، لهذا فإن كل ما يتلقاه من المفوضية، كما يقول، هو مبلغ سنوي غير منتظم القيمة، تراوح خلال السنوات الماضية بين 150 و300 دينار. وللصدفة، وصلته أثناء المقابلة رسالة من المفوضية تطلب منه القدوم لاستلام المساعدة. أرسل في الحال رسالة لزوجته يبلغها، وابتسم عندما ردت عليه برسالة فيها ألعاب نارية تعبيرًا عن ابتهاجها. لكن ابتسامته غامت سريعًا، وهو يقول إن المبلغ سيذهب على أي حال لمالك الشقة التي يستأجرها، فقد كان اليوم الـ17 من الشهر، ولم يكن قد دفع بعد الإيجار البالغ 170 دينارًا من أجل شقة مكونة من غرفتي نوم وصالة، يعيش فيها مع زوجته وابنيه، إضافة إلى ابنته وزوجها وطفلهما.

وفيما لا تقدم المفوضية له دخلًا منتظمًا، فإن القانون يمنعه من العمل. فباستثناء السوريين، لا يُمنح المسجلون في المفوضية في الأردن تصاريح عمل، إلا إذا ألغوا تسجيلهم في المفوضية. وإلغاء التسجيل، بحسب محمد، لا يعني الحصول على تصريح العمل تلقائيًا، وهو يعرف حالات لطالبي لجوء رُفضت طلباتهم للحصول على تصريح عمل بعد أن ألغوا تسجيلهم، وأصبحوا بذلك مقيمين غير شرعيين. ولأنه لا يُسمح لمن ألغى تسجيله أن يسجّل من جديد، فإن إلغاء التسجيل يعدّ مخاطرة كبيرة كما يقول محمد. وهو ما يدفع المسجلين في المفوضية إلى مخاطرة أخرى، هي العمل «من تحت لتحت»؛ أي من دون تصريح عمل، ومن هؤلاء ابنه وابنته اللذان ينفقان عمليًا على العائلة.

«كبسات» مراقبي وزارة العمل، يقول محمد، هي كابوس العاملين بشكل غير قانوني، عندما يبدأ فجأة العاملون في المكان بتنبيه بعضهم بالقول «لجنة لجنة لجنة»، في إشارة إلى لجنة التفتيش التابعة للوزارة. وما يحدث في العادة حينها أن من يعمل في مطعم يهرب ليختبئ في الحمام، أو يجلس على طاولة ويبدأ بالأكل متظاهرًا أنه زبون، والبائع في المحل التجاري يتظاهر أنه مشترٍ.

عندما جاء إلى الأردن كان محمد يظن أن الحرب لن تستمر في أسوأ الأحوال أكثر من سنة أو سنتين، ومع ذلك باع منزله في صنعاء، لتمويل معيشتهم في الأردن إلى حين العودة.

بعد ست سنوات في الأردن، ما زال الوضع القانوني لمحمد وعائلته «طالب لجوء»، فيما حصل واحد من أبنائه فقط، قبل سنتين تقريبًا، على اعتراف من المفوضية بكونه لاجئًا، وهذه خطوة قرّبته من الحصول على توطين في بلد آخر. لا يفهم محمد المعايير التي تنظم عملية «الاعتراف»؛ أي تحويل الشخص من «طالب لجوء» إلى «لاجئ»، كما لا يعرف لماذا حصل ابنه بالتحديد على الاعتراف دون باقي أفراد العائلة، ويقول إن المفوضية لا تقدم إجابات، كما لا زمن محدد تسير وفقه العملية. لذا، فهو لا يدري كيف ومتى وفي أي اتجاه سينتهي حاله هذا.

يشعر محمد بنفسه كما لو أنه معلق في الهواء، يقول «جذوري تركتها في اليمن»، وأي ريح خفيفة يمكنها أن تطيح به. يدق على الجدار خلفه ويقول إن عائلته وأقاربه ومجتمعه في اليمن كانوا سندًا بصلابة هذا الجدار «حاطه بظهري»، لكنه الآن وحيد ومعزول. ولأنه واعٍ بهشاشة وضعه كطالب لجوء في بلد غريب، فإنه يتصرف متبعًا المثل «يا غريب كون أديب»، فلا يخرج من منزله إلا ووثيقة اللجوء في جيبه، ولا يتكلم في السياسة، ولا ينتقد أحدًا، ويمشي «جنب الحيط (..) حتى لو حدا يغلط علي أقول الله يعطيك العافية».

رغم وجود عدد كبير من اليمنيين في الأردن، إلا أن علاقته بهم محدودة، وتكاد تقتصر على التواصل بالهاتف، فهم يتوزعون على مناطق متباعدة، والتواصل الوجاهي يستلزم، كما يقول، دفع كلفة مواصلات وضيافة ترتقي إلى ما تقتضيه التقاليد، وهذا عبء كبير في ظل وضع مادي صعب يعيشونه جميعًا.

لذا، فهو يتواصل معهم بالطريقة نفسها مع أقاربه في اليمن، من خلال تطبيقات التواصل المجانية على الإنترنت، وهو أمر صعب في أحيان كثيرة، بسبب الضعف الشديد لشبكة الإنترنت هناك، والانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي. يخبره أقاربه كيف أن الحياة هناك عادت إلى الخلف 50 عامًا، فلا خدمات ولا تعليم ولا صحة، فضلًا عن انقطاع المشتقات النفطية والغاز، والارتفاع الهائل في أسعار المواد التموينية.

كثير من الباقين في اليمن، يقول محمد، هم من غير القادرين على الخروج. وهناك المستفيدون مما يجري، وهم برأيه الأطراف المتصارعة وأتباعهم، الذين تقاسموا الموارد من نفط وثروة سمكية وموانئ، ولا يبدو له أن هذا الوضع سينتهي قريبًا. هو الآن مقتنع أن الصراع ما زال في بدايته، ما أفقده الأمل في العودة للاستقرار في اليمن، كما لا يستطيع زيارة بلاده، فمغادرة المسجلين في المفوضية للأردن تعني إلغاء تسجيلهم فيها، ومنعهم من العودة.

بهذا المعنى، هو عالق وعائلته هنا في الأردن، وتمضي حياتهم في انتظار أن تعترف المفوضية بهم لاجئين، وأن يحصلوا بعدها على توطين في أي بلد يقبل بهم، كما حدث مع العديد من معارفه الذين غادروا إلى بلدان في الغرب، ويرسلون له صورهم أمام أنهار وبحيرات يسبح فيها البجع، ويكتبون له «إحنا في الجنة».

وهو في الانتظار، يسلّي نفسه بمشاوير سيرٍ طويلة إلى وسط البلد، يكون فيها وحيدًا لأن زوجته التي تعاني من مشاكل صحية غير قادرة على السير لمسافات طويلة. لكنه يأخذها في المساءات ليجلسا في الحديقة المجاورة لمنزله. ما يسميه حديقة، هو مسطح من الإسمنت، مساحته بضعة أمتار، سوّرته أمانة عمان وسط تقاطع أربعة شوارع رئيسية، ووزعت عليه بضعة مقاعد وأحواض من الزهور.

وسط كل هذا الارتباك وعدم الاستقرار، دُفع محمد باتجاه تزويج ابنتيه عام 2018، ولدى كل واحدة منهما طفل. لقد ظلت ترعبه فكرة أن يحدث له شيء، ويرى أن زواجهما يؤمن لهما الحماية. يقول محمد إن الحياة تستمر حتى في وضع اللجوء، فالأمر بحسبه يشبه أن تقف أمام شاحنةٍ عليك أن تدفع عجلاتها الضخمة إلى الأمام بيديك العاريتين، ستتحرك العجلات قليلًا إلى الأمام، ثم سترجع عليك، لكنك ستكون مطالبًا دائمًا أن تواصل دفعها إلى الأمام.

  • الهوامش

    [1] اسم مستعار بناءً على طلب صاحبه.

    [2] شدّد محمد على عدم الكشف عن هويته، لهذا تجنبنا ذكر تفاصيل محددة يمكن أن تؤدي إلى ذلك.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية